السبت 9 يناير 2021 03:09 م

حتى لا تكونوا مجرّد وقود

لم نعرف بعد الأسباب الحقيقية التى أدّت إلى نشوب الأزمة قبل ثلاثة أعوام ونصف ولا الأسباب التى أدّت إلى المصالحة أخيرا!

شعوبنا كانت دائمًا وقود أزماتٍ يخرج منها القادة منتصرين أو منهزمين وتستحق دورا حقيقيا فاعلا في الوصول للنتيجة انتصارا وخسارة.

ليس مقبولا أن تستمرئ الشعوب دور الوقود لتأجيج خلافات لا تعرف سببها ولا تستفيد منها بعد أن سلبوا منها دور المتفرّج الصامت واستكثروه عليها!

*     *     *

أكتب هذه المقالة وأنا أتابع عبر شاشة التلفزيون أمامي مجريات افتتاح الجلسة الأولى في قمة مجلس التعاون لدول الخليج العربي، في رحاب منطقة العلا التاريخية في المملكة العربية السعودية، وكلي أملٌ أن تنتهي، أعني الجلسة، على خير قبل أن أنتهي من المقالة على خير أيضا.

الأمر ليس ببعيد أبدا، بعد أن لاحظنا، منذ ساعات، سيادة أجواء الارتياح على الصعيدين، الرسمي والشعبي، في رحاب القمة، فحتى قبل التوقيع المرتقب على بيان المصالحة، والذي يمثل انفراجة قوية تُنهي الأزمة الخليجية، فإن التعبير عن الفرح الشعبي العام يمكن أن يلاحظ ويرصد في كل وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي من الشعوب الخليجية والعربية كلها.

صحيحٌ أننا لم نعرف بعد الأسباب الحقيقية، وعلى وجه الدقة واليقين، التى أدّت إلى نشوب هذه الأزمة قبل ثلاثة أعوام ونصف العام، ولا الأسباب التى أدّت إلى المصالحة أخيرا، ولكن هذا لا يعني أننا لن نعبر عن فرحنا الكبير بما آلت إليه الأمور أخيرا.

كانت تلك الأزمة اختبارا حقيقيا فشل فيه كثيرون من أبناء الشعوب الخليجية للأسف، بعيدا عن السياسة وانحيازاتها وأفكارها المتغيرة، فالاختبار كان يلامس المشاعر والأحاسيس والعلاقات الشخصية بين الناس، قبل أن يتعلق بالاختلافات المعتادة وغير المعتادة بين الحكومات هنا وهناك.

لكن كثيرين، لشديد الأسف، لعبوا أدوارا لم تكن لتليق بالشعوب في كل مفصل من مفاصل الخلافات بين الدول الشقيقة والصديقة عموما، فمعظم هذه الشعوب ليست طرفا حقيقا في نزاعات وخلافات تتورّط فيها الحكومات وقياداتها لسبب أو لآخر.

ومن ينخرط فيها من المواطنين سيكون مجرد فرد في قطيع مأمور، بلا رأي حقيقي نابع من إيمانه بما يحدث أمامه، ووفقا لما استطاع الحصول عليه من معلوماتٍ تتعلق بالأمر، فينحاز ويتطرّف في انحيازه!

ثم يعبر عن ذلك التطرّف بمزيد من الانحياز المتطرّف حتى يصل إلى نقطةٍ لا أخلاقية، ولا يمكن بأي حال إدراجها في الوطنية والدفاع عن الوطن.

نعم .. بدأ كثيرون من المتورّطين في الانحياز اللا أخلاقي في تلك الأزمة، محاولين الخروج من مأزقهم النفسي والأخلاقي من تسويق مبرّراتٍ تتوسل بالوطنية، وضرورة الدفاع عن الوطن في ما يتعرّض له من أخطار.

لكن هذا التسويق مردود عليه، وواضح أنه فاشلٌ جدا. ومع هذا ينبغي، في المرحلة الأولى على الأقل، التغاضي عنه، لا قبوله، حفظا لما انتهت إليه الأمور أخيرا من نتلئج إيجابية أولا، وحرصا على عدم استغلال أي أطرافٍ متضرّرة من المصالحة لذلك في أي تأجيج محتمل.

أمامي على الشاشة الآن يوقع القادة على بيان المصالحة التي لا نعرف بعد بنودها المعلنة والحقيقية، وربما لن نعرفها إلا على سبيل التخمين والتحليل والاستنتاج، تحت وهج عدسات التصوير ووسط أجواء مفعمة بالابتسامات المتبادلة بينهم كقادة وسياسيين رسميين، والشعوب تتفرّج وتصفق بانتظار أن يكون دورها أكبر وأهم حتما، بل الدور الأول والأساسي في أي حدثٍ يتعلق ببلدانها،

فشعوبنا التي كانت دائما هي وقود أزماتٍ يخرج منها القادة منتصرين أو منهزمين، تستحق دورا حقيقيا فاعلا في الوصول إلى النتيجة انتصارا وخسارة.

لم يعد مقبولا أن تستمرئ الشعوب، في كل مكان، دور الوقود، أو الأداة لتأجيج الخلافات التي لا تعرف سببها ولا تستفيد منها، بعد أن سلبوا منها حتى دور المتفرّج الصامت، واستكثروه عليها!

انتهت القمة الآن، أو الجلسة الأولى على خير، وها أنا أختتم مقالتي بفرح وتمنيات أن يكون الخير خيرا حقيقيا ودائما، بإذن الله.

* سعدية مفرح كاتبة صحفية وشاعرة كويتية.

المصدر | العربي الجديد