الأحد 18 أكتوبر 2020 07:31 ص

أنقرة وزاوية العالم الحادة

لماذ تفتح تركيا عدة جبهات متزامنة غير مبالية بالخصوم والمنافسين المتربصين فعلى ماذا تراهن أنقرة؟!

لا روسيا تعتبرها شريكًا استراتيجيًّا كاملًا ولا أمريكا وأوروبا تعتبراها حليفًا موثوقًا بل لا ترغب أنقرة في ذلك أصلًا!!

زاوية حادة تفسر الطبيعة المتداخلة للمتناقضات في سياسة تركيا فتبدو في الظاهر متطرفة إلا أنها انعكاس لعوالم متعارضة ومتوازية.

باتت أنقرة لغزًا إقليميًّا يصعب قراءته بالنسبة لحلفائها وشركائها بالغرب وأوراسيا فالجميع يطالبها بالتزام كامل يُفقد أنقرة حريتها واستقلالها!

تدير تركيا شبكة علاقات معقدة دوليا وإقليميا بحكم موقعها بزاوية حادة عند تقاطع المصالح والصراعات والمحاور على حافة آسيا وأوروبا والمتوسط والبحر الاسود.

*     *     *

أعلنت تركيا تفعيل واختبار منظومة "أس 400" الروسية للدفاع الجوية، وفي الوقت ذاته اعلنت دعمها وحدة أراضي أوكرانيا بما فيها شبه جزيرة القرم التي تسيطر عليها روسيا، وقبل ذلك بأيام أرسلت سفينة التنقيب الى "المتوسط" في خطوة تمثل تحديًّا لأثينا وقبرص الرومية.

وقبل ذلك بساعات حمَّلت أرمينيا مسؤولية خرق الهدنة في إقليم ناغورني كارباخ الذي تحتلة يرفان منذ ثلاثين عامًا، معلنة دعمها ووقوفها الى جانب أذربيجان.

الولايات المتحدة وفور إعلان تركيا اختبار منظومة "أس 400" عبرت عن غضبها، وإمكانية فرض المزيد من القيود على التعاون العسكري مع أنقرة.

كما حذر الناطق باسم حلف الناتو تركيا من خطورة الخطوة التي اتبعتها، وفي اليوم ذاته استغرب الناطق باسم الخارجية الروسية موقف تركيا من الصراع الدائر في منطقة القرم، في حين هدد الاتحاد الاوروبي وألمانيا تركيا من خطورة التصعيد شرق المتوسط، بحسب زعم برلين.

في وسط هذه العاصفة من المواقف والتصريحات والاشتباكات الدبلوماسية، تقف أنقرة واثقة من موقفها السياسي والدبلوماسي، مصرةً على شق طريقها في الاقليم، غير مبالية بالتحذيرات القادمة من واشنطن، وأخرى من برلين، وثالثة من باريس وموسكو.

يبدو الأمر محيرًا: لماذ تصر تركيا على فتح الجبهات كافة في ذات التوقيت، غير مبالية بالخصوم والمنافسين المتربصين، وعلى ماذا تراهن أنقرة؟!

أنقرة تقترب من روسيا بتفعيلها منظومة "أس 400"، محتفية بعلاقتها مع موسكو، وهي علاقة متشابكة تمتد من القوقاز الى ليبيا مرورًا بسوريا. في مقابل ذلك، تعزز علاقتها مع أوكرانيا الخصم اللدود لموسكو، والحليف المقرب من الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة الامريكية!

أي: تبتعد عن موسكو قليلًا في البحر الاسود، وتقترب منها في الوقت ذاته بخط أنابيب "نورد ستريم" للغاز! تبتعد عن أوروبا في ملف الغاز شرق المتوسط، وتقترب منها في ملف أوكرانيا!

أنقرة باتت لغزًا إقليميًّا يصعب قراءته بالنسبة لحلفائها وشركائها في الغرب ووسط آسيا، فالجميع يطالبها بالتزام كامل يُفقد أنقرة حريتها واستقلالها كدولة؛ فلا روسيا تعتبرها شريكًا إستراتيجيًّا كاملًا، ولا امريكا واوروبا تعتبرانها حليفًا موثوقًا، بل لا ترغب أنقرة في ذلك أصلًا!!

فالشيفرة الحقيقية التي تفك اللغز التركي، وما يمكنها من ادارة شبكة من العلاقات المعقدة في النظام الدولي والاقليمي يكمن في موقعها القابع على زاوية العالم الحادة؛ حيث تتقاطع المصالح والصراعات والمحاور على حافة آسيا وأوروبا والمتوسط والبحر الاسود.

زاوية حادة تفسر الطبيعة المتداخلة للمتناقضات في السياسة التركية التي تبدو في الظاهر متطرفة، إلا أنها انعكاس لعوالم متعارضة ومتوازية على ارض الواقع.

عوالمُ تقف فيها آسيا وأوروبا والبحر الابيض والاسود، والعالم المسيحي والاسلامي على حافتي المنحى الدولي الذي تتعامل تركيا الحديثة معه باحتراف يتناسب وطبيعة الحافة الجغرافية التي تقف عليها.

* حازم عياد كاتب صحفي أردني

المصدر | السبيل الأردنية