الخميس 10 ديسمبر 2020 01:14 ص

تعد علاقات الأردن مع الولايات المتحدة قديمة قدم المملكة الهاشمية نفسها تقريبا. 

وقد تمتع البلدان بعلاقة قوية بشكل عام على مر السنين، حتى وصول إدارة "دونالد ترامب" عام 2017.

ومنذ ذلك الحين، تضاعفت الاختلافات السياسية، مع تحول اهتمام الأردن إلى الداخل أكثر من الخارج.

ومع ذلك، ظلت الجوانب الرئيسية للعلاقة الاستراتيجية طويلة الأمد دون تغيير، واستمرت المساعدات العسكرية والاقتصادية الأمريكية للأردن كما هي.

لكن الأردنيين، على مستوى الدولة والمجتمع، شعروا بالإهمال والتهميش والتجاهل بشكل متزايد في بعض الأحيان، حتى مع استمرار الجوانب الاستراتيجية والاقتصادية للعلاقة.

وكان هناك شعور بالارتياح في الأردن مع قرب انتهاء أعوام "ترامب" في البيت الأبيض، مع تفاؤل بحدوث تغيير في سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، حتى ولو بشكل تدريجي. 

وكان العاهل الأردني الملك "عبدالله الثاني" من بين أوائل القادة العرب الذين تحدثوا مع الرئيس الأمريكي المنتخب "جو بايدن".

وفي حين تمتعت كل من السعودية والإمارات ومصر بعلاقات دافئة بشكل خاص مع البيت الأبيض في ظل رئاسة "ترامب"، وجد الأردن نفسه في موقف غير مريح وغير معتاد من الإهمال خلال 4 أعوام.

فقد اعتاد الملوك الأردنيون على علاقات وثيقة مع الرؤساء الأمريكيين، على المستوى الوطني وحتى على المستوى الشخصي.

وبالرغم من هذا الفتور في العلاقات على أعلى المستويات، حتى على مستوى العلاقة الشخصية، إلا أن الجوانب الاستراتيجية للعلاقات الأمريكية الأردنية ظلت قوية ولم تتغير.

وفي عام 2019، بلغت المساعدات الأمريكية للأردن 1.5 مليار دولار، منها 1.082 مليار دولار مساعدات اقتصادية عبر الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية و425 مليون دولار مساعدات عسكرية.

وألزمت مذكرة التفاهم الموقعة في 2018 الولايات المتحدة بالمساهمة بمبلغ 6.375 مليار دولار للأردن على مدى 5 أعوام، وقدمت الولايات المتحدة تمويلا إضافيا للأردن لمساعدة المملكة في التعامل مع اللاجئين السوريين، ومع جائحة كوفيد-19 بعد ذلك.

وبالإضافة إلى ذلك، يظل الأردن أيضا "حليفا رئيسيا من خارج الناتو"، ما يزيد من تعزيز علاقاته العسكرية مع الولايات المتحدة ومع الدول الأعضاء في حلف "الناتو" بأكمله.

وعلى مدار الـ 20 عاما الماضية، حافظت المملكة الهاشمية أيضا على اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة، وهي أول اتفاقية للتجارة الحرة للولايات المتحدة مع أي دولة عربية.

لذلك، ظل التعاون الاستراتيجي والمساعدات عاملين قويين في العلاقات الأردنية الأمريكية، ولكن ظهرت خلافات سياسية كبيرة خلال أعوام "ترامب"، الأمر الذي سبب إحساسا بعدم الأمان في العلاقة.

الأردن وتأثير "ترامب"

وبالرغم أن إدارة "ترامب" لم تحدث شرخا كبيرا في العلاقات الأردنية الأمريكية، إلا أنها جعلت العلاقة في بعض الأحيان صعبة للغاية، لا سيما كما ينظر إليها من الجانب الأردني.

بعبارة أخرى، لم يغير الأردن مواقفه، لكن الولايات المتحدة تغيرت.

وكانت نقطة الخلاف عبارة عن سلسلة من الاختلافات السياسية المحددة التي تجاهلت فيها إدارة "ترامب" المخاوف الأردنية ومضت في خطوات مثيرة للجدل، كان كل منها خروجا كبيرا عن عقود من السياسة الأمريكية، وأدى كل ذلك أدى إلى استياء المسؤولين الأردنيين وسبب إحباطهم.

