الأحد 22 نوفمبر 2020 02:14 ص

يبدو أن رئيس الوزراء الإثيوبي "آبي أحمد" غير مستعد للتراجع عن هجومه على "جبهة تحرير شعب تيجراي" دون استنفاد العمل العسكري لهدفه بالكامل.

ومع دخول الصراع أسبوعه الثالث في ظل عدم وجود نهاية تلوح في الأفق، فإن الهجوم يهدد جاذبية إثيوبيا كوجهة استثمارية مع المخاطرة بالتصعيد نحو صراع إقليمي كبير.

يهدد الصراع الذي يترافق مع انتهاكات لحقوق الإنسان بتقويض سمعة "آبي أحمد" كزعيم ذي توجه ليبرالي و إصلاحي بعد اتفاق السلام التاريخي الذي أبرمه مع إريتريا المجاورة في سبتمبر/أيلول 2018، والذي عزز منذ ذلك الحين جاذبية إثيوبيا للمستثمرين الأجانب.

وبعد رفض جهود الوساطة، أعلن "آبي" يوم 17 نوفمبر/ تشرين الثاني أن قوة الدفاع الإثيوبية ستشن هجومًا "نهائيًا وحاسمًا" ضد "الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي".

ويأتي إعلان "آبي" بعد يومين من زعم ​​الجيش أنه سيطر على بلدة ألاماتا في جنوب شرق تيجراي على الطريق السريع الرئيسي المؤدي إلى ميكيلي، عاصمة المنطقة.

وفي 18 نوفمبر/تشرين الثاني، قال قائد الجيش الإثيوبي "برهانو جولا" إن قواته تتقدم باتجاه عاصمة تيجراي.

وقد حث الرئيس الأوغندي "يوري موسيفيني" في اجتماع عقد في 16 نوفمبر/تشرين الثاني، وزير الخارجية الإثيوبي "ديميكي ميكونين" على بدء مفاوضات سلام مع تيجراي، كما فعل الرئيس النيجيري السابق "أولوسيجون أوباسانجو" خلال زيارته إلى أديس أبابا في نفس اليوم.

لكن في ظل الوضع الحالي، لا يبدو أن أيًا من طرفي الصراع الدائر مستعد للتفاوض.

ولا يبدو أن الجيش الإثيوبي لديه القدرة على هزيمة "الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي" والقوات المتحالفة معها بسرعة، مما سيؤدي إلى صراع طويل الأمد قد يؤدي إلى خسائر كبيرة في صفوف المدنيين الذين يعيشون في تيجراي.

وستكون الجبهة قادرة على حشد المزيد من القوة النارية والمقاتلين كلما انتقلت المعركة إلى التضاريس الجبلية الأكثر صعوبة بالقرب من ميكيلي.

وقال الزعيم الإقليمي لتيجراي أن قوات "جبهة التحرير الشعبية لتحرير تيجراي" وحلفاءها قد ألحقت أضرارًا كبيرة بأفراد الحكومة الفيدرالية.

في غضون ذلك، من المرجح أن تبالغ إثيوبيا في إعلان تقدمها العسكري لدرء الانتقادات.

ولكن مع التعتيم الإعلامي شبه الكامل، من الصعب التحقق من مزاعم أي من الجانبين.

وتدعي قيادة تيجراي أن لديها ما يقدر بـ 200 ألف إلى 250 ألف مقاتل يمكنها الاعتماد عليهم.

كما أن العديد من القادة العسكريين في المنطقة هم قادة عسكريون سابقون في قوة الدفاع الوطنية، تم طردهم منذ أن تولى "آبي أحمد" منصبه، مما منحهم درجة عالية من الخبرة والقدرة.

وزعم مسؤولو الجبهة أيضًا أن نسبة كبيرة من القيادة الشمالية لقوة الدفاع المسلحة، ومقرها ميكيلي، قد دعمت حكومة تيجراي الإقليمية، وأن نسبة كبيرة من الأسلحة والمعدات قد تم الاستيلاء عليها لصالح التيجراي.

وفي الأسابيع الأخيرة، شنت "الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي" هجمات صاروخية على مطارين في بحر دار وجوندار ردًا على الغارات الجوية الحكومية على ميكيلي.

كما شنت الجبهة هجمات صاروخية على أسمرة ردا على دعم إريتري مزعوم للهجوم الإثيوبي.

وقد صمدت "الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي" وحلفاؤها في وجه الهجوم الأولي، لكن قدرتهم على القتال ستصبح أكثر صعوبة إذا تحول الصراع الذي طال أمده إلى حرب استنزاف أو تحول إلى تمرد.

