الخميس 19 نوفمبر 2020 09:13 ص

ماذا يريد الأمريكيون من رئيسهم؟

ما الذي يطلبه الأمريكي من الرئيس الفائز بالنسبة لسياسات ينتظر منه أن يحققها؟

مكانة القوة العظمى في الخارج تُبنى على سلامة وتكامل أركان بنيانها في الداخل.

عنصر مكمل للقوة العظمى هو اقتناع الرأي العام الخارجي لأنه طرف في علاقة مع أمريكا هي بدورها تحتاج إليها.

شغل الانقسام في أمريكا الرأي العام فالانقسام شامل للنخبة والعامة وهو ظاهرة تؤثر على قدرات أي رئيس على الإنجاز.

*     *     *

فور إعلان نتائج انتخابات الرئاسة الأمريكية بإعلان فوز جو بايدن، سارعت مراكز الاستطلاع بتوجيه سؤال محدد للمواطنين في الولايات المتحدة، هو: ما الذي تطلبه من الرئيس الفائز، بالنسبة للسياسات التي تنتظر منه أن يحققها؟.

جاءت الإجابة على ناحيتين، إحداهما شاملة ومختصرة، والثانية تفصيلية، لما أجملوه في إجابتهم في الناحية الأولى.

وبالنسبة للناحية الأولى فهي تشمل أوضاعاً ونظماً جديدة للرعاية الصحية – ودعم وإنعاش الاقتصاد، وإنهاء الانقسام في الداخل، وعلاج الصعود الأخير للموجة العنصرية، بما في ذلك إصلاح الشرطة – وأن يعود المرشحون في الانتخابات المقبلة إلى عرض برامج انتخابية مكتملة للناخبين – والتنبه للقلق من تراجع مكانة أمريكا في الخارج.

هنا قد نجد تقارباً بين مطلب الرعاية الصحية، وبين القلق من تراجع مكانة أمريكا في الخارج، حتى إن خبراء سياسيين أمريكيين اتفقوا على مقولة: إن التاريخ سيكتبه الأفضل من الدول، في علاج هذه الجائحة والتوصل إلى لقاح ناجح لها.

أما عن الاقتصاد، فإن إدارة ترامب دخلت في حروب تجارية حتى مع حلفائها في أوروبا، ثم كان صدامه مع الصين وإقامته خط مواجهة تجارية معها، صحيح إن بعض قراراته أسهمت في إنعاش صناعات، وزادت من معدل العمالة، وأرضت نقابات عمالية، لكن يبقى أن لأمريكا مصالح تجارية مع الصين، ليس من المصلحة إضعافها، وهى تحتاج لعلاقة اقتصادية متوازنة.

واحتل الانقسام في أمريكا حيزاً كبيراً من شواغل الرأي العام، فالانقسام شامل للنخبة، وللأمريكيين عموماً. وهو ظاهرة مؤثرة حتى على قدرات أي رئيس على الإنجاز.

وهذا الانقسام له عديد من الأسباب، منها التمرد لدى قطاعات من الأمريكيين على انحياز النخبة للقوى المسيطرة على صناعة السياسات، ومنها قوى مرتبطة بدول أجنبية من بينها قوى الضغط أو تلك المسماة جماعات المصالح.

ونأتي إلى صعود الموجة العنصرية، نتيجة استمرارية اعتداءات رجال الشرطة على أفراد من السود دون حدوث تصرف عدواني منهم، أو توقيع أي عقوبات على أي شرطي يقتل أسود دون مبرر قانوني.

ثم كان مطلب العودة إلى طرح المرشح لبرنامج انتخابي حقيقي في المناظرات الانتخابية. والمعتاد في عهود رؤساء سابقين، إن البرنامج الانتخابي المتكامل للمرشح، كان يحقق نتيجة حاسمة لصالح المرشح الذي يقتنع الناخب ببرنامجه الانتخابي، والذي يمثل أساساً لسياساته التي سيطبقها إذا ما فاز في الترشح. وكما رأينا في الانتخابات الأخيرة، فإن كلا المرشحين لم يقدم برنامجاً انتخابياً حقيقياً.

ويأتي القلق من تراجع مكانة أمريكا في الخارج، وربما يكون ما استلفت نظر القلقين بهذا الشأن، هو تراجع دور القوة الناعمة الأمريكية التي كانت إحدى أدوات السعي الأمريكي لتأكيد هيمنتها على العالم.

ثم إن المؤسسة السياسية في واشنطن، لا تزال تتمسك بتدخل أمريكا في كل أزمة إقليمية، وهو ما خلق ردود فعل في هذه الدول الإقليمية، ترفض هذا التدخل، وتطالب بترك المجال أمام دول هذه المناطق لحل مشاكلها بنفسها.

يضاف إلى ذلك ما يظهر من تردد وعدم الوضوح في سياسات الولايات المتحدة، سواء تجاه أوروبا، أو الصين،  وما يتصل بذلك من احترامها والتزامها بتعاقدات تاريخية مع دول هذه المناطق خاصة أوروبا.

ربما تبدو هذه البنود التي حددها الناخب من الرئيس الجديد، وكأن كلاًّ منها قائم بذاته، لكنه الواقع في إدارة سياسات الدول، أنها جميعاً تلتقي داخل منظومة واحدة، كل منها تكمل الأخرى.

فجميع هذه العناصر معاً، تدعم مكانة الولايات المتحدة في الخارج، وتضع لأمريكا في نظر الشعوب الأخرى، صورة إيجابية.

ولا خلاف على أن أمريكا هي أقوى دولة في العالم، بقدراتها العسكرية، والتسليحية، والاقتصادية، والمالية، وتقدمها العلمي والتكنولوجي، لكن يبقى عنصر مكمل لهذه القوة، ولا غنى عنه.

وهو نظرة الرأي العام في العالم، لتتكامل مكونات قوتها جميعها، وهو اقتناع الرأي العام الخارجي بذلك، لأنه طرف في علاقة مع أمريكا، هي بدورها تحتاج إليها.

وكما يقول مؤرخون أمريكيون إن مكانة القوة العظمى في الخارج، تُبنى على سلامة وتكامل أركان بنيانها في الداخل.

* عاطف الغمري كاتب صحفي مصري

المصدر | الخليج - الشارقة