وشمل ذلك اعتراف الولايات المتحدة بضم إسرائيل لمرتفعات الجولان وقرار نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، وكذلك قطع إدارة "ترامب" المساعدات عن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" ما أثر بشدة على حياة اللاجئين الفلسطينيين، بمن فيهم أولئك الموجودون في الأردن، وترك الحكومة الأردنية تكافح في محاولة لإيجاد مصدر تمويل بديل.

وفي كل حالة، عارض الأردن الخطوة السياسية الأمريكية ونصح بشدة بعدم القيام بذلك، ولكن دون جدوى. وفي كل مرة، بدا نفوذ الأردن أضعف.

واتحد المسؤولون الأردنيون والجمهور الأردني على حد سواء في معارضتهم لخطة السلام التي اقترحها "ترامب" و"كوشنر" بين إسرائيل والفلسطينيين، لا سيما مع تسريب مقترحات مختلفة مثل اتحاد كونفدرالي محتمل بين الأردن والأراضي الفلسطينية التي لا تزال غير خاضعة للسيادة.

ونجحت تحركات "ترامب" في إعادة إشعال المخاوف الأردنية القديمة بشأن فكرة الوطن البديل أو "خيار الأردن"، وهي سيناريوهات يصبح فيها الأردن دولة فلسطينية بحكم الأمر الواقع أو تعني حل القضية الفلسطينية بطريقة أو بأخرى على حساب الأردن.

وبالطبع كانت كل هذه السيناريوهات مرفوضة بالنسبة للأردن، من وجهة نظر الحكومة والمعارضة.

لهذه الأسباب، كان العديد من الأردنيين يأملون في أن تعني رئاسة "بايدن" إنهاء هذه الخطوات ووضع حد للعار الذي مثله اقتراح "ترامب" للسلام.

لكن المخاوف ذاتها أكدت مخاوف أردنية أخرى، مثل أن الأردن أصبح مهمشا في المنطقة من قبل البيت الأبيض الذي أصبح أكثر فأكثر يولي أهمية أكبر للعلاقات مع إسرائيل والسعودية والإمارات ومصر. 

وشعر العديد من صانعي السياسة الأردنيين أن تحالفا ناشئا، وإن لم يكن تحالفا رسميا، بين الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية سيؤدي إلى تهميش المملكة الهاشمية في السياسات الخارجية للدول الثلاث.

وكان الأردن قد أنشأ لنفسه في السابق دورا رئيسيا كوسيط إقليمي بين إسرائيل وحلفاء الأردن الخليجيين. 

ويبدو أن تقارب العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية، وإعطاء الأولوية الواضح للجبهة المعادية لإيران، يهدد دور الأردن الإقليمي طويل الأمد.

علاوة على ذلك، عززت السياسات الأمريكية في ظل حكم "ترامب" هذا الانطباع، حيث همشت الأردنيين والفلسطينيين على حد سواء وساهمت في سلام بارد بين الأردن وإسرائيل.

وينطبق هذا أيضا على سلسلة اتفاقيات التطبيع، التي أشارت إليها إدارة "ترامب" باسم "اتفاقيات إبراهيم"، بين إسرائيل والإمارات والبحرين. ولم يعارض الأردن هذه الاتفاقات، لكنه لم يصفق لها أيضا.

فبعد كل شيء، حافظت المملكة على معاهدة سلام خاصة بها مع الدولة الإسرائيلية منذ عام 1994، لذلك حرص الأردنيون على عدم انتقاد حلفائهم الخليجيين علانية. ومع ذلك، بدا أنهم منزعجون، لأن الحلفاء الخليجيين على ما يبدو تخلوا عن مبادرة السلام العربية لعام 2002 بعقد صفقات منفصلة دون حل القضية الأساسية المتعلقة بحق الفلسطينيين في دولة خاصة بهم.

وناقش الأردنيون صراحة ما إذا كان موقف الأردن الجيوسياسي ومكانته الفريدة في المنطقة في خطر، وما إذا كان الدور الدبلوماسي المهم للأردن كوسيط وقوة للاعتدال لم يعد موضع تقدير من قبل الولايات المتحدة. 

