الاثنين 11 يناير 2021 10:38 م

استهل الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" العام الجديد بالتعهد باستثمار جيش بلاده لتأمين مكانة تركيا في نظام عالمي جديد متوازن.

وأوضح "أردوغان" رؤيته عندما أجرى مداخلة في 30 ديسمبر/كانون الأول أثناء خطاب ألقاه وزير دفاعه، "خلوصي أكار"، أمام عدة مئات من ضباط الجيش التركي والأذري الملثمين في العاصمة الأذربيجانية باكو.

وفي حديثه عبر مكبر الصوت الخاص بهاتف "أكار"، حيث رفعه وزير الدفاع أمام الميكروفون، قارن "أردوغان" التدخلات العسكرية التركية والقواعد التركية الأجنبية والمشاركة في بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في أراضي الاتحاد السوفيتي السابق، وفي كوسوفو وسوريا وليبيا والصومال وقطر، بإنشاء الجيش الإسلامي للقوقاز خلال الحرب العالمية الأولى من قبل وزير الحرب العثماني "أنور باشا".

واستولى الجيش الإسلامي آنذاك على باكو في الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الأولى، لكنه فشل في ترسيخ أساس للدعم العسكري منذ ذلك الحين للأيديولوجيات القومية التي كانت تسعى إلى توحيد الشعوب من أصل تركي.

ومع ذلك، يؤكد النقاد أن الدعم التركي لحرب القوقاز في العام الماضي، التي هزمت فيها أذربيجان أرمينيا، شكل خطوة جديدة في هذا الاتجاه. ويبدو أن "أردوغان" يرى مكانة تركيا في نظام عالمي جديد تقود فيه تركيا العالم الإسلامي الأوسع وتشكل الأراضي التي تسكنها الأعراق التركية جزءا من تركيا.

وفي كلمته قال "أردوغان": "سوف يستمر الجيش التركي، مستندا إلى ماضيه المليء بالمجد والشرف، في أداء المهمة الموكلة إليه في بلادنا وفي جميع أنحاء العالم. وأتمنى التوفيق لجنودنا الذين يقاتلون للحفاظ على السلام والهدوء والاستقرار في كثير من البلاد. من سوريا إلى ليبيا، ومن الصومال إلى كوسوفو، ومن أفغانستان إلى قطر".

ولم يمنع التركيز الأوسع لـ"أردوغان" وزير دفاعه من تصعيد لقاءاته مع ممثلي الأقليات التركية في عدد من المناطق. وقال المحلل العسكري التركي "متين غوركان": "تصاعد اهتمام أنقرة بالعرق التركي في الخارج بشكل ملحوظ منذ اندلاع نزاع ناغورني قره باغ بين أذربيجان وأرمينيا في أواخر سبتمبر/أيلول".

وأدلى "أردوغان" بتصريحاته في باكو على خلفية التوترات المتزايدة مع إيران، والجهود التي يبذلها خصوم تركيا في البحر المتوسط بدعم من الإمارات لإحباط الجهود التركية لتوسيع وصولها إلى موارد الطاقة، والانتقادات المحلية لإنفاقه الهائل على القوة الدينية الناعمة في وقت تعاني فيه البلاد من ضائقة اقتصادية.

ومن المرجح أن يؤدي تركيز "أردوغان" على القوة العسكرية إلى تعقيد مبادرته تجاه تخفيف الاحتقان مع إسرائيل للحد من أسباب التوتر المحتملة مع الإدارة الأمريكية القادمة مع تنصيب الرئيس المنتخب "جو بايدن".

وانتقد "بايدن" سجل تركيا في حقوق الإنسان وسيادة القانون، ومن غير المرجح أن ينظر بلطف إلى استحواذ تركيا العضو في الناتو على نظام دفاع روسي متقدم مضاد للصواريخ.

