الاثنين 30 نوفمبر 2020 01:48 م

عن أزمة اقتصاد الخليج في 2021

توسيع الصراع مع تركيا يقلص أداء اقتصاد الخليج موجها نفقات لشراء ولاءات دول ضد تركيا أو أموالا سعودية وإماراتية للكيان الصهيوني.

الحكومات الخليجية غير جادة في تنفيذ أي استراتيجيات بديلة وحتى مع الأزمة الحالية والتي بدأت منذ منتصف 2014 بسبب انهيار أسعار النفط.

حالة تفاؤل بشر بها صندوق النقد حول نمو اقتصاد الخليج في 2021 مستبعدة لأن نفس عوامل انكماش اقتصادات الخليج في 2020 لازالت قائمة وبقوة.

من صالح دول الخليج الاستفادة من قاعدة الإنتاج الضخمة في تركيا واستمرار شراكات تطوير تكنولوجيا التسلح بين الرياض وأنقرة وتطوير الرعاية الصحية.

*     *     *

لا تزال اقتصاديات دول الخليج تعاني من التداعيات السلبية لأزمتي انهيار أسعار النفط في الأسواق الدولية، وجائحة كورونا، ولا يتوقع لهذه الآثار السلبية أن تنفك في عام 2021، حيث لا يزال العالم يترقب طرح لقاح ناجع لمواجهة الفيروس، كما تسيطر حالة التشاؤم على أداء الاقتصاد العالمي ومعدلات النمو في العام المقبل.

الخميس 29 أكتوبر 2020، تراجعت أسعار النفط لما دون الـ 40 دولارا للبرميل، بسبب كثرة المعروض، وعدم اليقين الذي يغطي على توقعات تحسّن أداء الاقتصاد العالمي، وهو ما يعني أن ميزانيات دول الخليج في 2021، ستصاحبها ظاهرة العجز، والتوسع بشكل كبير في الدين العام، خاصة عبر الاقتراض الخارجي، وإن كانت أسعار النفط تحسنت بعد ذلك بسبب الحديث عن قرب طرح اللقاح، إلا أنها قد لا تشهد قفزات تغطي ذلك العجز.

وكانت آخر التقديرات، أن إصدارات دول الخليج في سوق السندات الدولية بلغت 102 مليار دولار في 2020، وهو مبلغ قريب من إصدارات عام 2019، حيث قدرت بنحو 101 مليار دولار، ولكنها أعلى من 2018 والبالغ قيمتها نحو 80 مليار دولار.

ولن يتوقف الأمر على مجرد الاستدانة لتمويل الميزانيات العامة في دول الخليج، ولكن مناخ الاستثمار في تلك الدول أصبح محاطًا بكثير من دواعي الحذر، فمؤخرًا حذرت أميركا رعاياها من تداعيات اعتداءات أو خطف في منطقة الخليج.

وجاء التحذير عبر سفارة واشنطن في الإمارات، وهو تحذير يحمل دلالات، منها أن الإمارات التي تعتبر نفسها الأكثر انفتاحًا على الاستثمارات الأجنبية، أصبحت غير آمنة لوجود الأجانب، فما بالنا بباقي دول المنطقة، خاصة السعودية، التي لازالت تعاني بشكل كبير من حربها في اليمن، واستمرار الحوثيين في استهداف أمنها الداخلي.

إفراط في التفاؤل

أتت توقعات صندوق النقد الدولي في أكتوبر 2020، حول أداء معدلات النمو الاقتصادي لدول الخليج، سلبية فيما يتعلق بالعام الجاري، حيث توقع أن تحقق السعودية معدل نمو سالب بنحو 5.4%، والإمارات 6.6%، والكويت 8.1%، وعمان 10%، وقطر 4.5%، والبحرين 4.9%.

توقعات الصندوق عن أداء اقتصاديات الخليج في 2020 أكدها الواقع. ولكن غير المسلم به حالة التفاؤل التي حملتها تقديرات الصندوق في مطلع أكتوبر 2020، لأداء نمو اقتصاديات الخليج في عام 2021، حيث توقع أن تحقق كل دول مجلس التعاون نموًا إيجابيًا باستثناء سلطنة عمان، فالسعودية ستحقق نموًا إيجابيًا بنحو 3.1% في 2021، والإمارات بنحو 1.3% في نفس العام.

وما يدعونا إلى استبعاد حالة التفاؤل التي يبشر بها الصندوق حول معدل نمو اقتصاديات الخليج في 2021، هو أن نفس العوامل التي أدت إلى انكماش تلك الاقتصاديات في 2020 لازالت قائمة، وبقوة.

فالموجة الثانية من الفيروس، تثير الرعب في ألمانيا وفرنسا وروسيا، وغيرها من الدول، وهو ما يستدعي حالة الإغلاق لاقتصاديات كبرى، مؤثرة في حركة الاقتصاد العالمي.