وكان الأمر الأكثر حساسية هو الوصاية الأردنية على الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية في القدس، والمنصوص عليها حتى في معاهدة السلام الإسرائيلية الأردنية.

شعر الأردنيون بقلق من أن إدارة "ترامب" المنتهية ولايتها وحكومة "نتنياهو" في إسرائيل قد تحول الوصاية على الأقصى من الأردن إلى السعودية مقابل التطبيع السعودي الإسرائيلي.

وعلى عكس آراء منتقديهم الكثيرين، فإن الهاشميين في الأردن يأخذون هذا الواجب على محمل الجد.

الضغوط المحلية والإقليمية

بالإضافة إلى مخاوف السياسة الخارجية، يواجه الأردن ضغوطًا داخلية وإقليمية شديدة تهدد أمن الدولة نفسها.

فمثل معظم بلدان المنطقة، تأثر الأردن بشدة بموجات الاحتجاجات التي بدأت في نهاية عام 2010 وأصبحت تعرف باسم الربيع العربي.

وعلى عكس مصر أو تونس أو ليبيا أو سوريا أو اليمن، لم تؤد النسخة الأردنية من الربيع العربي إلى تغيير النظام أو انقلاب أو حرب أهلية أو تدخل عسكري خارجي. لكنها تضمنت المطالبة بتغيير سياسي واسع، ووضع حد للفساد في الحياة العامة، ومساعدة الأردنيين الذين يعانون من ضائقة اقتصادية شديدة.

استمرت هذه موجات الاحتجاجات في الارتفاع والانخفاض بعد فترة طويلة من تلاشي الربيع العربي الإقليمي نفسه.

في عام 2018، عاد المتظاهرون إلى الشوارع بأعداد هائلة في جميع أنحاء الأردن، في سلسلة ليلية من المظاهرات خلال شهر رمضان، للاحتجاج على زيادة الضرائب والفساد واللامبالاة من قبل الحكومة تجاه المصاعب اليومية للأردنيين العاديين.

ونجحت هذه الاحتجاجات في إسقاط حكومة رئيس الوزراء "هاني الملقي" وفي صعود إدارة إصلاحية في عهد رئيس الوزراء "عمر الرزاز".

وبحلول الوقت الذي استقال فيه "الرزاز" في أكتوبر/تشرين الأول 2020 لتمهيد الطريق لانتخابات جديدة، أصيب العديد من الأردنيين بخيبة أمل شديدة من الحكومة الأخيرة والعملية السياسية ككل.

فقد ظل البرلمان ضعيفًا وغير فعال إلى حد كبير، وجاء رؤساء الوزراء والحكومات وذهبوا مع مع تأثير شبه منعدم.

وقد شهدت الانتخابات البرلمانية انخفاضًا في نسبة التصويت المنخفضة دائمًا.

ومن المثير للدهشة إلى حد ما أن الأردن واصل خططه لإجراء انتخاباته الأخيرة - في نوفمبر/تشرين الثاني 2020 - على الرغم من الارتفاع الهائل في حالات الإصابة بفيروس كوفيد -19 في جميع أنحاء البلاد.

وقد اتبعت الأردن في البداية مجموعة إجراءات الإغلاق الأكثر شمولاً في أي بلد في الشرق الأوسط، وهو برنامج بدا أنه ناجح إلى حد كبير، لكن الشتاء شهد عودة فيروس كورونا، وهذه المرة بأعداد أكثر إزعاجًا من الإصابات والوفيات.

ومع ذلك، استمرت الانتخابات، حيث انخفضت نسبة التصويت من 36% في عام 2016 إلى 29% فقط في عام 2020.

وانتقد الكثيرون الانتخابات لأنها أنتجت برلمانًا ضعيفًا آخر لا يمثل المجتمع الأردني بشكل خاص وأيضًا لكونها واحدة من أقل الانتخابات ديمقراطية في تاريخ الأردن الحديث.

تميل الدولة الأردنية إلى إعطاء الأولوية لأمن الدولة والنظام، أولاً، ثم الاستقرار الاقتصادي ثانياً، ويأتي الإصلاح السياسي ربما في المرتبة الثالثة.

