الاثنين 11 يناير 2021 10:39 م

اختُتم عام متعثر من العمل المناخي في منطقة الخليج بجرعة من التفاؤل، تمثلت في تعيين مبعوثين للمناخ وإعلانات عن برامج وأهداف خفض الانبعاثات. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2020، أعلن العاهل السعودي الملك "سلمان بن عبدالعزيز" إطلاق "البرنامج الوطني للاقتصاد الدائري للكربون"، تتويجًا لحملة مدتها عام واحد للترويج للمفهوم كنهج جديد لإدارة الانبعاثات من خلال الرئاسة السعودية لمجموعة العشرين.

وفي الشهر نفسه، دفع ترشيح وزير الخارجية الأمريكي السابق "جون كيري" لمنصب مبعوث المناخ للإدارة الأمريكية القادمة، حكومتين خليجيتين إلى تعيين مبعوثين خاصين جدد للمناخ هما المبعوث السابق للمناخ والمدير التنفيذي لشركة بترول أبوظبي الوطنية "سلطان أحمد الجابر" بدولة الإمارات و"محمد مبارك بن دينة"، وهو مسؤول بيئي كبير في البحرين.

كما أعلن العراق في ديسمبر/كانون الأول 2020 عن انضمامه أخيرًا إلى اتفاقية باريس للمناخ، بينما تصدرت الإمارات إنجازات العام بتقديم مساهمتها الثانية من اتفاق باريس في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، مما يجعلها أول دولة خليجية تلتزم دوليًا بتحقيق ذروة فعلية لانبعاثات غازات الدفيئة المحلية في العقد المقبل.

المناخ في الأجندة الخليجية

تتبع هذه الإعلانات نمطًا مألوفًا في المنطقة، ترتبط بموجبه التطورات الرئيسية في سياسة المناخ عمومًا بالأحداث الخارجية.

وعلى مدى العقد الماضي، سعت دول الخليج إلى تحسين سمعتها في إدارة المناخ العالمي من خلال استضافة مؤتمرات الأمم المتحدة للمناخ والمنظمات الدولية للطاقة النظيفة دون إجراء تغييرات كبيرة على أنماط استخدام الطاقة المحلية.

فقد جربت دول الخليج تسييل تعويضات الكربون من خلال "آلية التنمية النظيفة"، لكنها ابتعدت عن تسعير الكربون المحلي. وقدمت جميع دول مجلس التعاون الخليجي خططها الأولية إلى اتفاقية باريس للمناخ، لكن المقيّمين الخارجيين صنفوها بأنها غير كافية فيما يتعلق بأهدافها.

وفي عام 2020، وجهت جائحة الفيروس التاجي ضربة قوية لدبلوماسية المناخ العالمية، التي كانت تعاني بالفعل من غياب القيادة القوية. فقد شلت جميع مفاوضات المناخ متعددة الأطراف، حيث لم يكن بالإمكان عقد اجتماعات وجهاً لوجه، وهمشت قضية تغير المناخ في العديد من المناقشات الدولية الأخرى.

كما إن "التعافي الأخضر" أو "إعادة البناء بشكل أفضل"، والذي أصبح أجندة المناخ الجديدة في أجزاء مختلفة من العالم، كان غائبًا عن الخطاب السياسي الخليجي، باستثناء بعض مجموعات الأعمال والسلطات البيئية.

واستمر قطاع الهيدروكربونات في المنطقة في التوسع، حيث أعلنت "أدنوك" عن خطة استثمارية مدتها 5 سنوات بقيمة 122 مليار دولار ووصل إنتاج السعودية من النفط الخام إلى مستوى قياسي بلغ 12.1 مليون برميل يوميًا.

كما أشارت التغييرات في الحكومة في عُمان والإمارات إلى محاولة تجاوز العاصفة من خلال تشديد المالية الحكومية بدلاً من تحويل الاستثمارات نحو الطاقة أو التحولات الاقتصادية. في الوقت نفسه، كان هناك تعزيز لعدد من التوجهات في عام 2020 خارج المنطقة وداخلها على حد سواء، مما قد يشير إلى المزيد من التغييرات المهمة القادمة.

تحول رغبات المستثمرين

أكد الرئيس التنفيذي لشركة "بلاك روك"، أكبر مديرة للأصول في العالم، في يناير/كانون الثاني 2020 أن العالم على وشك "إعادة تشكيل جوهرية للتمويل" حيث يدرك المستثمرون بشكل متزايد أن "مخاطر المناخ هي مخاطر على الاستثمار" وسيعيدون تخصيص رأس المال.

