الثلاثاء 17 نوفمبر 2020 09:09 م

"تجني الضرر من حيث تريد المنفعة".. هكذا عبر عديد الخبراء والمحللين عن تداعيات حملة التصعيد الأخيرة ضد جماعة "الإخوان المسلم,ن" على المملكة العربية السعودية، بعدما أصدرت هيئة كبار علمائها بيانا، في 10 نوفمبر/تشرين الثاني، حذرت فيه مما سمته "ضلال" منهج الجماعة ووصمتها بالإرهاب.  

وترتبط المؤشرات على اتجاه مآل الحملة لغير صالح المملكة بتوقيت بيان هيئة كبار العلماء، فضلا عن محتواه، الذي لم يقدم جديدا في سياق تصنيف النظام السعودية للإخوان ضمن قائمة الإرهاب منذ مارس/آذار 2014، على خلفية موقفها من الرئيس المصري آنذاك "محمد مرسي"، المنتمي للإخوان، ودعما للإطاحة به عسكريا في ديسمبر/كانون الأول 2013.

كما أن التاريخ الطويل لعلاقات ودية بين الجماعة والمملكة، التي استضافت في فترات سابقة قيادات إخوانية بارزة، لا يصب في صالح مصداقية الموقف السعودي، الذي يعاني من التداعي أصلا على خلفية ارتكاب عملاء رسميين لجرائم بحق معارضين، مثل قتل الكاتب الصحفي "جمال خاشقجي"، ودعم الرياض لكل أنظمة الاستبداد العربية ضد حركات التحرر.

فخلال عهد الرئيس المصري الراحل "جمال عبدالناصر" (ستينيات القرن الماضي)، بلغت علاقات السعودية والإخوان الودية اعتماد المملكة تدريس مناهج تعليمية تتضمن أفكارا ونصوصا لرموز إخوانية، منهم "أبو الحسن الندوي" و"سيد قطب" و"حسن البنا".

نكران للجميل

ولذا ألمح نائب المرشد العام للإخوان "إبراهيم منير" إلى تأثير تاريخ علاقة الجماعة والمملكة على مصداقية الرياض، معتبرا تصريحات ولي عهد السعودية "محمد بن سلمان" التي تصم الجماعة بالإرهاب "نكرانا لجميل الإخوان الذين دافعوا عن السعودية والخليج أيام المد الناصري والبعثي والشيوعي والأفكار الدخيلة على الأمة"، حسب قوله.

وظلت علاقة الإخوان بالسعودية جيدة إلى أن توترت بسبب الغزو العراقي للكويت، حيث قام الإخوان بدور الوساطة، بينما كانت السعودية تنتظر منهم دعما كاملا لموقفها وإدانة واضحة للغزو دون القيام بأي أدوار أخرى.

وزاد التدهور مع طلب السعودية قوات حماية دولية، حيث انتقد الإخوان وجود هذه القوات على أرض الحرمين، وزادت الأمور تعقيدا مع ارتفاع شأن تيار الصحوة في المملكة، إذ كان الكثير من رموزه من الإخوان السعوديين.

ولذا علقت الكاتبة الصحفية "إحسان الفقيه" على تناقض الموقف السعودي من الإخوان بقولها: "لو كانوا إرهابيين فإن السعودية متهمة أمام العالم بإيواء واحتضان ورعاية جماعة إرهابية، وعليها دفع التعويضات لكل ضحايا الإرهاب، طالما أن مصدره جماعة الإخوان"، وفقا لما أوردته صحيفة "القدس العربي".

استعداد لـ"بايدن"

أما محتوى بيان هيئة كبار العلماء السعودية وتوقيته، فيعزوه محللون إلى الدوافع التي تقف وراء إصداره بإيعاز من نظام "بن سلمان"، خاصة أنه لم يحمل جديدا في موقف المملكة إزاء الجماعة منذ 2014.

أحد هذه الدوافع يتمثل في استعداد "بن سلمان" لسياسات إدارة أمريكية جديدة برئاسة "جو بايدن"، الذي دلت تصريحاته، خلال حملته الانتخابية، على أنه يحمل نوايا سلبية إزاء النظام السعودي، على خلفية سجله الحقوقي، وتورطه في عديد النزاعات الإقليمية، لاسيما حرب اليمن.

وفي هذا الإطار، يرى الكاتب الصحفي "قطب العربي" أن نظام "بن سلمان" يرتعد "كبقية شركاء الشر في المنطقة من عودة الديمقراطيين للحكم بما يحمله ذلك من مخاطر التبشير بالديمقراطية وحقوق الإنسان، حتى وإن كان ذلك في حده الأدنى أو الشكلي".