بالنسبة للدولة، يجب أن يأتي الأمن أولاً في سياق الاضطرابات والحروب الأهلية وحركات التمرد عبر حدود متعددة، والتهديدات الإرهابية من الخارج والداخل. وقد شهد الأردن ارتفاعًا في التطرف الداخلي، لا سيما من تنظيم "الدولة الإسلامية"، بما في ذلك الهجمات في إربد والكرك في عام 2016.

لكن المعارضة ودعاة الإصلاح يسارعون دائمًا إلى الإشارة إلى أن مخاوف الأردن الأمنية، على الرغم من كونها حقيقية، فهي أيضا ثابتة في الحياة السياسية.

ولذلك فهم يرفضون فكرة أنه ينبغي السماح للأمن أن يطغى على محاولات الإصلاح السياسي والاقتصادي. غالبًا ما يجادل النشطاء بأن الفشل في تحقيق المزيد من الاندماج السياسي الحقيقي والدائم والمساواة الاقتصادية هو ما يشكل في الواقع أكبر تهديد للأمن القومي للأردن.

إعادة العلاقات الأمريكية الأردنية

يأمل كل من النظام والمعارضة في إعادة ضبط العلاقات الأمريكية الأردنية في ظل إدارة "بايدن".

وتتطلع عمّان إلى الحفاظ على علاقتها الاستراتيجية الواسعة بالفعل وتوسيعها، بما في ذلك المساعدة الاقتصادية والعسكرية الأمريكية، حيث يرى الأردن نفسه كدولة على خط المواجهة في أي حرب على الإرهاب وحليف قوي للولايات المتحدة.

في المقابل، يرى الكثير في المعارضة الأردنية أن الأولويات الجيوسياسية الأمريكية تعزز الاستبداد وتقوض الإصلاح والليبرالية، بغض النظر عن خطاب الولايات المتحدة أو التصريحات التي تشير إلى عكس ذلك.

وبينما يعارض بعض الناشطين الأردنيين أي دور كبير للولايات المتحدة، يأمل آخرون في نوع مختلف من إعادة الضبط نحو دعم الإصلاح والتغيير الحقيقيين داخل المملكة.

بالنسبة لحقبة "بايدن" في العلاقات الأمريكية الأردنية، فإن الأردنيين على مستوى الحكومة والمعارضة يتطلعون ببساطة إلى الاستماع إليهم وتقديرهم من قبل الولايات المتحدة.

كما يأملون في سياسة خارجية أمريكية أكثر توازناً تتبنى حل الدولتين للقضية الفلسطينية وتقدر الدور الأردني في عملية السلام والاستقرار الإقليمي.

لكن المملكة تعاني أيضًا من أزمات مالية مزمنة، وبطالة هائلة وسط ارتفاع مذهل في تكاليف المعيشة، وطفرة مرعبة في حالات COVID-19، واستمرار الضغوط السياسية المحلية والإقليمية.

وتعتبر الأزمة الاقتصادية، حتى بدون المصاعب التي أحدثها جائحة الفيروس التاجي، تهديدا خطيرا بشكل خاص، حيث وصل الدين الوطني إلى 97.4% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2019، فيما وصلت البطالة إلى 23% في عام 2020 (ومن المرجح أن تكون أعلى بكثير بين الشباب).

باختصار، فإن احتياجات الأردن كثيرة.

على مستوى الدولة، يأمل المسؤولون الأردنيون أن يروا إدارة "بايدن" القادمة توسع المساعدات الأمريكية للمملكة مع استمرارها في التعامل مع الأزمات المالية والبطالة واللاجئين وجائحة الفيروس التاجي.

كما أنهم يرغبون في رؤية فريق السياسة الخارجية لـ"بايدن" يعطي الأولوية للأردن ويقدره، مرة أخرى، كعنصر رئيسي في السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.

غالبًا ما يجادل المسؤولون الأردنيون بأن التحالف الأمريكي الأردني قد استمر حتى الآن لما يقرب من 70 عامًا، ولكن بالنسبة للأردن على الأقل، فإن الحاجة إلى الدعم الأمريكي الآن أكبر من أي وقت مضى.

المصدر | كريتيس رايان/المركز العربي واشنطن دي سي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد