الاثنين 30 نوفمبر 2020 11:20 م

قبل نحو عامين وفي عملية جريئة للغاية، قام فريق من الكوماندوز الإسرائيلي باختراق مستودع يخضع لحراسة مشددة في عمق إيران، ونهبوا قبل الفجر 5 آلاف صفحة من الأوراق السرية للغاية حول البرنامج النووي الإيراني.

ثم في بث تليفزيوني بعد بضعة أسابيع، في أبريل/نيسان 2018، استشهد رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" بمحتويات الوثائق المسروقة للتلميح إلى عمليات جريئة لا تزال قادمة، وقال: "تذكروا هذا الاسم"، وأشار إلى العالم النووي "محسن فخري زاده" باعتباره قائد محاولات إيران السرية لصناعة أول سلاح نووي.

والآن، أصبح "فخري زاده" آخر ضحية لحملة من الهجمات السرية الجريئة التي تبدو كأنها مصممة لتذكير قادة إيران بضعفهم.

وتضع تلك العمليات طهران أمام خيار مؤلم، بين تبني مطالب المتشددين بالانتقام السريع أو محاولة فتح صفحة جديدة مع الإدارة الأمريكية الأقل عدائية بقيادة الرئيس المنتخب "جو بايدن".

وكان هذا أحدث هجوم من نوعه في نمط استمر لعقد كامل من حالات التسمم الغامضة وتفجير السيارات المفخخة وإطلاق النار والسرقات والتخريب التي ابتليت بها إيران.

واستهدفت الهجمات في معظمها علماء مجهولين إلى حد كبير أو منشآت سرية يُعتقد أنها مرتبطة ببرنامجها النووي، ونُسب معظمها من قبل المسؤولين الأمريكيين والإيرانيين إلى خصم طهران الأول، إسرائيل، وأبدى المسؤولون الإسرائيليون ابتهاجا بالنجاح المتكرر لجواسيسهم، دون الاعتراف رسميا بالمسؤولية عن الهجمات.

ومع ذلك، لم تتعرض إيران أبدا لسلسلة من الهجمات السرية مثل تلك التي حدثت في عام 2020، في يناير/كانون الثاني الماضي، قتلت غارة أمريكية بطائرة بدون طيار الجنرال البارز "قاسم سليماني" بينما كان في سيارة تغادر مطار بغداد، في هجوم سهلته المخابرات الإسرائيلية.

وتعرضت إيران للإهانة في أغسطس/آب الماضي عندما أطلق فريق إسرائيلي النار على زعيم بارز في "القاعدة" في شوارع طهران، وكان الهجوم هذه المرة بأمر من الولايات المتحدة، كما قال المسؤولون.

وقال "بروس ريدل"، الباحث في معهد "بروكينجز" والمسؤول السابق في وكالة الاستخبارات المركزية ولديه خبرة في السياسة الإسرائيلية، إنه نادرا ما أظهر أي بلد قدرة مماثلة على الهجوم مع الإفلات من العقاب داخل أراضي ألد أعدائه، وأضاف: "إن الأمر غير مسبوق. ولا يَظهر أي مؤشر على أن الإيرانيين قد ردوا على ذلك بشكل فعال".

ومع مقتل عالمها النووي الأبرز، تواجه إيران الآن شعورا جديدا بالضعف، والحاجة الملحة لتطهير البلاد من المشتبه بهم كجواسيس لإسرائيل، والأهم من ذلك كله، يناقش الإيرانيون الآن كيفية الرد في لحظة حساسة من التاريخ.

وعانت إيران أعواما من العقوبات الاقتصادية المدمرة في ظل حملة "أقصى ضغط" التي قادها الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، ويأمل العديد من القادة الإيرانيين في بعض التخفيف الذي تعهد به الرئيس الأمريكي المنتخب "جو بايدن" لإحياء الاتفاق النووي الإيراني، وبالنسبة للإيرانيين البراجماتيين، فإن هذا الاحتمال يجعل الأشهر الأخيرة لـ "ترامب" ليس الوقت المناسب للرد والمخاطرة بتجدد الأعمال العدائية.

لكن الإيرانيين يعرفون أيضا أن أعداءهم في الولايات المتحدة وإسرائيل قد يستغلون هذه الفترة لمهاجمة طهران بشكل أكبر، وهي فرصة مواتية للضغط على قادتها بين مطرقة المطالب المحلية بالانتقام وسندان الرغبة البراجماتية في علاقات أفضل مع الغرب.

وكتب "محمد حسين خوش فاغت"، المسؤول السابق في وزارة الثقافة والإرشاد، في رسالة على "تويتر": "من اليوم وحتى مغادرة ترامب البيت الأبيض هي أخطر فترة بالنسبة لإيران".

وأضاف أن الرد الانتقامي ضد إسرائيل أو الولايات المتحدة سوف يخدم أعداء إيران في المنطقة لأنهم يسعون "لخلق وضع صعب" حتى لا تستطيع الإدارة الجديدة إحياء ذلك الاتفاق النووي.

وقال المتشددون الإيرانيون إن مقتل "فخري زاده" أثبت أن التمسك ببداية جديدة مع "بايدن" يشجع أعداء إيران فقط على مزيد من الضغط عليها، وقال المحلل السياسي المحافظ "فؤاد أزادي"، في مقابلة من طهران: "إذا لم نرد على هذا المستوى من الإرهاب، فقد يكررونه، لأنهم يعلمون الآن أن إيران لن ترد".

