الاثنين 2 نوفمبر 2020 08:02 ص

هامش والمركز .. في المشهد العربي

ضرورة تقريب المركز من الهامش بشكل متوازن لأجل ضمان توازن المجتمع وثبات مركز القرار السياسي عامة.

رغم قدرة المركز أو الدولة العميقة على استعادة مكانته بقي تأثير الهامش ملموسا رغم تراجعه بعد تعرّضه لضربات قوية تسببت في انحساره.

معادلة المركز والهامش تشهد تحولاً هاما يدعو للانتباه أكثر إلى قدرة العمق الشعبي (الهامش) على التأثير في المركز ويُخِل بتوازن ضروري للمجتمع والدولة.

*     *     *

من الوسائل المنهجية الأساسية لفهم تطورات الأحداث في المنطقة مقولة المركز والهامش التي تُعدّ مقولة أساسية في فهم ردود الأفعال الجماعية سواء منها الرسمية أو غير الرسمية.

فالمركز هو أساسا مركز السلطة والقرار وموطن الجهاز التنفيذي السيادي سواء في الدولة أو خارجها، أما الهامش فهو الجزء غير الرسمي من كل مشهد أو مكوّن ويكون في المجمل أقل قيمة وقدرة على التأثير من المركز.

ما حدث خلال السنوات الأخيرة وخاصة في مجال الدول التي عرفت تحولات سياسية كبرى هو قدرة الهامش على الفعل بل وحتى على تجاوز المركز في الفعل مما أدى في حالات عربية كثيرة إلى سقوط المركز كما حدث في تونس وليبيا مثلا.

لكن رغم قدرة المركز ممثلا في الدولة العميقة على استعادة مكانته إلا أنّ تأثير الهامش بقي ملموسا رغم تراجعه بسبب ما تعرّض له من ضربات قوية تسببت في انحساره.

هذه الأحداث المؤثّرة التي غيّرت من موازين القوى عربيا وإقليميا أعادت ترتيب المعادلة وتوزيع القوى بين المركز والهامش بشكل اكتسب معه هذا الأخير فعالية لم تكن له من قبل.

فبالنظر إلى الأزمة الراهنة بين فرنسا والعالم الإسلامي والمتعلقة بالصور العنصرية الساخرة من الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام كان الهامش الشعبي مصدرا أساسيا من مصادر المقاطعة والدعوة إليها وهو ما أعطاها زخما كبيرا وجعل من تأثيرها تأثيرا واسعا.

في سياق آخر مثلت مواقع التواصل الاجتماعي منذ عقد من الزمن تقريبا ملجأ الجمهور العربي العريض للتعبير عن رأيه بعيدا عن وسائل الإعلام الرسمية التي تشكّل أداة المركز في نشر الأخبار والتعليق عليها..

كوّنت هذه المنصات بديلا للإعلام الرسمي وتحديا للمركز الذي لم يُعر هذا الفضاء الجديد اهتماما كبيرا في بدايات تكوّنه لكنه تفطن إلى خطورة استحواذ الهامش على هذا المجال التواصلي.

فبعد أن بلغت المنصات التواصلية من القدرة على التأثير درجة فاقت قدرة المؤسسات الإعلامية الرسمية جنّدت الدول اليوم كل طاقتها من أجل التأثير في هذه المنصات ومنع المركز من الاستحواذ عليها بشكل كلي.

تشير هذه النماذج إلى أنّ معادلة المركز والهامش تشهد تحولاً هاما بشكل يدعو إلى الانتباه أكثر إلى قدرة العمق الشعبي أو الهامش على التأثير في المركز بشكل يخلّ بالتوازن الضروري للمجتمع والدولة.

خلاصة القول تتمثل في ضرورة تقريب المركز من الهامش بشكل يجعل من التوازن بينهما ضامنا لتوازن المجتمع ولثبات مركز القرار السياسي عامة.

* د. محمد هنيد استاذ العلاقات الدولية المشارك بجامعة السوربون، باريس. 

المصدر | الوطن القطرية