وبالتالي تراجع الطلب على النفط، واستمرار موجة هبوط الأسعار، وهو ما يضع جميع دول الخليج دون الوصول إلى حالة توازن في ميزانياتها، بسبب هبوط سعر النفط إلى دون سقف الـ 40 دولارا.

غياب السيناريو البديل

الأزمة التي تمر بها اقتصاديات الخليج كبيرة، وهي أشدة وطأة من سابقتها، ولكنها مكررة، والدروس المستفادة منها معروفة، خاصة في أوقات انهيار أسعار النفط، كما حدث في النصف الثاني من تسعينيات القرن العشرين.

وكذلك طرق العلاج والتعامل مع الأزمة من قبل دول الخليج، تقليدية ومكررة، حيث تدّعي هذه الحكومات أنها ستتبنى استراتيجيات التخلي عن كون النفط المصدر الرئيسي لاقتصادياتها، أو توطين العمالة، أو وقف بعض أنواع الإنفاق العام.

لكن الواقع أثبت غير مرة، أن الحكومات غير جادة في تنفيذ هذه الاستراتيجيات، وحتى في ظل الأزمة الحالية والتي بدأت منذ منتصف 2014، مع انهيار أسعار النفط، أي بعد مضي نحو 6 سنوات، لم يبد في الأفق، ولو بذور حقيقية لتبني استراتيجية التخلي عن كون النفط المصدر الرئيسي للاقتصاد.

بل الأغرب تحالف السعودية والإمارات لحصار قطر، واختلاق أزمة لتبديد الموارد، على شراء السلاح، والإنفاق غير المحدود على وسائل الإعلام في الحرب الدائرة بين دول الخليج.

بل زاد الطين بلة، أن الدول الخليجية، بدلًا من أن تتجه للتعاون الاقتصادي العربي بشكل حقيقي، والسعي لإنهاء بؤر الصراع المسلح في اليمن وليبيا، تستمر في إشعال هذا الصراع، وتؤججه، وتنفق عليه ببذخ.

وفي خطوة أشد خطورة على مستقبل اقتصاديات المنطقة تبنت بعض دول الخليج سياسات التطبيع مع الكيان الصهيوني، كما فعلت الإمارات ثم البحرين، وكذلك السودان بسعي وترتيب من قبل أبوظبي.

وبدلًا من أن تكون البشرى، هي استصلاح الأراضي الزراعية في السودان، والعمل على توفير القمح كسلعة استراتيجية للبلاد ودول الخليج مثلًا في إطار من التعاون الخليجي، وجدنا أولى الثمار المرة لتطبيع الإمارات مع الكيان الصهيوني، التعاقد لاستيراد النبيذ الذي ينتج في الجولان المحتل، من الكيان الصهيوني.

وهي خطوة تنم عن عدم ترتيب الأولويات لدى الإمارات، فلا النبيذ يمثل سلعة رئيسية ولا استراتيجية للدولة الخليجية، فضلًا عن أنها تكرس لبقاء احتلال الكيان للجولان السورية.

وفي الوقت الذي تسعى فيه الإمارات لشراء النبيذ من الجولان المحتلة، لصالح الكيان الصهيوني، نجد أن دولًا غير عربية وغير إسلامية تمنع استيراد السلع المنتجة في المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة..

حتى لو ادعت الإمارات بأنها تستورد النبيذ لصالح قطاع السياحة، فهو أمر غير صحيح، حيث إن السياحة معطلة بنسبة كبيرة في ظل جائحة كورونا.

جبهة جديدة للصراع

تعمل كل من السعودية والإمارات على تصعيد خلافتهما مع تركيا، وهو صراع يعمل على استنزاف الموارد في كلا الطرفين، وليس من الصالح العام في شيء، أن توسع بعض دول الخليج، خاصة السعودية والإمارات، دوائر الصراع الخاصة بهما في المنطقة في ظل الظروف الاقتصادية السلبية التي تمر بها المنطقة والعالم.

وبلا شك أن الدخول في مثل هذا الصراع وتوسيع دائرة من شأنه أن يقلص من أداء اقتصاديات دول الخليج، فبدلًا من توجيه النفقات للاستثمار والتجارة والخدمات، توجه لشراء ولاءات دول لمساندة أنظمة دول ضد تركيا، أو توجيه أموال السعودية والإمارات للكيان الصهيوني!

وهو ما أعلن عنه عبر عدد من المشاركات بين أبوظبي ودولة الاحتلال، وكان من صالح دول الخليج أن تستفيد من القاعدة الإنتاجية الضخمة في تركيا، أو أن تستمر مشروعات تطوير تكنولوجيا التسليح التي بدأت بين الرياض وأنقرة منذ سنوات، أو تطوير قطاع الرعاية الصحية.

* عبد الحافظ الصاوي كاتب وباحث اقتصادي

المصدر | العربي الجديد