الاثنين 26 أكتوبر 2020 10:49 ص

وجدت الهند نفسها على الجانب الخاسر من مقامرة إدارة الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" المعروفة بسياسة "أقصى ضغط" تجاه إيران. فيما تعمل الصين على توسيع وجودها في إيران وتتحرك بسرعة لسد الثغرات التي أحدثتها العقوبات الأمريكية.

وكان من المفترض أن يكون ميناء "تشابهار" الإيراني على طول بحر عمان (والذي كان من المفترض أن تطوره الهند في الأصل) محركا للنمو لكلا من طهران ونيودلهي.

وبعد 4 أعوام من توقيع الاتفاقية الثنائية، أدت صعوبة موازنة الهند بين علاقاتها مع إيران والولايات المتحدة، فضلا عن ارتياح طهران المتزايد لبكين، إلى تعريض الصفقة للخطر. فهل ما زال بإمكان الهند استعادة بوابتها الذهبية الواعدة إلى أفغانستان ومنطقة آسيا الوسطى؟

وزار وزيران من الهند إيران مؤخرا. حيث زار وزير الدفاع "راجناث سينج" طهران في سبتمبر/أيلول وعقد لقاء مع نظرائه الإيرانيين، حيث ناقشوا "قضايا الأمن الإقليمي بما في ذلك أفغانستان، وقضايا التعاون الثنائي"، بحسب روايته. وكانت تلك هي الزيارة الأولى لوزير دفاع هندي لإيران منذ ما يقرب من 20 عاما. وبعد أيام، زار وزير الخارجية الهندي "جايشانكار" طهران لفترة وجيزة و"ناقش تعزيز التعاون الثنائي واستعرض التطورات الإقليمية".

وأثارت كلتا الزيارتين التساؤل حول ما إذا كانت تأثيرات حملة "أقصى ضغط" التي تشنها واشنطن ضد إيران قد تهدد المصالح الاستراتيجية للهند على المدى الطويل، وخاصة مع نشاط منافستها الصين.

وفي حين نجحت "أقصى ضغط" في تركيع الاقتصاد الإيراني، وإثارة عدم الرضا بين السكان الإيرانيين، وزيادة الضغط على النظام، والأهم من ذلك، توليد مستوى عالٍ من التوتر في منطقة الخليج العربي، فمن الواضح أنها لم تحقق هدفها الرئيسي المتمثل في تغيير "سلوك طهران".

ومع ذلك، فقد نجحت العقوبات الأمريكية في إجبار بعض شركاء إيران، ولا سيما الهند، على تقليص روابطهم الاقتصادية مع طهران، حيث تراجعت التجارة الثنائية بين الهند وإيران من 17 مليار دولار في 2018-2019 إلى 3.5 مليار دولار في 2019-2020، ويرجع ذلك أساسا إلى انخفاض صادرات النفط الإيرانية إلى الهند إلى الصفر.

ويمكن للولايات المتحدة مساعدة الهند على استبدال النفط الإيراني. لكنها لا تستطيع أن تقدم للهند موقع إيران الجغرافي الفريد، الذي يصل بين المحيط الهندي والشرق الأوسط والخليج العربي وآسيا الوسطى وأوروبا.

وعلى مدى أعوام، حاولت الهند موازنة علاقاتها مع إيران والولايات المتحدة. وكان تخوف نيودلهي من أن الرضوخ لواشنطن ينطوي على خطر خسارة إيران لصالح الصين. ويبدو أن هذا الخوف أصبح واقعا.

إيران والصين

بعد وقت قصير من إعلان 8 أكتوبر/تشرين الأول عن العقوبات الأمريكية المفروضة حديثا على القطاع المالي الإيراني، زار وزير الخارجية الإيراني "محمد جواد ظريف" الصين لإجراء "مشاورات وثيقة". ووفقا لوزارة الخارجية الإيرانية في ذلك الوقت، فإن كلا البلدين "يشتركان في وجهات النظر حول مجالات مهمة مثل مكافحة الأحادية الأمريكية والتدخل في الشؤون الداخلية للدول".

وبعد انسحاب إدارة "ترامب" من خطة العمل الشاملة المشتركة عام 2018، كانت إيران تأمل في أن يعزز الاتحاد الأوروبي بقوة التجارة الثنائية والاستثمار للتخفيف من آثار العقوبات الأمريكية. وبينما أطلق الاتحاد الأوروبي بالفعل آلية تجارية خاصة تسمى "إنستكس"، فشلت الشركات الأوروبية، التي تخشى رد الفعل الأمريكي، في استخدام الآلية الجديدة حتى الآن.

نتيجة لذلك، برزت الصين كأهم شريان حياة اقتصادي لإيران. وفي أوائل يوليو/تموز، أعلن "ظريف" أمام البرلمان أن إيران والصين تتفاوضان على صفقة مرتقبة مدتها 25 عاما تغطي التجارة والبنية التحتية والطاقة بقيمة تقدر بنحو 400 مليار دولار.

