وجبة إعلامية فاسدة

مستوى الانحياز بوسائل الإعلام العربية اقترب من الفضيحة ليس على صعيد نشر الأخبار الكاذبة وحسب!

أطلق مجموعة ممن يسمون "محللين سياسيين" أمنياتهم على شكل تحليلات ورغباتهم كنتائج متوقعة ويعتقدون أن بإمكانهم تمرير أمنيات ورغبات كحقائق!

*     *     *

كشفت الفترة الطويلة نسبياً التي استغرقتها عملية فرز الأصوات في الانتخابات الأميركية، أخيرا، عن هشاشة مخجلة في معظم مفاصل الإعلام العربي. ليس على صعيد الخبر وحسب، وهذا مفروغ منه تقريبا، بل أيضا على صعيد الرأي والتحليل والنقاش في إطار المعلومة أيضا.

ففي حين بالغ هذا الإعلام، بكل توجهاته ووسائله، في الاهتمام غير المسبوق بتلك الانتخابات، ما ساهم في فرضها على مزاج المواطنين العرب في كل مكان، وجعلها شغلهم الشاغل، ونتيجتها باب الخلاص لهم مما هم فيه كل على حدة، بدا ذلك الاهتمام شكلانيا ومنحازا بشكلٍ مكشوف، بالإضافة الى الوهن التقني الذي عانى منه مقارنة بالمستوى الذي وصلت إليه وسائل الإعلام الأوروبية والأميركية على هذا الصعيد.

منذ بداية فرز الأصوات، وربما قبلها أيضا، تمايز فسطاطا ترامب وبايدن في الإعلام العربي بصورة صارخة الألوان على الشاشات التلفزيونية، وفي شاشات الأجهزة الذكية أيضا. وبدا واضحا أن من يتابع الأخبار باللغة العربية، ولا يملك ترف متابعتها على الشاشات الأميركية بالإنجليزية مثلا، أمام خياراتٍ متشابهةٍ في الأداء، وإن اختلفت في التوجهات، مع استثناءات قليلة جدا.

ومع الإيمان بأن كل وسائل الإعلام، مهما بلغت مهنيتها واحترافيتها، منحازة بدرجة أو أخرى، وبشكل أو آخر، إلا أن مستوى الانحياز في معظم وسائل الإعلام العربية اقترب من درجة الفضيحة، ليس على صعيد نشر الأخبار الكاذبة وحسب!

لكن أيضا في تمكين مجموعة ممن يطلق عليهم مصطلح "المحللين السياسيين" بإطلاق أمنياتهم على شكل تحليلات، ورغباتهم بهيئة نتائج متوقعة، وهم في الحقيقة يعتقدون أن في إمكانهم تمرير تلك الأمنيات والرغبات على بقية المتابعين باعتبارها حقائق!

وهكذا أصبح الخلط المتعمد، غالبا، ما بين الأمنيات وواقع التحليلات المعتمدة على المعلومات والأرقام ومعطياتها، هو السائد للأسف في معظم ما سمعناه وقرأناه. والمضحك أن بعضهم مستمرّ في نشر ترّهاته وخزعبلاته التحليلية.

وحتى بعد أن كادت حرب الانتخابات أن تضع أوزارها وتغلق أبواب الرصد أبوابها، معتمدا على لغةٍ أشبه ما تكون بلغة ضاربي الودع ومنجّمي الشاشات في ليلة رأس السنة!

الغريب أن كثيرين، كما بدا من رصد عالم وسائل التواصل الاجتماعي في نسختها العربية، انساقوا فعلا وراء هؤلاء الدجالين من باعة الوهم التحليلي المكشوف، وتقبلوا بضاعتهم على أنها حقائق غابت عن الخبراء الحقيقيين ومراكز الرصد والمتابعة في العالم كله!

فعلى سبيل المثال، قرأت مجموعة تغريدات متلاحقة منحازة بشكل فج لمعسكر ترامب، كتبها أكاديمي خليجي يوصف بأنه محلل سياسي وخبير في السياسة الأميركية، أظن أن جاريد كوشنر نفسه يستحي أن يكتب مثلها لصالح "عمه" ترامب.

ورغم أن المعلومات والأخبار اللاحقة والمجمع عليها من الجميع كشفت زيف ما كتبه هذا المحلل، إلا أنه رفض التراجع، وأصرّ على مزيد من خزعبلاته التي يقدّمها لمتابعيه باعتبارها الحقيقة الغائبة إلا عنه!

ولعل هذا الإعلام الفردي يهون أمام سقطات ما يسمى الإعلام الرسمي أو التقليدي الذي ظن أن مهمته الحقيقية تعزيز صورة المعسكر الذي يناصر حكومته وحسب، فإن كانت الحكومة ترامبية الهوى نجد أن هذا الإعلام قد تحوّل إلى ترس في مكينة ترامب الإعلامية، ولكن بنسخة عربية، والعكس صحيح!

وهكذا وجد المواطن العربي الذي فرضت عليه حالة الانتخابات الأميركية، وأصبحت واقعا يوميا بالنسبة له، حتى لو لم يكن مهتما بها أساسا، إلى حد التخمة، لكن الأسوأ من حالة الشعور بالتخمة أنها بسبب وجبة إعلامية فاسدة للأسف.

* سعدية مفرح كاتبة وصحفية وشاعرة كويتية

المصدر | العربي الجديد