وسبق أن تعهد "بن سلمان"، خلال مقابلة أجراها معه شبكة CBS الأمريكية، بـ"القضاء على ما تبقى من فكر الإخوان المسلمون في المملكة"، وهي ورقة يراها "العربي" وعديد المراقبين مستند ولي العهد السعودي الرئيسي في تبريره لنهجه القمعي ومحاولة "مساومة" إدارة "بايدن" على عدم توتير العلاقة بين الرياض وواشنطن على غرار ما جرى في عهد الرئيس الأمريكي السابق "باراك أوباما".

وهنا يشير الخبير والمحلل العسكري، "ثابت حسين صالح"، عبر "فيسبوك" إلى زاوية أخرى محتملة لتوقيت التصعيد السعودي الجديد ضد الإخوان، قائلا: "المحك العملي لقرار هيئة علماء المملكة، بتصنيف الإخوان جماعة إرهابية، هو موقف الرياض من حزب الإصلاح في اليمن".

وينوه "صالح" في هذا الصدد إلى أن الرياض بحاجة إلى "مخرج" من ساحة اليمن في عهد "بايدن"، الذي سبق أن تعهد بوضع حد للحرب هناك، وهو مخرج لا يمكن تحقيقه عمليا إلا بالتخلي عن صيغة الاعتراف السعودي بحزب الإصلاح كجزء من صف الشرعية اليمنية.

فالجنوب اليمني تسيطر عليه ميليشيات مدعومة من دولة الإمارات، فيما يسيطر الحوثيون على الشمال، بما في ذلك العاصمة صنعاء، ما يعني أن الرهان على "الإصلاح" بلا قيمة، خاصة في ظل المؤشرات على رفض الإمارات محاولات سعودية سابقة للتقريب بينها وبين الحزب المحسوب على تيار "الإخوان المسلمون". 

لكن ثمة زاوية أخرى للتصعيد السعودي ضد الإخوان تتعلق بشأن المملكة الداخلي، وهو ما أشار إليه الكاتب السعودي "تركي الشلهوب" عبر "تويتر"، مغردا: "بيان هيئة علماء بن سلمان بأن الإخوان تنظيم إرهابي سيكون ذريعة للنيابة العامة والقضاء لاستغلالها في إصدار أحكام سجن عالية ضد المشايخ والدعاة المعتقلين، مثل "علي العمري" و"سلمان العودة".

ويربط "قطب العربي" هذه الزاوية باستعداد نظام "بن سلمان" لحقبة "بايدن"، الذي "يرتعد من احتمالات مطالبة الأمريكان له بالإفراج عن الدعاة والناشطين السعوديين المحبوسين حاليا"، حسب تعبيره.

 إحكام سيطرة

توقيت بيان هيئة كبار العلماء السعودي يشي أيضا بهدف لنظام "بن سلمان" يتعلق بإحكام السيطرة على الشأن الداخلي استعدادا لنقل السلطة من الملك "سلمان"، وهو الانتقال الذي يحتمل أن يتم بعهد "بايدن" في ظل تقدم سن الملك وحالته الصحية غير المستقرة.

فصدور البيان بعد أقل من شهر واحد على قرار ملكي بإعادة تشكيل هيئة كبار العلماء (18 أكتوبر/تشرين الأول الماضي)، يكشف الدور الوظيفي لهذا التشكيل عبر تصعيد أعضاء أكثر توافقا مع رؤية الديوان الملكي ورؤية ولي العهد "محمد بن سلمان".

وبدا تأثير هذا التحول النوعي في تسارع حملة الهجوم ضد الإخوان واتخاذها منحى غير مسبوق في 13 نوفمبر/تشرين الثاني، إذ خصصت وزارة الشؤون الإسلامية السعودية خطبة جمعة موحدة للحديث عن بيان هيئة كبار العلماء حول التحذير من جماعة الإخوان، وأعلنت أن ذلك يأتي "تحقيقاً لرسالة الوزارة في خدمة المجتمع وغرس قيم المواطنة الصالحة وتعزيز الولاء والانتماء للوطن وولاة الأمر".

وواصل علماء السعودية هجومهم على الجماعة، في ما بدا أنه "حملة" منظمة، قادها مفتي المملكة "عبدالعزيز آل الشيخ"، الذي ظهر في مقطع فيديو زاعما أن الإخوان "من الجماعات التي "استباحت الدماء وانتهكت الأعراض ونهبت الأموال وأفسدت في الأرض"، وفقا لما أوردته صفحة الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء السعودية على "تويتر".

تآكل رصيد

لكن هكذا حملة من الموالين للنظام السعودي خصمت من رصيد المملكة التاريخي، الذي أهلها لقيادة العالم الإسلامي السني على مدى العقود الماضية، خاصة أن اللجنة الدائمة لإفتاء هيئة كبار العلماء سبق أن أصدرت بيانا اعتبرت فيه الإخوان "أقرب الجماعات الإسلامية إلى الحق وأحرصها على تطبيقه".