وفي حين أن الصفقة واعدة من وجهة نظر إيران، إلا أنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الصين، التي أثبتت استثماراتها في بعض البلدان أنها تنطوي على مشاكل، ستواصل ذلك وإلى أي مدى.

علاوة على ذلك، للحفاظ على التوازن في علاقاتها مع الدول الأخرى في المنطقة، بما في ذلك تلك المعادية لطهران، مثل الإمارات والسعودية، قد تشعر بكين بأنها مضطرة لتوسيع علاقاتها الاقتصادية معها أيضا.

إيران والهند

وبالإضافة إلى مزاياها الاقتصادية، فإن علاقات الصين مع إيران قد توفر أيضا مزايا جيواستراتيجية طويلة الأجل، لا سيما فيما يتعلق بطموحات الهند الإقليمية.

وفي عام 2019، عندما بارك المرشد الأعلى "علي خامنئي" استثمار 300 مليون دولار من قبل صندوق التنمية الوطنية الإيراني لبناء خط سكة حديد يربط "زاهدان"، في الجزء الجنوبي الشرقي من إيران، بميناء "تشابهار"، ميناء إيران الوحيد على المحيط الهندي، أصرت طهران على أنها لا تملك نية استبعاد الهند من مشروع تشابهار.

ولخط السكة الحديدية المخطط له، والذي كانت إيران تأمل في الأصل أن تطوره الهند، أهمية استراتيجية من وجهة نظر "خامنئي"، حيث يأتي كجزء أساسي من خطة طويلة الأمد لربط دول وسط آسيا غير الساحلية، ولا سيما أفغانستان، بخليج عمان في تشابهار، مع تطوير ساحل مكران في منطقة بلوشستان الإيرانية الفقيرة نسبيا.

كما اعتبر المسؤولون الإيرانيون مكران طريقا بديلا لاستيراد البضائع، يتجاوز فعليا مضيق هرمز. وتبلغ المسافة من عُمان إلى تشابهار الإيرانية 155 ميلا فقط، وبالتالي يمكن أن يحل الخط محل اعتماد إيران الكبير على دبي الإماراتية.

وكان تطوير تشابهار سيخدم الهند أيضا بشكل جيد، لأنه سيوفر لها بوابة آمنة ومباشرة إلى آسيا الوسطى عبر أفغانستان.

وفي الوقت الحالي، تمر تجارة الترانزيت من الهند إلى آسيا الوسطى عبر باكستان، وكثيرا ما كانت موضع نزاع بسبب العلاقات الهندية الباكستانية المضطربة منذ فترة طويلة. وفي الواقع، فإن تشابهار أيضا أقرب بـ700 كيلومتر إلى أفغانستان من ميناء كراتشي الباكستاني.

وفي ديسمبر/كانون الأول الماضي، وافقت إدارة "ترامب" على إعفاء ضيق من العقوبات لـ "تشابهار" نظرا لأهميته بالنسبة لاقتصاد أفغانستان، بالرغم أن الإعفاء أثبت أنه غير فعال نسبيا.

الهند والصين

وبعد أن شعروا بالإحباط بسبب تأخر الهند في تطوير تشابهار، اقترح المسؤولون الإيرانيون في يونيو/حزيران 2019 على باكستان، وفي النهاية الصين، مشروعا يربط الميناء الإيراني بميناء جوادر الباكستاني، على بعد نحو 70 كيلومترا فقط.

وصرح "ظريف" في وقت سابق خلال رحلته إلى إسلام أباد في مايو/أيار 2019، قائلا: "كلا الميناءين ليسا منافسين لبعضهما البعض، ويمكنهما أن يكمل كل منهما الآخر".

ويمكن لتشابهار أن يساعد في ربط جوادر بآسيا الوسطى وروسيا وتركيا. ومن غير الواضح ما إذا كان الاقتراح عبارة عن حيلة للضغط على الهند، ولكن بحلول ذلك الوقت، كانت الصين قد أنشأت بالفعل موطئ قدم في تشابهار، بينما تم تطوير جوادار بالفعل على نطاق واسع من قبل بكين.

ويقع جوادر على بحر العرب ويربط شمال غرب الصين بالمحيط الهندي عبر الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني البالغ طوله 3 آلاف كيلومتر. ويعد الممر جزءا من مبادرة "الحزام والطريق" الصينية.

وبينما تحتاج الهند إلى إيران للوصول بشكل آمن إلى أفغانستان والدول غير الساحلية الأخرى في آسيا الوسطى، تمتلك الصين بالفعل روابط برية واسعة مع المنطقة، ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان تشابهار سيتم إدراجه في اتفاقية التجارة والاستثمار البالغة 400 مليار دولار بين الصين وإيران.

ولكن، إذا كان الأمر كذلك، فلن تكسب بكين أصولا أخرى على ساحل بحر العرب كما قال "ظريف" فحسب، بل ستحصل أيضا على وسيلة محتملة لحرمان الهند من نفس الفرصة.

المصدر | فاطمة أمان - ريسبونسيبل ستيت كرافت - ترجمة وتحرير الخليج الجديد