وفي حين أن مصدري النفط الخليجيين قد لا يواجهون أصولًا عالقة في المدى المتوسط، فإن إجراءات شركات النفط الوطنية تشير إلى الوعي بالضغوط المتزايدة لوضع العوامل البيئية والاجتماعية والحوكمة في الاعتبار.

في يوليو/تموز 2020، التزم ائتلاف مصنعي النفط المتمثل في "مبادرة مناخ النفط والغاز"، والذي تعد "أرامكو" السعودية عضوًا فيه، بالحد بشكل جماعي من كثافة الكربون في عمليات التنقيب والإنتاج بحلول عام 2025، وأعلن نصف أعضاء المجموعة أهدافًا خالية من الانبعاثات.

وفي مواجهة الضغط المتزايد من الحكومات والمستثمرين ومديري الأصول والمستهلكين، تجاوزت بعض شركات النفط الأوروبية الكبرى هذه الخطوة، حيث وضعت أهدافًا لانبعاثاتها في النطاق 3 (تلك المرتبطة بالاستخدام النهائي لمنتجها، أي حرق الوقود الأحفوري) .

ولكن من غير المرجح أن تتحقق ضغوط محلية مماثلة في المستقبل القريب داخل منطقة الخليج، وإنما قد تأتي من خارج المنطقة. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2020، أضافت مجموعة من 500 مستثمر دولي "أرامكو" إلى قائمة الشركات التي تركز عليها لتحقيق تخفيضات الانبعاثات المتوافقة مع اتفاقية باريس.

الأهداف الصفرية العالمية

في عام 2020، كانت هناك أيضًا زيادة كبيرة في البلدان التي التزمت بـ "انبعاثات صفرية صافية" (التوازن بين الانبعاثات التي تنتهي في الغلاف الجوي وتُزال منه) بحلول منتصف القرن.

وبعد توقف دام 4 سنوات، انتعش الزخم المناخي لدى مُطلقي الانبعاثات الرئيسية في خريف عام 2020، حيث أعلنت الصين عن هدفها في 2060 بالحياد الكربوني، وأكد الاتحاد الأوروبي على هدف أكثر طموحًا لعام 2030 لتحقيق تعهد الحياد المناخي لعام 2050.

ومع التزام الإدارة الأمريكية القادمة بالمثل بانبعاثات صفرية صافية بحلول عام 2050، يمكن أن يستهدف أكثر من 70% من الاقتصاد العالمي قريبًا الحياد المناخي، مما يقربنا من هدف تحقيق حد الاحترار البالغ 1.5 درجة مئوية لاتفاقية باريس.

حتى الآن، لا توجد دول خليجية من بين الـ 127 دولة الملتزمة أو التي تفكر في أهداف منتصف القرن، لكن 2021 قد تحدث تغييرات في هذا الصدد.

تغييرات محتملة العام القادم

هناك مأخذ على مصطلح "صافي الصفر"، حيث إنه لا يتطلب تخفيضات مطلقة للانبعاثات بحلول منتصف القرن طالما تمت إزالة أي انبعاثات من الغلاف الجوي. ولا يزال النشطاء البيئيون متشككين في المصطلح، بحجة أنه يعتمد على "تعويضات الكربون الإشكالية والتقنيات غير المثبتة"، بما في ذلك احتجاز الكربون وتخزينه.

ومع ذلك، فإن صافي الصفر مفهوم جذاب لمصدري النفط الخليجيين على وجه التحديد لأنه يستوعب ضمنياً الهيدروكربونات في مسارات الطاقة العالمية المستقبلية، طالما يتم تخزين الكربون بعيدًا أو تحويله إلى "كربون دائم" مثل مواد البناء.

لهذا جعلت السعودية مفهوم الاقتصاد الدائري للكربون أحد الموضوعات الرئيسية لرئاستها لمجموعة العشرين، حيث روجت له المملكة كنهج براجماتي للنظر إلى الكربون كمصدر للقيمة الاقتصادية وليس من المنظور البيئي.

وفي حين رأى المشككون أنه من المحتمل أن يقوض ذلك سياسة المناخ الطموحة وأهداف التخفيف وآليات تسعير الكربون التي تسعى إلى تحفيز الابتعاد عن الوقود الأحفوري تمامًا، فقد أيدت مجموعة العشرين هذا المفهوم في النهاية، وتعمل المملكة على إطلاق برنامج الاقتصاد الدائري للكربون الذي يهدف إلى "معالجة تغير المناخ مع الاستمرار في خلق النمو في الاقتصاد".

صعود الهيدروجين

استمر الهيدروجين الأخضر والأزرق، المنتج من الكهرباء المتجددة والوقود الأحفوري عبر احتجاز الكربون وتخزينه، في صعوده الهائل في مناقشات الطاقة العالمية خلال عام 2020، مع وضع العديد من البلدان استراتيجيات طموحة طويلة الأجل بشأنه.

وفي الخليج، يمكن أن يمثل الهيدروجين حلاً لإزالة الكربون من القطاعات التي يصعب تخفيفها مثل الصناعات الثقيلة والنقل، موفرًا طرقًا بديلة لتوليد عائدات تصدير الوقود في عالم يزداد تقييده بالكربون، ومع ذلك، فإن انطلاق الهيدروجين سيعتمد على مدى جدية قادة المنطقة في المراهنة عليه.

وفي يوليو/تموز 2020، أعلنت السعودية عن خطط لبناء مصنع هيدروجين أخضر بقيمة 5 مليارات دولار، موجه نحو الصادرات إلى أوروبا وأماكن أخرى.

استمرار دعم اتفاقية باريس

بالرغم من إلغاء مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ لعام 2020، فقد قدم عدد كبير من الدول تعهدات معززة لدعم اتفاقية باريس.

ومن بين هذه المساهمات، تمثل المساهمة الإماراتية الثانية تقدمًا كبيرًا، مقارنة بالمساهمة الإماراتية الأولى، والتي كان هدفها 27% من الكهرباء النظيفة في قطاع الطاقة لعام 2021، حيث تحدد المساهمة الجديدة هدفًا لخفض الانبعاثات على مستوى الاقتصاد بنسبة 23.5% لعام 2030.

لكن الأهداف الكمية الحالية التي وضعتها دول الخليج الأخرى تفتقر إلى نقطة مرجعية، مثل السعودية، أو لا ترقى إلى مستوى التخفيضات ذات المغزى، مثل تلك الخاصة بعمان.

وإذا تم تنفيذ تعهد الإمارات، فسوف يحافظ ذلك على استقرار الانبعاثات خلال العقد المقبل. وقد أدى التباطؤ الاقتصادي الناجم عن جائحة الفيروس التاجي إلى سهولة تقديم مثل هذه التعهدات، فقد كان التفكير في كبح نمو الانبعاثات مستحيلًا في المنطقة قبل بضع سنوات فقط.

إعادة البناء بشكل أفضل

خلال عام 2020، تزايدت دعوات البلدان "لتخضير" تحفيزها بعد فيروس "كورونا" وتخضير تمويلها للتعافي وإنهاء دعم الوقود الأحفوري.

وقدر تقرير للأمم المتحدة أن 233 مليار دولار من التمويل العام لمجموعة العشرين قد تم تخصيصه للوقود الأحفوري مقارنة بـ146 مليار دولار للطاقة المستدامة اعتبارًا من نوفمبر/تشرين الثاني 2020.

وخلصت الدراسة أيضًا إلى أنه يجب خفض إنتاج الوقود الأحفوري العالمي بنسبة 6% سنويًا على مدى العقد المقبل لضمان مستقبل آمن مناخيًا. وعلى الرغم من مختلف مبادرات النمو الأخضر والاقتصاد الأخضر، لم تقفز دول الخليج إلى قطار الانتعاش الأخضر حاملين حزم التحفيز لعام 2020.

واستمرت معظم مشاريع الطاقة المتجددة في المنطقة كما هو مخطط لها، لكن إجمالي السعة في المنطقة لا يزال يمثل جزءًا صغيرًا من مزيج الطاقة الإجمالي، مما يترك معظم الانبعاثات دون معالجة.

وفي حين أن عام 2020 لم يجلب إعلانات من الخليج بخصوص التحول في الطاقة، فربما يكون قد مهد الطريق لإعلانات أكبر في عام 2021. فقد أعلنت إدارة "بايدن" عن خطط لعقد قمة عالمية للمناخ في الأيام المائة الأولى، كما أن المملكة المتحدة التي تعتبر حليفة أخرى مهمة للخليج، ستترأس مؤتمر جلاسكو لتغير المناخ في نوفمبر/تشرين الثاني 2021.

وستتاح فرص كبيرة من عملية تعافي الاقتصاد، ويمكن اغتنامها في خلق فرص العمل في مجال كفاءة الطاقة والكهرباء، مما قد يدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة المتعثرة في المنطقة. ويمكن أن يتلقى إنتاج الهيدروجين على نطاق واسع واحتجاز الكربون وتخزينه، مزيدًا من الزخم عبر برنامج الاقتصاد الدائري للكربون في السعودية.

كما يمكن لمزيد من دول الخليج وشركات النفط طرح خطط مناخية محسّنة، وقد يشهد عام 2021 تحديد هدف "صافي الصفر" الأول في المنطقة.

المصدر | ماري لومي - معهد دول الخليج العربي في واشنطن - ترجمة وتحرير الخليج الجديد