الثلاثاء 24 نوفمبر 2020 06:21 ص

الديمقراطية.. من الكاملة إلى المعيبة

من المرجح أن تسوء حالة الديمقراطية في الولايات المتحدة في المستقبل المنظور.

النخب الحاكمة في أمريكا ترفض الاعتراف بأمراض فعلية ابتليت بها الثقافة السياسية الأمريكية لسنوات عديدة.

المجتمع الأمريكي من أكثر المجتمعات عسكرة بالعالم وثلثا الإرهاب المحلي بأمريكا تقوم به ميليشيات يمينية أصبحت أكثر جرأة وغضبًا!

ليس واقعياً تخيل استعادة الديمقراطية بأمريكا نتيجة انتخابات فبدون تحول جوهري بالسياسة الأمريكية يحمل المستقبل مزيداً من التجزئة والعنف.

يرجح أن تفاقم الانتخابات الأخيرة تفتيت مجتمع منقسم ومواصلة تحويل مؤسسات تديرها الدولة لساحة معركة تحالفات سياسية وأيديولوجية.

*     *     *

خفض مؤشر الديمقراطية التابع لوحدة المعلومات الاقتصادية (EIU) حالة الديمقراطية في الولايات المتحدة من «الديمقراطية الكاملة» إلى «الديمقراطية المعيبة» ومع ذلك، إذا حكمنا من خلال الأحداث التي وقعت منذ ذلك الحين، فإن دقة المؤشر تستمر في إظهار نفسها في الواقع اليومي للسياسة الأمريكية.

وكشف مؤشر الديمقراطية في وحدة المعلومات الاقتصادية أخيراً، عن تدهور حالة الديمقراطية في الولايات المتحدة؛ لأنه يعتمد على 60 مؤشراً مختلفاً، تشمل أيضاً مؤشرات أخرى مثل المساواة بين الجنسين، والحريات المدنية والثقافية والسياسية.

ويبدو أن نتيجة الانتخابات العامة الأمريكية كان لها تأثير مباشر في حالة الديمقراطية الأمريكية. ومن المرجح أن تؤدي إلى زيادة تفتيت المجتمع المنقسم بالفعل، ومواصلة تحويل المؤسسات التي تديرها الدولة في البلاد، إلى ساحة معركة للتحالفات السياسية والأيديولوجية.

ومن المرجح أن تسوء حالة الديمقراطية في الولايات المتحدة في المستقبل المنظور. وذلك لأن النخب الحاكمة في أمريكا، سواء أكانت من الجمهوريين أو من الديمقراطيين، ترفض الاعتراف بالأمراض الفعلية التي ابتليت بالثقافة السياسية الأمريكية لسنوات عديدة.

وهذه بعض القضايا الرئيسية التي من غير المرجح أن يتم حلها بسهولة من خلال نتيجة الانتخابات، وبالتالي ستستمر في التقليل من حالة الديمقراطية في الولايات المتحدة.

أولاً بخصوص عدم المساواة في الدخل، وهو مصدر الصراع الاجتماعي والسياسي، ويعتبر أحد التحديات الرئيسية للولايات المتحدة، والتي تمتد لأكثر من 50 عاماً. وقد تفاقم الشعور بعدم المساواة، مع جائحة «كوفيد-19»، وأثر في مجموعات عرقية معينة (الأمريكيون الأفارقة على وجه الخصوص) والنساء أكثر من غيرهم.

ووفقاً لدراسة أجراها مركز «بيو» للأبحاث في فبراير 2020، فإن «عدم المساواة في الدخل بالولايات المتحدة هو الأعلى بين جميع دول مجموعة السبع»، وهو مصدر قلق كبير ل78% من الديمقراطيين و41% من الجمهوريين.

أما عن الاستقطاب السياسي فالفجوة الكبيرة بين بعض الأغنياء وكثير من الفقراء ليست الانقسام الوحيد الذي يخلق شرخاً في المجتمع الأمريكي. فعلى الرغم من أن الاستقطاب السياسي مثير للاهتمام، ولا يعبر عن نفسه دائماً بناء على ترسيم طبقي عقلاني، فإنه يمثل مشكلة رئيسية في الولايات المتحدة.

فمثلا، يستخدم الجمهوريون خطاباً سياسياً شعبوياً للوصول إلى الأمريكيين البيض من الطبقة العاملة، ويعدونهم بالازدهار الاقتصادي. ومع ذلك، لا يوجد دليل على أن كثيراً من العائلات الأمريكية البيضاء من الطبقة العاملة قد تحسنت حالتها في ظل إدارة ترامب.

وينطبق الشيء نفسه على الديمقراطيين الذين وضعوا أنفسهم، منذ فترة طويلة كأبطال للعدالة العرقية والمعاملة العادلة للمهاجرين غير المسجلين.

وفي ما يتعلق بعسكرة المجتمع، تتضاءل الثقة في الديمقراطية ودور الدولة في إصلاح نظام معيب بشدة. ويمتد هذا الافتقار إلى الثقة في الحكومة المركزية لمئات السنين، وكذلك التركيز المستمر على التعديل الثاني لدستور الولايات المتحدة في ما يتعلق ب«حق الشعب في الاحتفاظ بالأسلحة وحملها».

ويُعد المجتمع الأمريكي من أكثر المجتمعات عسكرة في العالم. ووفقاً لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، فإن ثلثي الإرهاب المحلي في الولايات المتحدة تقوم به ميليشيات يمينية، أصبحت الآن أكثر جرأة وغضباً من أي وقت مضى.

ووفقاً لتقرير صدر عن مركز قانون الفقر الجنوبي في أكتوبر الماضي، هناك حوالي 180 مجموعة شبه عسكرية نشطة مناهضة للحكومة في الولايات المتحدة.

وسيكون من غير الواقعي تماماً، تخيل استعادة الديمقراطية في الولايات المتحدة نتيجة لأي انتخابات معينة. فبدون تحول جوهري في السياسة الأمريكية، يحمل المستقبل مزيداً من التجزئة، وربما العنف.

* د. رمزي بارود كاتب صحفي ومحرر موقع Palestinian Chronicles وزميل fمركز الإسلام والشؤون العالمية.

المصدر | الخليج - الشارقة