الثلاثاء 17 نوفمبر 2020 08:12 ص

دول الخليج والرئاسة الأمريكية: ما تكسبهُ عاصمة لن تخسرهُ أخرى

من الصعب على الفرقاء الخليجيين تجاوز 3 سنوات صاخبة من تشققات عميقة ونافذة داخل البيت الخليجي.

هل يتجاوز بايدن مخاوف حلفاء واشنطن بالمنطقة من الهرولة إلى طهران وتوفير ملاءة مالية كبيرة للإيرانيين؟

يستندُ المحور السعودي الإماراتي في اشتباكاته وصراعاته بالخليج والشرق الأوسط إلى علاقات وازنة ووثيقة مع إدارة ترامب.

لن يكون في مقدور المحورين السعودي الإماراتي أو القطري التركي اعتبار أي نتيجة للانتخابات انتصارًا بمواجهة المحور الآخر

تأمل طهران في إنهاء العقوبات الاقتصادية وإعادة التفاهم الأمريكي الإيراني في العراق وصولًا لعودة واشنطن إلى الإتفاق النووري.

ستكون الدوحة أكثر طمأنينة وثقة بالحليف الأمريكي بمواجهة المحور السعودي الإماراتي لكن التموضع الجديد لصالح قطر قد لا يمثل خسارة للرياض وأبوظبي.

*     *     *

تجري انتخابات الرئاسة الأمريكية في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل وهي الانتخابات الـ 59 منذ العام 1789. ولئن كانت غالبية التوقعات ونتائج استطلاعات الرأي تشير إلى تزايد فرص المرشح الديمقراطي للرئاسة جو بايدن (مواليد 20 نوفمبر 1942م) للوصول إلى البيت الأبيض في 20 يناير 2021 إلا أن تجارب سابقة تؤكد أن الإنتخابات الأمريكية لا ترتهن لنتائج استطلاعات الرأي، خصوصًا في الولايات المتأرجحة.

في منطقة الخليج، وعلى صعيد المواقف، غير الرسمية بالتأكيد، تُفضل ثلاث دول تطل على ساحل الخليج (السعودية/ الإمارات/ البحرين) بقاء الرئيس دونالد ترامب في البيت الأبيض لفترة رئاسية جديدة، قبالة ذلك، تأمل كل من (قطر/ إيران/ العراق) أن تغييرًا في البيت الأبيض لصالح المرشح الديموقراطي جو بايدن سيكون، على الأغلب، في مصلحتها.

خلفيات المواقف

يستندُ المحور السعودي الإماراتي في اشتباكاته السياسية والعسكرية والاقتصادية في منطقتي الخليج والشرق الأوسط على علاقات وازنة ووثيقة مع إدارة الرئيس دونالد ترامب.

ومع مرور سنوات من بدء الحرب في اليمن والأزمة الخليجية والتدخل العسكري في ليبيا والمواجهة المفتوحة مع إيران وفرت إدارة الرئيس دونالد ترامب غطاءًا دوليًا لكل من الرياض وأبوظبي.

وعليه، يبدو بقاء الرئيس ترامب لولاية رئاسية ثانية السيناريو الأكثر قدرة عل طمأنة العاصمتين الخليجيتين مقارنة بقدوم رئيس جديد قد لا يشاطر الرياض وأبوظبي المواقف والمعالجات كلها.

وقبالة المواقف غير الرسمية في كل من الرياض وأبوظبي المتأهبة لبقاء الرئيس دونالد ترامب، يتطلع كلٌ من المحور الإيراني والمحور التركي القطري إلى عهد جديد ورئيس جديد يؤمن توازنًا اقليميًا جديدًا لا تكون فيه للرياض وأبوظبي "أفضلية" نسبية فيه.

تأمل طهران في إنهاء العقوبات الخانقة على اقتصادها المتهالك مرورًا بإعادة التفاهمات الأمريكي الإيراني في العراق وصولًا لعودة واشنطن إلى الإتفاق النووري.

كما وتأمل قطر (البلد العضو في مجلس التعاون الخليجي والذي يعيش أزمة سياسية حادة من كل من الإمارات والسعودية) في أن يكون الرئيس الجديد أكثر إيجابية وتقديرًا لشراكتها الإستراتيجية مع واشنطن في مواجهة الغريمين السعودي والإماراتي وبما يشمل الوصول لتسوية سياسية للأزمة الخليجية.

هذه المواقف، غير الرسمية، لا تعني بالضرورة أن دول المنطقة، من مختلف المحاور والتوجهات، لا تملك المرونة أو القدرة على التعامل والتعايش والتكيف مع أي نتيجة من النتائج.

بايدن والانقلاب المزعوم

لا يمكن الجزم بأن العالم يقف أمام انقلابٍ كبير في السياسة الخارجية الأمريكية في حال نجاح مرشح الحزب الديمقراطي في الوصول إلى الرئاسة. مثل هذا الاستنتاج وإن كان له رواج في وسائل الإعلام المختلفة إلا أنه لا يقف على أرض صلبة.

إذ تبدو تركة الرئيس دونالد ترامب كبيرة ومعقدة ولن يكون في مقدور مرشح الحزب الديمقراطي تجاوز هذه التركة أو نتائجها على أرض الواقع وكذلك المتغيرات التي فرضتها السياسة الخارجية للرئيس ترامب خلال السنوات الماضية.