في مثل هذا السيناريو، يمكن أن يكون العثور على دعم خارجي، من مصر أو السودان على وجه الخصوص، مفيدًا على المدى الطويل.

ولدى الجبهة في تيجراي خيارات محدودة لمواصلة إمداد نفسها بالموارد المتعلقة بالنزاع العسكري والمواد الإنسانية حيث تمر معظم اتصالاتها اللوجستية عبر إثيوبيا نفسها أو إريتريا، وخلال أي نزاع طويل الأمد، ستكون سلاسل التوريد هذه غير متوفرة إلى حد كبير.

كما أن الحدود البرية الأخرى التي تمتلكها تيجراي هي مع السودان، مما يضع الحكومة السودانية الجديدة في موقع رئيسي.

وبالرغم أن مصر لا تمتلك حدود برية مع تيجراي، فإن القاهرة لديها مصلحة إستراتيجية في كسب النفوذ على إثيوبيا ويمكن أن تجد في دعم "الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي" أمرا مفيدًا لتحقيق هذه الغاية.

وعندما يتعلق الأمر بحل الصراع، فقد وضع "آبي أحمد" نفسه في مأزق، حيث واصل رفض المحادثات، الأمر الذي يعكس استراتيجيته الشاملة لمحاولة تركيز السلطة السياسية في أديس أبابا وتقليل مستوى القوة التي تتمتع بها مناطق إثيوبيا الإقليمية.

ومع ذلك، فإن هذه الاستراتيجية لا تترك مجالًا كبيرًا للتراجع عن التصعيد على المدى القصير، حيث أن الانخراط في مفاوضات دون أن يظهر الجيش الإثيوبي أولاً عرضًا حاسمًا للقوة ضد تيجراي من شأنه أن يكشف قدرة أديس أبابا المحدودة على السيطرة على المنطقة وعلى الجبهة.

وقد يؤدي هذا بعد ذلك إلى رفض مناطق أخرى لاستراتيجيته المركزية والمطالبة بتنازلات مماثلة. وقد يؤدي أيضًا إلى نهاية الحياة السياسية الشخصية "لآبي أحمد" في انتخابات 2021.

ومن المحتمل ألا تكون "جبهة تحرير تيجراي" ولا أديس أبابا منفتحتين على الدخول في مفاوضات طالما هناك دعم سياسي كافي لديهما لمواصلة القتال.

وفي هذا السياق حصل هجوم "آبي أحمد" على دعم زعماء منطقة أمهرة الإثيوبية الذين يدعمون أجندته السياسية.

وكانت قوة أمهرة الخاصة أيضًا مكونًا مهمًا في الهجوم الأولي. وكان حلفاء "آبي أحمد" في أمهرة يدعمون أيضًا تهميش "جبهة تحرير تيجراي" وأهالي التيجراي.

ومع ذلك، كلما ازداد القتال بدوافع عرقية، زادت جرأة أهالي التيجراي على دعم "الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي".

ولكن هذا الدعم قد يتبدد في حالة نشوب صراع طويل، حيث تنخفض الإمدادات الغذائية المخزنة في تيجراي وتصبح المياه أكثر ندرة.

لكن في الوقت الحالي، تخرج المنطقة المعرضة للمجاعة من موسم الأمطار (من يوليو/تموز إلى أغسطس/آب) وقد حصدت المحاصيل للتو.

وفي 13 نوفمبر/تشرين الثاني، زارت الشرطة الإثيوبية مكتب برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة في منطقة أمهرة لطلب قائمة بموظفيها من عرق التيجراي، مما يشير إلى التنميط العرقي من قبل الحكومة الإثيوبية.

كما يُزعم أن إثيوبيا قامت بنزع سلاح عدة مئات من جنود "التيجراي" لديها.

وقد صوّت البرلمان الإثيوبي في 4 نوفمبر/تشرين الثاني، على تصنيف "جبهة التحرير الشعبية لتحرير تيجراي" كمنظمة إرهابية.

وجمدت إثيوبيا أيضًا الحسابات المصرفية للشركات المرتبطة بالجبهة في 17 نوفمبر/تشرين الثاني.

وسيؤدي الصراع إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في إثيوبيا، مع ارتفاع عدد القتلى المدنيين والنازحين.

وكانت هناك بالفعل اتهامات واسعة النطاق بأن مناطق التيجراي هدف للمضايقات والإعدام بإجراءات سريعة بالإضافة للسجن التعسفي.