وتبنت إسرائيل منذ عقود استراتيجية الاغتيالات في محاولة لإبطاء التقدم المحتمل لجيرانها نحو سلاح نووي، ويقول مؤرخون إن وكالات الاستخبارات الإسرائيلية قد ارتبطت بقتل علماء يعملون لصالح مصر والعراق في الستينات والسبعينات لنفس السبب.

واتهمت إيران إسرائيل للمرة الأولى بقتل أحد علمائها عندما سقط ميتا في مختبره بعد تسمم عام 2007، ثم جاءت سلسلة من الهجمات الأكثر عنفا على العلماء الإيرانيين بين عامي 2010 و2012 وتم اتهام إسرائيل أيضا.

وفي إحداها، فجرت قنبلة محمولة على دراجة نارية متوقفة عالما في مجال فيزياء الجسيمات أثناء قيامه بإنزال باب مرآب في منزله في طهران.

وفي 3 هجمات أخرى، ألصق راكبون على دراجات نارية قنابل مغناطيسية على أبواب سيارات علماء آخرين أثناء تحركها على الطريق، ما أسفر عن مقتل اثنين وإصابة ثالث.

وفي هجوم خامس، قام مسلحون على دراجات نارية بإطلاق الرصاص على أحد العلماء أثناء توقف سيارته عند إشارة مرور وزوجته جالسة إلى جانبه.

وقال "ريدل" إن إسرائيل طورت سجلا ناجحا من خلال تركيز الموارد الكبيرة لوكالات التجسس لديها على إيران، بشكل رئيسي.

وأضاف أن إسرائيل ركزت على العلاقات داخل الدول المجاورة لإيران باعتبارها "منصات" للمراقبة والتجنيد، وعلى الأخص في باكو، عاصمة أذربيجان، ولفت الصراع الأخير بين أذربيجان وأرمينيا الانتباه إلى الطائرات بدون طيار والأسلحة الأخرى التي قدمتها إسرائيل لأذربيجان كجزء من تلك العلاقة.

وأضاف "ريدل" أن إسرائيل تجند الناطقين باللغة الفارسية من بين المهاجرين الإيرانيين لإجراء اتصالات أو تحليل الاتصالات التي تم اعتراضها، وتمكنت إسرائيل بالفعل من تجنيد سيل مستمر من المتعاونين الإيرانيين.

والآن، بحسب ما قاله "ريدل"، قد يكون الهجوم على "فخري زاده" مؤشرا على أن إسرائيل تخطط لعمليات قتل أخرى، وأضاف: "فبعد 8 أعوام من التوقف، منذ موجة الاغتيالات في الفترة من 2010 إلى 2012، أعتقد أنها إشارة إلى أن العملية جارية على قدم وساق".

وقال مسؤول إسرائيلي كبير، شارك لأعوام في تعقب "فخري زاده"، وتحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، إن إسرائيل ستواصل العمل ضد البرنامج النووي الإيراني حسب الضرورة.

وأصر المسؤول على أن تطلعات إيران لامتلاك أسلحة نووية، التي قادها "فخري زاده"، تشكل تهديدا يجب على العالم أن يشكر إسرائيل على التصدي له.

وفي إيران، أثار القتل مطالب جديدة لاقتلاع الجواسيس من البلاد، وفي أول رد علني له على عملية الاغتيال، أعلن المرشد الإيراني "علي خامنئي" أن الأولوية الأولى لإيران هي "التحقيق في هذه الجريمة وعقاب مرتكبيها".

وألقى المتشددون باللوم على إدارة الرئيس الإيراني "حسن روحاني"، البراجماتي الذي راهن بشدة على المفاوضات مع واشنطن، في الإخفاقات الأمنية التي سمحت بالهجوم.

وقال "حسين دهقان"، المرشح في الانتخابات الرئاسية العام المقبل، وهو قائد كبير في الحرس الثوري ومستشار دفاع لـ"خامنئي": "الليل طويل ونحن متيقظون"، وتابع في رسالة على "تويتر": "سننزل كالرعد على رؤوس المسؤولين عن مقتل الشهيد ونجعلهم يندمون على فعلتهم".

من جانبه، دعا "روحاني" في خطاب متلفز إلى مواصلة ما أسماه سياسة "الصبر الاستراتيجي"، أو ما يسميه منتقدوه بانتظار "بايدن"، وقال "روحاني": "سنجيب في الوقت المناسب. ويجب أن يعلم كل الأعداء أن الشعب الإيراني العظيم أكثر شجاعة وشرفا من أن يسكت على هذا العمل الإجرامي".

وبحسب محللين، فإن المتشددين هم الأكثر استفادة من الهجوم، وقالت "سنام وكيل" من "تشاتام هاوس" في لندن، إن أي صراع متجدد مع إسرائيل يعزز حجة المتشددين ضد التفاوض مع الغرب.

وأضافت أنه منذ فوز "بايدن" في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، بدأ المتشددون في الضغط على "روحاني" لتأجيل أي مفاوضات مع الإدارة الأمريكية الجديدة لأطول فترة ممكنة.

ويقوي الصراع مع واشنطن موقف المتشددين ويضعف الفصائل البراجماتية أكثر في الانتخابات الإيرانية العام المقبل.

وقالت "وكيل": "لذا فإن حدثا كهذا يأتي في صالح المتشددين، لأنهم يستطيعون الدفع بتأجيل المفاوضات إلى ما بعد الانتخابات الإيرانية، وهذا ما يسعون لتحقيقه".

المصدر | ديفيد كيركباتريك | نيويورك تايمز - ترجمة وتحرير الخليج الجديد