وبعيدًا عن حمى التصريحات الرسمية للمرشح الديمقراطي الناقدة بشدة للسياسة الخارجية للرئيس ترامب، خصوصًا فيما يتعلق بحرب اليمن والإنسحاب من الإتفاق النووي مع إيران، تبدو التصريحات والمواقف المُعلنة لقائمة المستشارين من قادة ونخب الحزب الديموقراطي أكثر واقعية وبعيدة عن الحرب الدعائية بين المرشحين الرئاسيين.

ملامح التغيير في السياسة الخارجية لواشنطن والتي يبشر بها الديمقراطيون هي على الدوام مشروطة بعدة محددات يُسهب القادة الديمقراطيون في تفاصيلها، فضلًا عن أنها ستحتاج إلى الكثير من الوقت. الأهم من ذلك، يؤكد الديمقراطيون أنهُ تغيير سيحتاج إلى التنسيق الفعال والكامل مع الحلفاء الإستراتيجيين لواشنطن، خطوة بخطوة.

فيما يتعلق والغطاء الأمريكي للمحور السعودي الإماراتي سيكون على إدارة بادين التعامل مع الموقف والصراعات القائمة في منطقة الخليج والشرق الأوسط وفق قواعد تاريخية أهمها الشراكة المحورية والاستراتيجية مع البلدين أولًا، وطبيعة المستجدات في المنطقة ثانيًا. من أهم هذه المستجدات هي اتفاقية السلام الموقعة بين الإمارات والبحرين من جهة وإسرائيل من جهة أخرى.

من المتوقع أن يعمل بادين على تعزيز هذه الإتفاقية والبناء عليها وحث دول خليجية أخرى على المضي فيها. مثل هذا المسار الداعم لهذا التحالف الجديد لن يتلاءم أو يتوافق مع عودة أمريكية سريعة للإتفاق النووي مع إيران ورفع العقوبات عن طهران.

وهو ما يعني بشكل مباشر ضخ عشرات المليارات من الدولارات إلى البنوك الإيرانية في غضون أسابيع، منها: 20 مليار دولار هي قيمة مبيعات نفط معطلة إلى الصين، 4 مليار دولار من اليابان، 7 مليارات دولار من كوريا الجنوبية، ملياران من العراق، نحو 80 مليار من الولايات المتحدة (قد تواجه مشاكل قضائية في استردادها)، نصف مليار جنيه من بريطانيا وستة مليارات دولار من ايطاليا. 

لن يكون في مقدور بايدن تجاوز مخاوف حلفاء واشنطن في المنطقة (اسرائيل/ السعودية/ الإمارات) والهرولة إلى طهران وتوفير ملاءة مالية كبيرة للإيرانيين. تبدو الأمور في منطقة الخليج معقدة وستزداد تعقيدًا في حال تبع انتخاب بايدن بستة أشهر انتخاب رئيس إيراني جديد سيكون، على الأغلب، من الأصوليين.

فيما يتعلق بالأزمة الخليجية، من المتوقع أن يعمل بايدن وفريقه الرئاسي، في حال انتخابه، على وضع حل سريع لتطويق الأزمة الخليجية إلا أن الممكن والواقعي في هذا الملف لا يزيد عن تطويق الأزمة وتخفيف حدتها.

سيكون من الصعب على الفرقاء الخليجيين تجاوز ما خلفته 3 سنوات صاخبة من تشققات عميقة ونافذة داخل البيت الخليجي. لا شك أن الدوحة ستكون أكثر طمأنينة وثقة بالحليف الأمريكي في مواجهة المحور السعودي الإماراتي إلا أن هذا التموضع الجديد لصالح القطريين لن يكون خسارة حقيقية لكل من الرياض وأبوظبي.

خاتمة

يضع وصول مرشح الحزب الديمقراطي جو بايدن إلى البيت الأبيض الدول المطلة على الخليج أمام سيناريوهات لا تقل صعوبة عن بقاء الرئيس دونالد ترامب لفترة رئاسية ثانية.

لن يكون في مقدور المرشح الديمقراطي جو بايدن تحقيق قفزات كبيرة على مستوى السياسة الخارجية في المنطقة، رغم ذلك، سيكون هناك ايقاع بطيء يتحكم بيوميات المنطقة وأزماتها، وستكون هناك قابلية أقل من الدول للمجازفة بخطوات غير محسوبة وهو ما سيعزز من الاستقرار في المنطقة.

سيكون على بايدن أن يبدأ من جديد رحلة شاقة من المفاوضات مع إيران وفق محددين اثنين، تبريد الصراع مع طهران من جهة وضمان مصالح الدول الحليفة لواشنطن في المنطقة من جهة أخرى. وهو ما سيتطلب الكثير من الوقت مرورًا بانتخابات الرئاسة الإيرانية التي ستؤثر نتيجتها على هذا المسار ومآلاته.

سيكون على المحورين السعودي الإماراتي والقطري التركي تفعيل لوبيات ومؤسسات العلاقات العامة في واشنطن بهدف خلق أفضل علاقات ممكنة مع الإدارة الجديدة في سباق دبلوماظسي جديد، يبدأ من الصفر.

لن يكون في مقدور أي من المحورين السعودي الإماراتي أو القطري التركي اعتبار أي نتيجة لهذه الانتخابات انتصارًا أو مكسبًا مفصليًا في مواجهة المحور الآخر، ما قد تعتبره أي دولة مكسبًا لها لن يكون للآخرين مغرمًا.

* عادل مرزوق رئيس تحرير "مبادرة عين على الخليج"، البيت الخليجي للدراسات والنشر.

المصدر | البيت الخليجي للدراسات والنشر