الخميس 3 ديسمبر 2020 02:23 م

الإعلام وخرافة حرب ترامب ضد إيران

هل سينسحب ترامب من البيت الأبيض؟ هل سيشن حروبا ومنها ضد إيران قبل نهاية ولايته يوم 20 يناير المقبل؟

تعامل الإعلام الدولي مع تصريحات ترامب وكأنها صادرة عن رئيس في دولة غير ديمقراطية كحال بعض الدول العربية

قراءات مثيرة من طرف وسائل إعلام دولية كثيرة لأحداث كبرى فتطغى تأويلات متعددة لا تمت للواقع الحقيقي بشيء.

كل متخصص في الحروب خاصة العسكريين سيؤكد أن الحرب ضد إيران تستوجب استعدادا لوجستيا شبيها بحرب عالمية.

ارتباطا بالحرب لا يمكن للرئيس الأمريكي اتخاذ قرار الحرب فقط لأن لديه رغبة في شن الحروب أو يعتقد أن مصلحة البلاد تستوجب ذلك.

*     *     *

توجد قراءات مثيرة من طرف الكثير من وسائل الإعلام الدولية، لبعض الأحداث الكبرى، حيث تطغى تأويلات متعددة لا تمت للواقع الحقيقي بأي شيء.

وهناك فرق كبير بين تأويلات المنابر، بما فيها جرائد عريقة مثل «نيويورك تايمز» مقارنة مع الدراسات التي تعدها معاهد الدراسات الاستراتيجية، أو معاهد التفكير الاستراتيجي، وتتميز الأخيرة بالدقة، وتشكل قفزة نوعية في الإعلام.

ولعل الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة، التي جرت يوم 3 نوفمبر/تشرين الثاني، تقدم نموذجا في هذا الشأن يستحق الدراسة، فقد ترتب عن خسارة الرئيس الجمهوري دونالد ترامب وفوز الديمقراطي جو بايدن الكثير من التأويلات التي تفتقد للمصداقية، بل أحيانا تبحث عن الإثارة، وتحقيق نسبة عالية من القراء. ونتوقف هنا عند خبرين أو ملفين:

- الأول وهو: هل سينسحب ترامب من البيت الأبيض أم لا؟

- الخبر الثاني: هل سيقوم بشن حروب ومنها ضد إيران، قبل نهاية ولايته يوم 20 يناير/كانون الثاني المقبل؟

لقد تعامل الإعلام الدولي مع تصريحات ترامب وكأنها صادرة عن رئيس في دولة غير ديمقراطية، مثل حالة بعض الدول العربية، حيث يجري اعتقال الرئيس غداة الانتخابات واتهامه بمختلف الاتهامات، ويزج به في السجن.

ونسي الإعلام الدولي، ثقل المؤسسات الدستورية والقانونية والأمنية والعسكرية، في بلد مثل الولايات المتحدة، لا يترك مجالا لهامش الخطأ، ويتضمن اعتقال الرئيس ومحاكمته في حالة العصيان.

وإذا بقي ترامب ساعة واحدة في البيت الأبيض بعد منتصف ظهر 20 يناير، التاريخ المحدد لمغادرته مقر الرئاسة، سيتم اعتقاله بتهمة خرق الدستور الأمريكي، والخيانة وإحالته على القضاء.

في دولة من حجم الولايات المتحدة، أو أي دولة غربية أخرى، مهما بلغ الفرد من أهمية وسطوة، لا يمكنه تجاوز ما سطرته المؤسسات من قوانين، وإلا وقعت الفوضى والحرب الأهلية.

ويبقى الخبر الثاني أو الملف الثاني هو ماذا سيفعل ترامب فيما تبقى له من الفترة الرئاسية، وهي قرابة شهرين، هل سيشن الحرب على بعض الدول، ومنها إيران أم لا؟ هل سيستعمل السلاح النووي ضد دولة ما؟

وانخرطت جرائد كبرى في هذه الأطروحة، متناسية أبسط قواعد الإعداد للحرب في الولايات المتحدة، وكذلك كيفية استعمال الزر النووي.