وشملت مساحة تآكل هكذا رصيد عديد الهيئات الإسلامية حول العالم، التي عُرفت تاريخيا بعلاقاتها الوطيدة مع المملكة.

وفي السياق، دعت أكثر من 18 هيئة إسلامية السعودية، في بيان، إلى مراجعة مواقفها و"الحرص على وحدة الأمة والابتعاد عن تسييس خطاب العلماء بما يضعف مصداقيتهم ويضر مجتمعاتهم".

وشملت خارطة الهيئات الموقعة على البيان كل أنحاء العالم الإسلامي تقريبا، ومنها: الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ورابطة علماء أهل السنة، والاتحاد السوداني للعلماء والأئمة والدعاة، وهيئة علماء ليبيا، ومركز تكوين العلماء بموريتانيا، ومجلس الشورى الوطني بسريلانكا، ورابطة علماء المغرب العربي، وهيئة علماء فلسطين بالخارج، ورابطة إرشاد المجتمع في الصومال، ومنظمة النهضة الشبابية التشادية، وهيئة علماء المسلمين في لبنان.

كما وجه كبير علماء شبه القارة الهندية "سلمان الحسيني الندوي" نقدا لاذعا لهيئة كبار العلماء السعودية، واتهم أعضائها بـ"التملق للحكام الظلمة"، مختتما بيانه بالقول: "لقد كانت شعوب الهند وباكستان وبنجلاديش وغيرها تحبكم لخطبكم وإمامتكم في المساجد وندواتكم. وقد عادت هذه الشعوب تكرهكم وتبغضكم لنفاقكم وكذبكم وجرأتكم على الله في أرض الحرم".

وضاعف من تآكل قيادة السعودية التاريخية تزامن مواقفها الواصمة للجماعات الإسلامية السنية مع اتجاهها للتطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي ودعم كل أنظمة قمع هذه الحركات حول العالم، في وقت تقدم فيه تركيا نفسها كـ"قيادة بديلة" بمواقف مناقضة، تدافع عن حركات الإسلام السياسي والقضية الفلسطينية وتهاجم إسرائيل، وتدين نشر الرسوم المسيئة للنبي "محمد صلى الله عليه وسلم" في فرنسا.

وفي وقت سابق من الأحد الماضي، احتفت إسرائيل ببيان هيئة كبار العلماء في السعودية، وأعاد حساب "إسرائيل بالعربية"، التابع لوزارة الخارجية، نشره عبر "تويتر".

وأورد الحساب: "يسعدنا نحن في إسرائيل أن نرى هذا المنهج المناهض لاستغلال الدين للتحريض والفتنة ولا شك أن جميع الديانات السماوية جاءت لزرع المحبة والألفة بين الناس".

وكان 19 ديسمبر/كانون الأول الماضي تاريخا فاصلا في تداعيات التآكل غير المسبوق لمكانة السعودية الإسلامية، إذ اجتمعت دول إسلامية كبيرة في قمة كوالالمبور، خارج سيطرة منظمة التعاون الإسلامي، التي تترأسها، بدعم من تركيا.

حضر قمة كوالالمبور الإسلامية زعماء كل من إيران وتركيا وقطر، ووُجهت الدعوة فيها لوفود من 56 بلدا، وهو ما أصاب قيادة السعودية بالذعر، لتوجه وسائل إعلامها لشن حملة هجوم ضد القمة وتركيا، حسبما أورد موقع "ميدل إيست آي".

ودفعت هذه المفارقة المحور الداعم لمقاومة دولة الاحتلال الإسرائيلي إلى التركيز على "نسخة السعودية الجديدة" التي لا تمت بصلة لقيادة إسلامية حقيقية، وهو ما عبر عنه الأمين العام الأسبق لـ"حزب الله" اللبناني، الشيخ "صبحي الطفيلي".

وفي خطبة الجمعة الماضي، وتحت عنوان: "استعداء السعودية للإخوان.. استعداء للأمة وتملّق لماكرون"، قال "الطفيلي" إن "جماعة الإخوان" هي أقرب التيارات السياسية للتعبير عن المزاج الإسلامي العام، معتبرا محاربتهم "استعداء للأمة".

واعتبر "الطفيلي" بيان هيئة كبار العلماء السعودية "مفاجئا ومستغربا وخارجا عن نطاق الدين والأخلاق"، متسائلا: "ألم ير (ولي عهد السعودية) محمد بن سلمان الحرب الأوروبية على الإسلام" في إشارة إلى أزمة الرسوم المسيئة في فرنسا.

خلاصة أسبوع من حملة التصعيد ضد الإخوان تقدم مؤشرا على مزيد من تداعي ما تبقى من رصيد للسعودية إسلاميا، يمتد حاليا من الصعيد الشعبي إلى مستوى المنظمات المدنية، دون أي مؤشر مقابل على أن أهداف هكذا تصعيد مرجحة التحقق.

المصدر | الخليج الجديد + متابعات