وأيدت إسرائيل الشهر الماضي قبول الإمارات كمراقب في منتدى غاز شرق المتوسط ​​ومقره القاهرة، والذي يضم مصر واليونان وقبرص وإيطاليا والأردن وفلسطين إلى جانب الدولة اليهودية. ونددت تركيا بالمنتدى باعتباره محاولة لحرمانها من حقوقها الاقتصادية في شرق البحر المتوسط، ​​وأرسلت العام الماضي سفينة استكشاف إلى المياه المتنازع عليها.

ومن المحتمل أن يشكل تحرك الإمارات، أحد أكبر خصوم تركيا في صراعها على النفوذ السياسي والديني المهيمن في رقعة من الأرض تمتد من الساحل الأطلسي لأفريقيا إلى آسيا الوسطى، تغييرا في الاستراتيجية الإماراتية.

وقال الباحث في شؤون الشرق الأوسط "صمويل راماني" مؤخرا إن القوة الخشنة والجهود القسرية للإمارات من أجل عرقلة التقدم التركي قد فشلت. وشملت تلك الجهود دعما عسكريا لزعيم المتمردين الليبي "خليفة حفتر"، والتهديدات بفرض عقوبات على الجزائر لتعاونها المكثف مع تركيا.

وفي الأشهر الأخيرة، تفككت مساعي الإمارات للتوصل إلى إجماع عربي ضد طموحات "أردوغان". وبالرغم من إحباطات العراق الدورية من الضربات التركية عبر الحدود على حزب العمال الكردستاني، إلا أن رئيس الوزراء العراقي "مصطفى الكاظمي" تودد إلى تركيا باعتبارها شريكا إقليميا. وفي ضربة أكبر لجدول الأعمال الإماراتي المناهض لتركيا، استخدم العاهل السعودي الملك "سلمان" نبرة تصالحية مع "أردوغان" بعد مناقشة دارت بينهما في 20 نوفمبر/تشرين الثاني.

وقال "راماني": "إن الأسس المنهارة على ما يبدو لاستراتيجية الإمارات المناهضة لتركيا تشير إلى أن أبوظبي بحاجة إلى إعادة التفكير في نهجها لاحتواء طموحات أردوغان. ويمكن للإمارات أن تخصص المزيد من الموارد لاحتواء تركيا في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى"، ما يشير إلى أن الإمارات قد تركز على نهج القوة الناعمة.

ومن المرجح أن يستلزم ذلك تصعيد المنافسة مع تركيا في توفير المساعدات الطارئة والتنموية للدول الأخرى، فضلا عن التنافس المتزايد على القوة الناعمة الدينية في العالم الإسلامي.

وكانت الإمارات في حالة حرب ضد الإسلام السياسي منذ أكثر من عقد، وصنفت جماعة "الإخوان المسلمون" المدعومة من تركيا على أنها منظمة إرهابية، ودعمت الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" والمستشار النمساوي "سيباستيان كورتس" في حملتهما على الجماعات الإسلامية والقومية التركية.

ويرفض "أردوغان" منذ أكثر من عقد المفاهيم حول الإسلام الأكثر اعتدالا أو تطرفا. ومن وجهة نظره لا يمكن تصنيف الإسلام على أنه معتدل أو غير معتدل. ويرى أن العداء تجاه الإسلام يقوي السيناريوهات القائلة بوجود ما يسمى بصراع الحضارات في العالم. وبالفعل قد يذهب أولئك الذين يدافعون عن مثل هذه الأفكار إلى أبعد من ذلك لربط الإرهاب بالإسلام، الذي هو دين في الحقيقة يقوم على أساس السلام.

ومن خلال كلمته في باكو في نهاية العام، يمكن استنتاج أن استراتيجية "أردوغان" للقوة الخشنة والناعمة ستستمر في تشكيل السياسة التركية خلال العام المقبل.

المصدر | جيمس دورسي - أوراسيا ريفيو - ترجمة وتحرير الخليج الجديد