الاثنين 28 سبتمبر 2015 09:09 ص

تبعا للمنهج الذي أكتب من خلاله لإشاعة ثقافة الحقوق، والتعريف بأهم الواجبات، رأيت أن نقف اليوم على إيجابيات وسلبيات أداء بعض الإدارات، مع مراعاة عدم الخوض بعمق في خصوصيات بعض الأجهزة الحكومية لحساسيتها.

كتبت في فترات سابقة مقالات عديدة تحدثت فيها عن الثقافة الوطنية والطائفية والعنصرية، وإشاعة ثقافة الحقوق والواجبات، وثقافة الاختلاف وقبول الآخر، وثقافة المجتمع الجديد، وثقافة التقاعد وحقوق المتقاعدين، وكتبت مقالات عن الصحة والتعليم ونزاهة وغير ما ذكر من المقالات التي تنمي الوعي المجتمعي والحس الوطني في الأفراد والمجتمع، فأداء جميع الأجهزة الحكومية الخدمية تحت المجهر بسلبيتها وإيجابيتها.

المتعارف عليه أن لكل بلد أنظمته وقوانينه التي يحترمها الناس، فاحترام القوانين والأنظمة أحد أهم المرتكزات الوطنية التي تحفظ الأمن والأمان في أي بلد، مهما كان غنيا أو فقيرا، منظما أو ممزقا، فالقانون والنظام يحميان المواطن والوطن على حد سواء.

لهذا فإن عدم احترام القوانين والأنظمة، يؤدي إلى ضياع الحقوق المدنية الإنسانية، وتضيع الحقائق في زحمة الغوغائية وعدم الشعور بالمسؤولية، وبالتالي يؤدي ذلك إلى تدهور الحالة الأمنية، وتزداد الكراهية وينمى شعور المواطن بالحنق والحقد والغل على تلك الأجهزة، بل على الأنظمة المعمول بها، وتساهم الأعمال الفوضوية في نشاط خلايا الإرهاب التي تعاني منها الدول.

خلال فترة قصيرة تعايشت مع بعض الإدارات المتخصصة وعاصرت من خلالها التعامل مع عدد من الأجهزة الحكومية، واقتربت أكثر من الجهازين الكبيرين المباحث الإدارية وهيئة التحقيق والادعاء العام، ولأن رأس مال الكاتب، وتثقيف الجمهور من مهماته، لذا يجب توعيتهم بحقوقهم وتذكيرهم بواجباتهم، وتعريفهم بحاجة الشعوب لأوطانهم كما هي حاجة الأوطان لشعوبهم.

كنت أعرف من خلال قراءتي المتنوعة، واطلاعي على الأنظمة والقوانين واللوائح المنظمة لأعمال الأجهزة الحكومية، التي هي في الأصل تكاملية العمل، وجدت بعضها روتينياً وبعضها الآخر دقيق الأداء، وجزءاً منها بالغ الحساسية خصوصا الأجهزة الأمنية التابعة لوزارة الداخلية، ولحرصي الشديد على عدم التجاوز والحديث بما ليس لي به علم، وعدم اقتحام عش الدبابير بلا رؤية واضحة، ولا رويّة عاقلة، حاولت أن أستأنس ببعض الآراء التي استطعت تجميعها، وحاولت أن أغوص في بحر من القراءات العميقة لأنظمة الإجراءات الجزائية، القديمة والجديدة، واستفدت كثيرا مما قرأت، متمنيا على كل فرد في هذا الوطن أن يقرأ هذه الأنظمة العدلية، وهي منشورة ومعلنة في المواقع الإلكترونية لوزارتي الداخلية والعدل.

إن عمل الأجهزة الحكومية عمل تكاملي، وإن هيئة التحقيق والادعاء العام لها صفة اعتبارية عليا كجهة إشرافية على جهات الضبط، ومن المهم أن تكون محايدة أثناء التحقيق في جميع القضايا، الكبرى أو الصغرى، ومنها القضايا التابعة لجرائم الوظيفة العامة، وقضايا الاعتداء على المال، وقضايا المخدرات، وغيرها من القضايا التخصصية التي تحدث في كل المجتمعات، كما أن الأنظمة تمنح المحقق كامل الصلاحيات في التحقيق مع المتهمين، وله حق توجيه التهمة بالقرائن إذا وجدت، وله الأمر بالحجز الانفرادي وبتوقيف المتهمين على ذمة القضايا، مع مراعاة عدم الإخلال بحقوق المحامين في التواصل مع موكليهم، وله حق قفل القضية والإفراج عنهم، هكذا هي نصوص نظام الإجراءات الجزائية، ونظام المحاماة، والمرافعات، ولوائحها التنفيذية، لكن هناك أنظمة داخلية غير معلنة، ولا يعرف عنها الجمهور شيئا، ولا يعرف عنها المختصون أيضا، مما يجعلنا نقف حائرين إزاء بعض التصرفات الفردية التي تواجهنا من قبل بعض المتنفذين، فلا ندري هل هذه المواقف مبنية على أنظمة داخلية تخول لهذه الجهة أن تتصرف كما يريد رؤساؤها ومديروها؟ أم أن ذلك سوء استخدام لصلاحيات الوظيفة، وبالتالي يعتبر تجاوزا لكل الأنظمة المعمول بها فيضيع حق المواطن.

مازالت الثقة موجودة في الأجهزة الإدارية والرقابية والعدلية، ومازلت مؤمنا بالدور الجميل الذي تؤديه (نزاهة) مع الجهات الأمنية في القبض على المفسدين، متمنيا ألا تكون قضايا الفساد انتقائية، ولا عشوائية، وألا تكون الإجراءات ارتجالية أو تعسفية، فتطهير البلاد من الفساد يجب أن يبدأ بالكبير قبل الصغير، والإجراءات يجب أن تحكمها الأنظمة والقوانين، وألا نجد تباينا في فهم مواد الإجراءات الجزائية بين المباحث الإدارية وهيئة التحقيق والادعاء العام.

نحن لا ندعي الكمال فربما نكون مخطئين، إنما نسجل ملاحظاتنا موثقة لعرضها على المسؤولين، عزاؤنا في ذلك حسن الظن فيهم، فعند زيارتي لمعالي الشيخ محمد العبد الله رئيس هيئة التحقيق والادعاء العام شعرت بهذه القيمة العالية، وسعدت كثيرا بأنه الرجل المناسب في المكان المناسب.