الأحد 17 يناير 2021 07:39 ص

أمريكا.. وترميم ما لا يُرمم!

على الجمهوريين «استعادة» حزبهم من ترامب وتبدو هذه مهمة أشق من الأولى أو على الأقل لا تقل عنها مشقة.

بلغ المجتمع الأمريكي درجة غير مسبوقة من الانقسام السياسي وحتى المجتمعي وما اقتحام الكونغرس إلا مظهر لهذا الانقسام.

لم يجد خطاب بايدن التوافقي آذانا صاغية لدى معظم قاعدة الجمهوريين المنحازة لترامب شخصيا وصوتت له قبل أن تصوت للحزب الجمهوري.

*     *     *

مهمة شاقة، للغاية، وليس واضحاً ما إذا كانت ممكنة أصلاً، هي تلك التي تواجه الرئيس القادم للولايات المتحدة، جو بايدن، بإعادة اللُحمة إلى المجتمع الأمريكي الذي بلغ درجة غير مسبوقة من الانقسام السياسي، وحتى المجتمعي.

وما حدث من اقتحام الكونغرس في السادس من الشهر الجاري، على فظاعته، ليس أكثر من مظهر من مظاهر هذا الانقسام.

منذ أن أظهرت نتائج الانتخابات الرئاسية فوز بايدن، أبدى حرصاً على تقديم خطاب «توافقي» خاطب به قاعدة الجمهوريين وليس فقط قاعدة الحزب الديمقراطي الذي ترشح باسمه، داعياً إلى تخطي المرحلة السابقة، واستئناف الحياة السياسية وفق القواعد المستقرة في البلاد قبل ولاية ترامب.

لكن يبدو أن هذا الخطاب لم يجد ما توقعه بايدن من آذان صاغية لدى الجزء الأكبر من قاعدة الجمهوريين المنحازة لترامب شخصياً، والتي صوتت له قبل أن تصوت للحزب الجمهوري نفسه.

ربما تكون تداعيات اقتحام الكونغرس في «كابيتول هيل» قد أحدثت شيئاً من التصدع في صفوف الجمهوريين، حيث شعرت وجوه بارزة بينهم بالورطة التي أوقع خطاب ترامب التحريضي حزبهم فيها.

لكن هذا قد لا ينطبق على مؤيدي شخص ترامب وخطابه، ما يجعل من «ورطة» الجمهوريين مضاعفة، فليست مواجهة غرمائهم الديمقراطيين هي المهمة الوحيدة الماثلة أمامهم بفوز بايدن من جهة، وفقدهم الأغلبية في مجلس الشيوخ من جهة أخرى، وإنما عليهم أيضاً «استعادة» حزبهم من ترامب، وتبدو هذه مهمة أشق من الأولى، أو على الأقل لا تقل عنها مشقة.

المسألة لن تنتهي حتى لو حرم ترامب من حق الترشح للرئاسة ثانية في حال صوت مجلس الشيوخ بالأغلبية المطلوبة لذلك، لأن قراراً مثل هذا يمكن أن يزيد من التفاف مناصريه حوله!

ويكرسه زعيماً لتيار اليمين المتطرف في المجتمع، الذي قد لا يكون معنياً، ولو بعد حين، بتوفر غطاء له من الحزب الجمهوري، بل سيسحب إلى جانبه قاعدة كبيرة من ناخبي الحزب، ولن يعدم وسيلة في أن يكون له مرشحوه، في الانتخابات التشريعية والرئاسية على حدٍ سواء.

ربما يبدو هذا السيناريو محض خيال في أعين البعض منا، لكن الثابت أن أمريكا دخلت مرحلة جديدة من تاريخها السياسي، ستفرض وقائع مختلفة لا مفرّ منها، وحتى في حال نجح بايدن في «ترميم» ما انكسر في المجتمع، فإن هذا الترميم لن يصمد طويلاً.

الحزب الديمقراطي، هو الآخر، ليس بمنجاة من استقطاب داخلي حاد علاماته ظاهرة، وهذا سيكون موضوع حديث لاحق.

* د. حسن مدن كاتب صحفي من البحرين

المصدر | الخليج