الأربعاء 16 ديسمبر 2020 03:13 م

ترامب وعلم النفس السياسي

تنوعت الرؤى التي تناولت ظاهرة ترامب وإن لم تبتعد عن بعضها في اعتبار ترامب حالة نفسية أكثر منها واقعية.

من هو؟ كيف يعمل عقله؟ كيف يتخذ قراراته وهو بمنصبه في البيت الأبيض وليس مضطجعاً في برج ترامب الفاخر في نيويورك؟

انتقلت خصائص شخصية ترامب للرأي العام رفضا لدى أكثر من نصف الأمريكيين له أو تحفيزا نقل طباعه وسلوكياته إلى القاعدة الواسعة من مؤيديه.

*     *     *

لم يحدث أن عرف تاريخ الرئاسات الأمريكية، ازدحام أرفف المكتبات بمؤلفات تتعرض للحالة النفسية للرئيس ساكن البيت الأبيض، مثل هذا التركيز النفسي على ترامب، دون الخوض في سياساته.

شمل هذا الاهتمام السيكولوجي الواسع، ما حدث من انتقال خصائص شخصية ترامب إلى الرأي العام، سواء من ناحية رفض أكثر من نصف الأمريكيين له، أو من ناحية ما فعله من تحفيز نقل طباعه وسلوكياته إلى القاعدة الواسعة من مؤيديه.

وهو ما تحدثت عنه مجلة «علم النفس السياسي»، نقلاً عن علماء وباحثين وجدوا أن سعيه للمواجهة تمييزاً لشخصه، جذب إليه أنصاره الذين ارتبط سلوكهم بمواجهات مضادة للذين يؤيدون أياً من منافسيه، بحيث إنه أطلق تياراً من الصدامات في البلاد.

تنوعت المؤلفات التي خاضت في هذا الموضوع، ومنها مجلة «سيكولوجي توداي»، وكتاب «طائفة ترامب»، وحالة «ترامب النفسية الحقيقية» ومجلة «هارفرد جازيت»، ودراسة للعالم إريك دولان في مارس/آذار 2020 بمطبوعة التحليل النفسي، وما كتبه أستاذ علم النفس دان ماكادمز بمجلة «أتلانتيك»، وما نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» عن رصد أكثر من عشرين طبيباً نفسياً للحالة العقلية لترامب، وخطورته على الأمة، وأكثر من كتاب بعنوان الحالة الخطرة لترامب.

تنوعت الرؤى التي تناولت هذه الظاهرة، وإن لم تبتعد أي منها عن الأخرى، في اعتبار ترامب حالة نفسية أكثر منها واقعية.

قيل إنه بالمقارنة مع رونالد ريجان، نجد أنه كان ممثلاً، لكنه يخلع رداء الممثل بعد جلوسه على مكتبه في البيت الأبيض، أما ترامب فهو منهمك في التمثيل الدرامي وهو يتصرف في الشؤون العامة.

وفي تحركاته في الحياة العامة يعلم أنه محط أنظار الآخرين، وأحياناً ما تتمثل فيه شخصية سوبرمان، وكأنه في مشهد تمثيلي، فهو مفرط في سلوكياته، بشكل يُندر بأن ينطبق على أي رئيس آخر، مع الوضع في الاعتبار أنه بلا خبرة سياسية. وقيل أيضاً إنه مولع بالدخول في المعارك، ويضعها ضمن أجندته الرئاسية، مما أدخل الفوضى إلى البيت الأبيض.

وكما يقول ستانلي ريتشون في كتابه «الحالة النفسية لترامب»، فإنه انتهك كل قاعدة مستقرة في الحملات الانتخابية للرئاسة، من أجل أن يفوز، مع أنه لا يوجد أحد من أنصاره، ولا حتى ترامب نفسه، يعتقد في قرارة نفسه، أنه الفائز. بينما اتفق كثيرون ممن درسوا حالته، على أن فوزه سيكون جالباً للخسارة للأمة الأمريكية.

ربطت دراسات نفسية بين حالة ترامب، وبين المشاعر التي أججها في نفوس مؤيديه، واستثارة سلوكهم العدائي والانتقامي، تجاه المنافسين السياسيين للرئيس، وإن سعى ترامب لإبراز تميزه الشخصي، فقد ارتبط باتخاذ قاعدة المواجهة، سلوكاً للمجموعات المناصرة له.

ومن الواضح أن جميع هذه المؤلفات والدراسات تعود لمتخصصين في علم النفس، بما في ذلك علم النفس السياسي، وقد سعوا لرسم صورة سيكولوجية للرجل من حيث: من هو؟ وكيف يعمل عقله؟ وكيف يتخذ قراراته وهو في المنصب في البيت الأبيض، وليس مضطجعاً في برج ترامب الفاخر في نيويورك؟

وكانت هذه الأسئلة المبسطة مدخلاً إلى أجندتهم في البحث في القضية التي تصدوا لها.

البعض لفت انتباهه التشابه بين تمسك ترامب بكرسي الرئاسة، وبين ظاهرة الالتصاق بالكرسي التي عرفتها بعض دول العالم الثالث، والتي كانت محط انتقادات واتهامات من الولايات المتحدة لهذه الدول، بالتخلف وافتقادها لمبادئ الديمقراطية.

وربما تكون مطبوعة «علم النفس السياسي» الأمريكية قد حاولت الإجابة عن هذا السؤال بالقول، إن من يسلك هذا السلوك، يغمره شعور يضخّم ذاته في عينيه، وهو لا يكفّ عن تعزيز كل ما يزيد من ضخامة صورته، ليس بالنسبة له فقط، ولكن في عيون الآخرين أيضاً.

بل إن الأمر وصل إلى ما هو أكثر خطورة، وهو ما قاله ديريل جونسون المحلل المتخصص في شؤون الانتخابات، من أن إلحاح ترامب على عقول أنصاره، بآرائه، قد شحن عقولهم ونفسياتهم بمشاعر جنون الاضطهاد، والارتياب، والمخاوف، في تداعيات نفسية صادرة أصلاً عن ترامب منشأها الأصلي.

وفي النهاية اتفق جميع الذين تعرضوا لهذه القضية، على أن ترامب وإن كان لا يعبر عن الحالة الطبيعية لتصرفات الرؤساء الأمريكيين، إلا أن سماته الشخصية قد انتقلت إلى قاعدة عريضة من مؤيديه، وتلك هي المشكلة القادمة.

* عاطف الغمري كاتب صحفي مصري

المصدر | الخليج - الشارقة