الثلاثاء 1 ديسمبر 2020 06:54 م

أشهر مضت لم يتمكن فيها القارئ التركي أو حتى العربي المقيم في تركيا من متابعة ما تعرضه المواقع الإخبارية السعودية، وهو الحال الذي عايشه القارئ السعودي أيضا والذي وحتى يومنا هذا لا يتاح له الدخول إلى وسائل الإعلام التركية عبر شبكة الإنترنت، وذلك في إطار التوتر الإعلامي بين أنقرة والرياض، الذي يأتي وسط تدهور العلاقات التركية السعودية.

واليوم، يبدو أن متابعة وسائل الإعلام في البلدين بات ضروريا، لفهم سياستهما الحالية، وماهية العلاقات التي يسير بها الطرفان، وما إذا كانت قد تغيرت، وخاصة في آخر شهر من العام الحالي، بعد ظهور في الأيام الماضية مؤشرات "إيجابية" من الطرفين، اعتبرها محللون ومراقبون أنها خطوات لإعادة تطبيع العلاقات، ولفتح صفحة جديدة، استعدادا للرياح "الحارّة" للرئيس الأمريكي المنتخب، جو بايدن.

المؤشرات "الإيجابية" والتي رٌبطت بعملية التقارب كان أولها، مطلع نوفمبر الماضي، بتقديم العاهل السعودي، الملك سلمان بن عبد العزيز التعزية بضحايا زلزال ولاية إزمير التركية، إضافة للإعلان عن مساعدات للمنكوبين في الزلزال، بتوجيهات منه.

ما سبق تبعه اتصال بين الملك السعودي والرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، قبل يوم من قمة العشرين التي استضافتها السعودية، في تطورٍ جاءت أهميته من كونه الوحيد الذي يجريه سلمان بن عبد العزيز مع رئيس دولة مشاركة في القمة.

وما هو أبرز من التطورين السابقين، لقاء ودي جمع وزيري خارجية السعودية، فيصل بن فرحان آل سعود، وتركيا ،ومولود جاويش أوغلو، الأمر الذي أعطى صورة أكثر وضوحا لوجهة نظر الطرفين، ولاسيما مع إشارة الأخير إلى أن بلاده تولي أهمية لعلاقاتها مع السعودية، معتبرا أن "الشراكة القوية بين تركيا والسعودية ليست لصالح البلدين فحسب، بل للمنطقة بأكملها"

رغم أن المؤشرات الثلاثة وُضعت ضمن خانة التقارب بين أنقرة والرياض، إلا أنها وعلى الجانب المقابل لم تعط أرضية واضحة للعلاقة المقبلة التي سيكون عليها الطرفان، خاصة وأنه عند الحديث عن السعودية وتركيا، فالمشاكل وحالة العداء بينهما لا ترتبط بملفات بسيطة، بل بسياسات خارجية وتحالفات معادية.

وعلى اعتبار أن ما تشهده العلاقة الحالية بين أنقرة والرياض يدفع إلى التقارب، فهو أمر تعاكسه ما تطرحه وسائل إعلام كلا الطرفين، والتي لم تطرح أي بادرة من شأنها أن توازي المؤشرات الإيجابية المذكورة.

وحسب ما رصد "موقع الحرة" على صحيفة "عكاظ" السعودية، وعلى سبيل المثال لا الحصر فإنها ماتزال على ذات السياسة المناهضة لتركيا، وكانت قد نشرت منذ يومين تقريرا تحت عنوان: "إردوغان يعيش آلام المقاطعة الشعبية السعودية.. صادرات تركيا هبطت 16%"

 

الأمر يتوقف على السعودية

 

رسول توسون، القيادي في حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، رأى أن بلاده لم تقوّض العلاقة القائمة بينها وبين السعودية، "إنما الأخيرة بمواقفها الغريبة في مقتل، جمال خاشقجي، اتخذت موقفا معاديا ضد أنقرة"، حسب قوله.

ويضيف توسون الذي كان نائبا سابقا في البرلمان التركي: "هناك انزعاج صارخ نلاحظه في مواقف القوى الإمبريالية، والتي ضغطت ولا تزال تضغط على الدول العربية لتعارض تركيا وتقطع علاقتها بها. لذا نشاهد لدى بعض الدول العربية عداء بارزا تجاه تركيا".

ويوضح القيادي في الحزب أن "السعودية تأثرت من تلك الضغوطات، وكانت قد أعلنت في الأيام الماضية مقاطعة منتجات تركيا، في حين لم تقصّر الأخيرة في تعزيز العلاقات مع السعودية. فقط طلبت العدل في قضية مقتل خاشقجي".

وخلال حديثه، ألمح "توسون" إلى خطوات يسير بها الطرفان، لكن لا تصب بمضمونها العام في إطار التقارب الذي يدور الحديث عنه حاليا، من نسيان للماضي بشكل نهائي.

ويتابع القيادي في الحزب الحاكم: "هذا الطلب (العدل في قضية خاشقجي) أزعج بعض المسؤولين"، مشيرا إلى أن "تركيا لا ترى عائقا لتعزيز العلاقات، بل هي مستعدة لتعزيزها، والأمر يتوقف على المواقف السعودية العقلانية التي تراعي مصالح المجتمع السعودي، ومصالح الأمة الإسلامية ومصالح العالم الإسلامي، وبالأخص مصالح المنطقة".

وعما إذا كان الطرفان بحاجة إلى طرف آخر يرعى الخطوات الأولى لكسر الجليد، أوضح توسون أنه ليس هناك طرف راع للمقاربة ولا داعي له، معتبرا أن "الطرفان قادران لترتيب العلاقات، بشرط أن يتخذ ويعمل كل طرف باستقلالية تامة".

 

جس نبض أم تقارب؟

 

وثمة رؤية أخرى طرحها مراقبون ومحللون أتراك، حين اعتبروا أن ما شهدته الأيام الماضية من المؤشرات "الإيجابية" بين أنقرة والرياض لا تصب في إطار تقارب كامل بينهما، بل هي عبارة عن عمليات "جس نبض" واستكشاف، من أجل الاستعداد لما ستكون عليه الأيام المقبلة، خاصة مع قدوم بايدن، الذي كان قد وجه رسائل تهديد لكل من تركيا والسعودية في أثناء حملته الانتخابية.

عضو حزب العدالة والتنمية، باكير إيتيجان، أكد أن التقارير التي تتحدث عن عمليات تقارب بين أنقرة والرياض صحيحة، معتبرا أن "تركيا والشعب التركي من جهة والشعب السعودي وشعوب المنطقة من جهة أخرى من مصلحتهم هكذا تقارب، ليس فقط من أجل اليوم، بل من أجل المرحلة المقبلة والمستقبل".

ويقول عضو الحزب: "تركيا شعبا وقيادة تسعى جاهدة إلى بناء علاقات جيدة مع دول المنطقة، بالرغم من الخلافات في وجهات النظر والمشاكل التي تعانيها هذه الدول مع بعضها البعض".

وفي مطلع حديثه طرح إيتيجان عدة أمثلة يمكن ربطها بحال اليوم، مشيرا إلى أن تركيا وإيران على سبيل المثال لا تجمعهما ومنذ مئات السنين أي علاقة، لكن أنقرة تتبنى علاقات حفظ الجوار للحفاظ على علاقتها مع الشعب الإيراني، وهي سياسة تنطبق على اليونان وعلى سوريا أيضا.

ويضيف عضو حزب العدالة والتنمية أن أنقرة والرياض تدفعان باتجاه التقارب بشكل مباشر، دون وجود وسطاء لذلك، لافتا إلى أن "الطرفان يدركان أن مواصلة العلاقات تكون لخدمة الشعبين، لذلك أخذوا قرار الاستمرار في الاتصالات، والجلوس للحوار مرة ثانية".

وفي الوقت نفسه وعلى الرغم من السير باتجاه التقارب، يشير إيتيجان إلى أن السعودية غير قادرة أن تأخذ قرارات لوحدها في المنطقة، لذلك لابد أن تتأثر من الضغوط الإماراتية والمصرية وحتى من إسرائيل، سواء الآن وفي الأيام المقبلة.