وبالمثل، هناك اتهامات بأن "الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي" كانت هي الأخرى محرضة على أعمال العنف بدوافع عرقية مما أدى إلى قتل المدنيين. 

وتحاول المنظمات غير الحكومية وجمعيات الإغاثة إجلاء موظفيها من تيجراي، لكن هذا الأمر صعب بسبب انقطاع الإنترنت والاتصالات.

وفيما يتعلق بحركة اللجوء فقد أبلغ السودان حتى 18 نوفمبر/تشرين الثاني، عن عبور 36 ألف لاجئ إلى أراضيه.

كما تتوقع الأمم المتحدة أن يستقبل السودان ما يصل إلى 200 ألف لاجئ إضافي خلال الأشهر الستة المقبلة.

وسيضر صراع تيجراي بقدرة أديس أبابا على لعب دور في تحقيق الاستقرار في منطقة القرن الإفريقي، مما سيضعف من جاذبيتها للاستثمار الأجنبي.

وفي عام 2018، وقعت إريتريا وإثيوبيا اتفاق سلام تاريخي بعد عقود من العداء والعنف أدى منذ ذلك الحين إلى زيادة الاستثمار الإقليمي في البنية التحتية بهدف فتح السوق غير الساحلية في إثيوبيا.

ووافق صندوق التنمية الأفريقي في عام 2019 على تمويل المرحلة الأولى من مشروع ممر النقل البري بين إثيوبيا وجيبوتي.

كما وقعت إثيوبيا اتفاقيات موانئ مع الصومال وأرض الصومال وإريتريا.

ولكن قد يؤدي صراع تيجراي والتدهور المحتمل للوضع الأمني ​​في مناطق أخرى من البلاد إلى دفع المستثمرين إلى إعادة النظر في تمويل مثل هذه المشاريع، لا سيما بالنظر إلى مناخ الاستثمار العالمي السيئ أصلا وسط جائحة "كورونا".

ومن المرجح أن تحاول دول مصب النيل (السودان ومصر) الاستفادة من صراع تيجراي لانتزاع امتيازات من أديس أبابا بشأن سد النهضة الإثيوبي.

فمصر، التي تخشى إعادة ملء السد الذي تبلغ تكلفته 4 مليارات دولار على طول النيل الأزرق والذي يمكن أن يحد من تدفق المياه من النيل، ستحاول استخدام الاضطرابات في إثيوبيا لكسب النفوذ ضد الحكومة الإثيوبية.

لكن اعتماد تيجراي المحتمل على السودان للحصول على الإمدادات في حالة الصراع الطويل يمكن أن يوفر للخرطوم نفوذاً أكبر بكثير على الحكومة الإثيوبية بخصوص تفاصيل التفاوض حول السد وتشغيله السنوي حيث تخطط إثيوبيا لملء خزان سد النهضة بشكل كبير في الصيف المقبل.

وقد فشلت المحادثات التي توسطت فيها الولايات المتحدة بين إثيوبيا والسودان ومصر في وقت سابق من هذا العام في التوصل إلى اتفاق حول كيفية ملء خزان السد.

ويمكن للصومال أن تدفع ثمن التداعيات الإقليمية لصراع تيجراي الذي قد يدفع إثيوبيا والولايات المتحدة إلى سحب جنود حفظ السلام.

وبحسب ما ورد بدأت قوة الدفاع الوطني الإثيوبية بالفعل في سحب القوات التي لا تشارك بشكل مباشر مع بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال، ومن الممكن أن تقوم إثيوبيا بتقليل أو تعليق مشاركة هذه القوات حيث ستركز أديس أبابا مواردها على الصراع في منطقة تيجراي.

في غضون ذلك، يفكر الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" أيضًا في سحب 700 جندي من البلاد يشاركون في عمليات مكافحة الإرهاب والتدريب.

وستحدث مثل هذه الانسحابات قبل فترة متوقعة من الاضطرابات الاجتماعية والسياسية في الصومال في الفترة التي تسبق الانتخابات في أوائل عام 2021 وما بعدها.

وسيؤدي أي انخفاض في الدعم الأمريكي و/أو الإثيوبي أيضًا إلى زيادة المساحة المتاحة لـ"حركة الشباب" والجماعات المسلحة الأخرى لشن هجمات قد تمتد إلى ما وراء حدود الصومال إلى كينيا ودول شرق إفريقيا الأخرى.

المصدر | ستراتفور – ترجمة وتحري الخليج الجديد