السبت 28 نوفمبر 2020 11:04 م

يعاني لبنان من أزمات هائلة لا تعد ولا تحصى، ولكن يبدو أن النخبة السياسية في البلاد لا تنظر إلى أبعد من الطموحات الشخصية.

وبعد أكثر من 3 أشهر على انفجار مرفأ بيروت، لا تزال البلاد دون حكومة رغم تعيين "سعد الحريري" على رأس حكومة أزمة مرة أخرى منذ نحو شهر.

ودعت المبادرة الفرنسية، التي وافقت عليها جميع الفصائل السياسية، إلى أن تتكون الحكومة المقبلة من متخصصين غير حزبيين، أي غير منتسبين إلى أحزاب سياسية قائمة.

وكان هذا هو المطلب الرئيسي للتظاهرات التي هزت البلاد في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي.

ولكن حتى مع انهيار الاقتصاد، وتراجع العملة بنسبة 80%، وانفجار مرفأ بيروت، لا تزال النخبة السياسية تحمي نظام تقاسم السلطة القديم القائم على الطائفية.

ومن خلال المحادثات مع سياسيين خارج الخطوط الحزبية، تبين لـ"إنسايد أرابيا" أنه في حين أن معظمهم يعبرون عن الرغبة في الدخول في إصلاحات اقتصادية وسياسية، إلا أنهم يتمسكون بفكرة السياسة القائمة على التقسيم الديني والطائفي.

وصرح سياسي شيعي بارز أن حزبه قبل "الحريري" كرئيس للوزراء لتهدئة مخاوف السنة في لبنان. ووفقا للدستور اللبناني، يجب أن يكون رئيس وزراء البلاد سنيا، ورئيس البرلمان شيعيا، والرئيس مسيحيا.

وقال السياسي الشيعي: "الحريري هو الاسم الأكبر بين السنة، إنه زعيمهم الأكبر. لهذا السبب نقبله. بهذه الطريقة يمكننا أن نضمن عدم وجود حرب أهلية وأن يكون هناك توازن".

ولا يرى هذا السياسي أن الشعب تجاوز الطائفية، وقال إن كل طائفة تريد نصيبها في السلطة.

ووفقا لخبراء، كان السبب الحقيقي لدعم "الحريري" كرئيس للوزراء هو ضمان الوضع الراهن واستمرار نظام قائم على الطائفية.

وشهدت الأشهر القليلة الماضية توترات دخل المؤسسة السياسية حول تشكيل الوزارات.

وتريد كل مجموعة من النخب الحاكمة ترشيح أعضاء من طائفتها يمكنهم السيطرة عليهم لشغل مناصب مختلفة.

وظهر هذا الأمر من خلال إصرار "حزب الله" وحليفه "حركة أمل" على تعيين وزير مالية شيعي.

وبعد فترة وجيزة، بدأ التيار الوطني الحر بقيادة "ميشال عون" وصهره وزير الخارجية السابق "جبران باسيل"، في وضع الحواجز على الطرق.

ويقول "باسيل" إن تعيين "سعد الحريري" رئيسا للوزراء يتعارض مع فكرة الحكومة التكنوقراطية، لأن "الحريري" نفسه زعيم حزب سياسي.

لكن المصدر الحقيقي للتوتر هو المناصب الوزارية.

ويُقال إن "باسيل" يصر على اختيار نصف الوزراء في حكومة "الحريري"، ويريد استغلال عودة "الحريري" ليعود هو شخصيا.

ومن المعروف طموحاته في أن يصبح رئيسا بعد "عون". علاوة على ذلك، فإن العقوبات الأمريكية جعلت "باسيل" أقل استعدادا للتعاون.

وذكرت مصادر سياسية أن "باسيل" لم يعد لديه الكثير ليخسره في الغرب، وسيبذل قصارى جهده للسيطرة على عدة وزارات في الحكومة المقبلة، حتى في الوقت الذي يعرقل فيه الإصلاحات ويميل نحو "حزب الله".

ولطالما عبّر بطريرك المسيحيين الموارنة في لبنان "بشارة بطرس الراعي" عن موقف محايد، وطالب بإصلاحات عاجلة.

وقد استاء هو أيضا من عزوف النخبة السياسية عن ترك السلطة، وقال إنهم يعرقلون تشكيل الحكومة المقبلة.

وقال البطريرك خلال خطبة الأحد بمناسبة عيد استقلال لبنان الـ 77 إن "الشعب اللبناني سئم انتظار حكومة جديدة تنقذ البلاد".

وتدعو خارطة الطريق الفرنسية إلى إصلاحات ستكون على حساب الأحزاب السياسية ذات المصالح الخاصة.

على سبيل المثال، سيطر التيار الوطني الحر التابع لـ"باسيل" على قطاع الكهرباء لأعوام. ومن ثم إذا تم إصلاحه، فقد يفقد الحزب السيطرة على عملياته.

وبالمثل، يرى "حزب الله" أن موانئ البلاد أصول استراتيجية، ويخشى الإصلاحات الجمركية التي قد تحد من أنشطته.

كما تتحدث الخطة عن إعادة هيكلة القطاع المصرفي وإصلاح الميزانية العمومية للبنك المركزي وإدخال سياسة نقدية جديدة. ووفقا للمحلل السياسي "سامي نادر"، فإن كل هذه التحديات تثير الانقسام بشدة.

وقال "نادر": "لقد قالوا إنهم سينشئون هيئة شكاوى لمحاسبة الفاسدين. لكن الحل هو إدخال إصلاحات لجعل القضاء أكثر استقلالية.

على سبيل المثال، السماح للقضاة بانتخاب قيادتهم أو أعلى هيئة قضائية بدلا من تدخل السياسيين في الاختيار.

لكن قيادات النخب السياسية يعلمون أنهم إذا طبقوا ذلك فلن يكونوا قادرين على استغلال القضاء لصالحهم".

وفي 22 نوفمبر/تشرين الثاني، احتفل لبنان بعيد الاستقلال الـ 77، احتفالا كئيبا.

فالبلاد تحت حظر "كوفيد-19" الذي لم يسمح للمتظاهرين بالخروج بأعداد كبيرة، لكنهم قادوا سياراتهم في الشوارع وهم يلوحون بالعلم الوطني ويرددون شعارات ثورية، وطالبوا بإعادة السلطة للشعب وإصلاح المؤسسات.

ويعترف العديد من المتظاهرين الآن بأنهم يواجهون سياسيين عنيدين ليس لديهم مزاج يسمح لهم بالاستماع.

وربما كان البروفيسور "ستيف هانكي"، الخبير الاقتصادي بجامعة "جون هوبكنز"، أوضح الأمر بشكل أكثر إيجازا عندما غرد قائلا: "بينما تستمر فنزويلا في احتلال الصدارة عالميا في جدول التضخم، فقد تجاوز لبنان أخيرا زيمبابوي في المركز الثاني.. إنه أمر مروع أن نشاهد السياسيين اللبنانيين يتآمرون بينما تحترق بيروت".

المصدر | أنشال فورا/إنسايد أرابيا - ترجمة وتحرير الخليج الجديد