ويتابع عضو الحزب: "لذلك علاقات جيدة مع تركيا والسعودية على المدى القصير غير ممكنة، لكن لا بد منها على المدى الطويل، على الرغم من الضغوط التي ستكون من الدول المذكورة، كالإمارات وإسرائيل ومصر".

 

 العداء في 4 ملفات

 

بالعودة إلى الوراء فمنذ اتخاذ أنقرة موقفا داعما لقطر، في نزاعها الذي بدأ منذ ما يزيد على ثلاثة أعوام، وما يزال متواصلا حتى الآن توترت علاقات الرياض بها بشدة، وهي تتحرك طوال تلك الفترة من توتر إلى مزيد من التوتر.

بلغ توتر العلاقات بين البلدين أوجه، خلال محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا في يوليو من عام 2016، وترويج وسائل إعلام سعودية في الساعات الأولى من الانقلاب له، بجانب وسائل إعلام إماراتية أيضا، ثم تلميح وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو فيما بعد إلى دور إماراتي في عملية الانقلاب الفاشلة.

وبجانب النزاع السياسي الواضح والمتصاعد، بين أنقرة والرياض، يرى مراقبون أيضا، أن الرياض تستشعر منافسة واضحة من قبل أنقرة على زعامة المسلمين السنة في العالم، وخاصة في ظل مناصرتها لعدة قضايا عربية وإسلامية، واستضافتها ودعمها لـ"جماعة الإخوان المسلمين"، التي يعتبرها النظام السعودي عدوه الأول.

وفي أكتوبر من عام 2018، تصاعد التوتر بشدة بين تركيا والسعودية بعد مقتل الصحفي السعودي، جمال خاشقجي، في القنصلية السعودية في اسطنبول في أكتوبر2018، وهي حادثة تعاملت معها أنقرة على نحو خاص وبسياسة أغضبت الرياض، وخاصة ولي عهدها، محمد بن سلمان.

 

 هل تطوى الصفحة؟

 

في سياق ما سبق لكن بوجهة نظر مختلفة، فإن المؤشرات الإيجابية تعطي تصورا عن مسار جديد تسلكه العلاقات التركية السعودية، لكن هذا المسار لا يصب كثيرا في إعادة العلاقات بين أنقرة والرياض إلى طبيعتها، حسب ما قال مصدر مطلع لـ"موقع الحرة".

ويضيف المصدر الإعلامي المقيم في أنقرة أن ما يجري حاليا بين تركيا والسعودية يمكن تأطيره ضمن نطاق "تحسين العلاقات"، بعيدا عن أي تحوّل أو تغيير جذري في العلاقة، والتي ما تزال تعترضها عدة عوائق، على رأسها قضية مقتل خاشقجي، مشيرا إلى أنه يمكن القول بأن ما يجري حاليا عبارة عن "تقارب غير ناضج".

وبوجهة نظر المصدر، فإنه وعند الحديث عن محاولات التقارب بين السعودية وتركيا، لا يمكن تجاهل التحالفات لكلا الطرفين، وخاصة التحالف الذي تدخل به السعودية إلى جانب الإمارات، وهو أمر من شأنه أن ينعكس سلبا على أي محاولات في طريق طوي صفحة الماضي، لفتح أخرى للمستقبل.

من جانبه يشير الباحث في العلاقات الدولية، علي باكير، إلى عدّة عوامل تدفع باتجاه حصول انفراج في العلاقات التركية-السعودية، لعل أهمها فوز جو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأميركية وضغوطاته المتوقعة ضد الطرفين، لاسيما الرياض.

ويقول باكير في تصريحات لـ "موقع الحرة" إنه يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أمرين أساسيين، الأول هو عدم المبالغة بقراءة التطورات الحاصلة، لأنها قابلة للتغير مرة أخرى تبعا للظروف، سواء باتجاه تقارب أكبر أو باتجاه التراجع عن التقارب الحاصل.

أما الأمر الثاني، فيرتبط، حسب الباحث، بـ "وجود صعوبات وتحديات أمام علاقات تركية-سعودية أفضل، لعل أبرزها هو موقف المتضررين داخل وخارج المملكة، لاسيما موقف الإمارات التي ترغب في أن ترى علاقات سعودية-إسرائيلية أقوى بدلا من علاقات سعودية-تركية".

المصدر | موقع قناة الحرة