في هذا الصدد، منذ أكثر من 15 سنة، وعدد من الصحافيين في العالم، ومنهم في الغرب أساسا، كلما تحركت حاملة طائرات أمريكية نحو الخليج يتم الحديث عن احتمال وقوع هجوم ضد إيران.

ويتناسى هؤلاء الصحافيون وجود مقر الأسطول الخامس في الخليج العربي، وبالضبط في البحرين، والزيارات إليه عادية للغاية، وتنص المخططات العسكرية الأمريكية على ضرورة دورة حول العالم لحاملات الطائرات تستغرق ما بين تسعة أشهر وسنة، وتتمركز بعض الوقت في أماكن ذات أهمية استراتيجية للولايات المتحدة وإجراء تدريبات.

وعادة ما تكون حاملة طائرات في الخليج، وأخرى في بحر الصين، وثالثة في الشاطئ الغربي الأمريكي، ثم رابعة في الشاطئ الشرقي الأمريكي، علاوة على عدد من السفن المدمرة المنتشرة في مناطق أخرى.

وتبدأ كل حاملة طائرات دورتها من قاعدة نورفولك، مرورا بمضيق جبل طارق، ثم الخليج العربي، فبحر الصين، وتنتهي في قاعدة سان دييغو في كاليفورنيا. وهناك أخرى تقوم بدورة عكسية من سان دييغو إلى نورفولك.

ويضاف إلى هذا، كل متخصص في الحروب وخاصة من العسكريين، سيؤكد أن الحرب ضد إيران، تستوجب من الناحية اللوجستية استعدادا شبيها بحرب عالمية. وارتباطا بالحرب، لا يمكن للرئيس الأمريكي اتخاذ قرار الحرب فقط لأن لديه رغبة في شن الحروب، أو يعتقد أن مصلحة البلاد تستوجب ذلك.

عندما يتخذ الرئيس قرار الحرب، فيكون اعتمادا على التقارير العسكرية التي ترفع له، ولا يمكن لأي رئيس إعلان تدخل عسكري في منطقة ما في العالم، من دون توصية من مختلف التقارير العسكرية والاستخباراتية.

كما لا يمكن لأي رئيس استعمال الزر النووي إلا في حالة تعرض الولايات المتحدة لهجوم نووي، أو في حالة استباق هجوم محتمل ستتعرض له البلاد. وتعد مسطرة اللجوء إلى السلاح النووي معقدة وشائكة، وليست بسهولة الضغط على الأرقام لإجراء مكالمة هاتفية.

وتوجد أمثلة كثيرة حول تسرع الصحافة الدولية في تقديم قراءات وتأويلات تختلف عن الواقع الحقيقي. وعندما تستمع لرأي باحث من معهد للتفكير الاستراتيجي، وتقرأ لبعض الصحافيين، تلمس الفرق الشاسع.

- الأول يبني رأيه على أسس معرفية متينة تقوم على معطيات صلبة، تأخذ بالاعتبار السياق والتاريخ والقانون،

- الثاني يبقى سجين ما هو سطحي ومثير.

لهذا، تكون مقالات معاهد التفكير الاستراتيجي صائبة في خلاصاتها وتأويلها، والعكس في حالة الصحافة. في هذا الصدد، أحسنت معاهد التفكير الاستراتيجي في البدء في متابعة الأحداث الدولية ومواكبتها، على شاكلة المنابر الإعلامية.

إنها تشكل الفارق، فمقالاتها دقيقة في المعطيات، وتتسم بالنضج في تقديم القراءات واستخلاص النتائج. انضمام مراكز التفكير الاستراتيجي إلى بانوراما الإعلام الدولي قفزة نوعية ومفيدة لتطوير الصحافة عالميا، لأنها تنقل الإعلام إلى مرحلة جديدة وهي الإعلام الجيوسياسي الذي يتجاوز حتى مفهوم صحافة التحليل والتأويل.

* حسين مجدوبي كاتب صحفي مغربي.

المصدر | القدس العربي