مخاطبة عاطفة المواطن لا عقله

العاطفة قبل العقل مطمع المرشح للرئاسة أو عضوية الكونغرس ليتحقق له جذب الناخبين نحو التعاطف معه.

أغلبية أمريكية ترى جون وين ممثل أدوار الكابوي حامل البندقية في السينما رمز أمريكا المعبر عن امتلاك القوة وفرضها بالسلاح وتجسيد معنى أمريكا.

اقتُبِس من هوليوود أحد أهم عناصر التأثير في المواطن: سياسة «الأكشن» بطريقة الأفلام الدرامية لاستنفار عاطفة المواطن وجذبه لصناع السياسة الأمريكية.

*     *     *

أحياناً يحتاج فهم توجهات سياسة أمريكا الخارجية، وأيضاً طريقة عمل النظام السياسي داخلياً، إلى عدم الاقتصار على تحليل الشكل المختلف لهذا النظام؛ بل أيضاً مد البصر إلى مكونات في صلب النظام قد لا تكون لها سمات سياسية، لكنها متداخلة في صلب هذا النظام، وصانعة لكثير من خصائصه.

ويبدو  بشكل ظاهر أن افتقاد الدولة الأمريكية إلى تراث حضاري تُبرزه وتتباهى به، يقودها إلى تعويضه من منابع أخرى، ترجع إلى بدايات قيام الولايات المتحدة كدولة، ثم ما أضيف إليها من أفكار وقيم ظهرت عبر التطورات التي مرت بها الدولة زمنياً، بحيث إن ذلك كله شكّل مجتمعياً مصدر إلهام للسلوك الاجتماعي، ولمفهوم السياسة.

هنا تلفت الانتباه، تلك الاستطلاعات التي سألت الرأي العام عمن يكون الرمز القومي لأمريكا  في نظرهم  فاتفقت أغلبية الإجابات على أنه جون وين، الممثل في السينما الأمريكية، الذي كان يقوم بدور الكاوبوي، حامل البندقية، معبراً عن القوة في التعامل مع الآخرين.

والرمز الذي يعبر عنه جون وين، هو أن من يمتلك القوة ويفرضها بالسلاح، هو الذي يجسد معنى أمريكا.

ولا يبتعد هذا الفهم عن الدور الذي قامت به هوليوود في التأثير في العقل الأمريكي. فالسياسة في أمريكا فن درامي.. فيها التناقضات والمفارقات، وصراع الإرادات.

ولوجود هوليوود كعاصمة للسينما في العالم، ومركز إلهام للحلم الأمريكي، دوره المؤثر في أداء الشخصية الأمريكية في الحياة، ثم في السياسة بدور أكبر.

إن من يلعب على مستوى القيادة السياسية، تغلب عليه فكرة الوصول أولاً إلى عاطفة المواطن، قبل عقله. وهذا منح عملية الدعاية والترويج الإعلاني التسويقي للمرشح  حتى لمنصب الرئيس  أهمية فاصلة في فوزه أو هزيمته.

ثم إن الأمور تجري بصورة مشابهة في التأثير في شخصية أمريكا  الدولة. فالتحيز للقوى الأكثر ثراء بدأ يتزايد من جانب الإدارات في السنوات الأخيرة، وهو ما يعكس قناعة بأن الغنى قرين القوة. فالفقير يجرها إلى الخلف، والغني يزيدها قوة.

وهذا التحيز كان مصدر شكوى من الطبقة الوسطى، والطبقات الأقل دخلاً منذ سنوات حكم أوباما، وحتى فترة رئاسة ترامب؛ بل إن هذا التمييز وصل إلى مستوى الرؤساء أنفسهم، فالأفضل ليس بالضرورة هو الأكثر فهماً ووعياً بشؤون السياسة.

مثلاً، كان الرئيس رونالد ريجان أقل تعليماً، وأدنى ثقافة، وأبعد فهماً للسياسة الخارجية من بيل كلينتون، لكن المقاييس الأمريكية وضعت ريغان في صفوف أعظم الرؤساء؛ لأن ريجان نجح في العزف على أوتار تثير عواطف الشخصية الأمريكية، مثل إحياء التقاليد المحافظة الموروثة، ومكانة أمريكا كأعظم وأقوى دولة في العالم.

وكان كلينتون قد ألقى خطاباً في اجتماع عام قال فيه: «يجب أن نعترف بأن هناك وجهات نظر تنتشر اليوم على الأقل في الدوائر الأكاديمية، ترى واقعنا الاجتماعي مصنوعاً بيد النخبة التي صاغت هذا الواقع، بما يناسب مصالحها، وصارت النخبة تسيطر على من يسكن البيت الأبيض، وجعلته خاضعاً لجماعات المصالح، وقوى الضغط».

ويعترف بنفس المقولة الكاتب الأمريكي ديفيد غرغن في كتابه «شاهد عيان على السلطة»، ويقول إن تقاليدنا السائدة سرعان ما تهدم قدرة رؤسائنا، بمجرد جلوسهم على مقعد الرئاسة في البيت الأبيض.

وحدث عندما رشح جيمي كارتر، نفسه، لفترة رئاسة ثانية، أنه خسر الانتخابات، ويومها هاجمته بعض الصحف الأمريكية ووصفته بأنه يفتقد لفهم السياسة؛ لأنه طرح في برنامجه المبادئ الأخلاقية، والنقاء السياسي، ضد أساليب العمل التقليدية في السياسة.

وما يتعلق بموقف كارتر، ينطبق على عدد قليل آخر من الرؤساء منهم جورج بوش الأب، وجيرالد فورد، وكلاهما هزم في الجولة الثانية من انتخابات الرئاسة.

هذه الصورة العامة التي جعلت مؤرخين أمريكيين يقولون إن أمريكا مختلفة في طبيعة وتفاصيل نظامها السياسي، عن أي دولة أخرى، بما فيها دول الغرب الحليفة لها.

ولما كانت العاطفة قبل العقل هي مطمع المرشح للمنصب سواء للرئاسة، أو لعضوية الكونغرس، حتى يتحقق له جذب الناخبين نحو التعاطف معه، فإنهم اقتبسوا من هوليوود، أحد أهم عناصر التأثير في المواطن، وهو ما سمّوه سياسة «الأكشن»، بنفس الطريقة الدرامية في الأفلام، لاستنفار عواطف المواطن وجذبه إلى صف صناع السياسة الأمريكية.

* عاطف الغمري كاتب صحفي مصري

المصدر | العاطفة، السياسيون، الولايات المتحدة، سياسة «الأكشن»، جيمي كارتر، المواطن، جون وين، الدولة الأمريكية،