دكتاتورية الفكر الخفية

إذا كان شباب هذه الأمة يريد أن يحرر وينهض أمته فإنه يحتاج أن يقاوم آفات العصر تلك ويعيش حرية عُلوية سامية.

تبذل الجهود لتطويع أفكار الشباب بهدف هيمنة منطلقات ثقافة عولمية واحدة رأسمالية نيوليبرالية لتهميش الثقافات الأخرى.

يراد لشباب العالم أن يعيشوا هماً واحداً: الإيمان بما تقوله دكتاتوريات خفية والعمل بما تروجه لإماتة الفكر والحس والروح والضمير في الإنسان

«نحن الفلاسفة نفسر العالم، لكن المهم هو تغيير هذا العالم».. «السعادة هو أن تكون لديك مهمة تنجزها، وأمل تسعى لتحقيقه، وأناس آخرون تحبهم»!

*     *     *

من الضروري أن يتعرف شباب وشابات هذه الأمة، وهم قادتها في المستقبل القريب، إلى ما يقوله محللو ومفكرو هذا العالم عن التغيرات في صفات وطرق التفكير والسلوك السائد في عصرنا الحالي.

فطرق تفكير إنسان هذا العصر، وبالتالي سلوكه وتفاعلاته مع الحياة والناس، لها تأثيرها الكبير في ما يجري في عالمنا المعاصر. وبالطبع فإن طرق التفكير الجديدة والسلوكات الممارسة المستحدثة وراءها من يستنبطها، ويدعو إليها، وينشرها، ويدافع عنها، ويستفيد من ورائها، سواء من قبل أفراد أو مؤسسات أو جماعات، وعلى الأخص في حقول السياسة والدين والإعلام والتواصل الاجتماعي.

 وتبذل جهود إعلامية وإعلانية هائلة، وتجيّش كل أسلحة ووسائل علم النفس، لتطويع أفكار وسلوكات الشباب على الأخص، بهدف هيمنة منطلقات ثقافة عولمية واحدة، هي أمريكية، رأسمالية نيوليبرالية في الأساس، وبهدف تهميش كل الثقافات الأخرى.

 في قلب تلك المحاولة التركيز المبالغ فيه على الفردانية بما يصاحبها من بناء شخصية نرجسية وإثارة وتمجيد لكل غريزة بشرية بدائية، والاكتفاء بعيش اللحظة الآنية من دون الالتفات إلى الماضي، والتطلع نحو المستقبل، والهوس بالحقوق من دون ضبطها بالواجبات، والإصرار على تحقيق الرغبات من دون ضبطها بالإمكانات.

 وبالطبع، فإن كل ذلك يقود إلى نتائج مقلقة. فالمبالغة في الفردية تؤدي إلى إهمال وضعف ممارسة الديمقراطية الجمعية، ما يفسر جزئياً إحجام الشباب عن القيام بواجب التصويت خلال الانتخابات المحلية، والوطنية.

والالتزام نحو الآخرين والمجتمع يحل محله حق ممارسة الاختيار الفردي في كل شيء، وتفضيله على كل شيء. والمبالغة في استقلال الذات تؤدي شيئاً فشيئاً إلى نوع من خصخصة المجتمع في تركيبته وعلاقاته.

وعند ذاك ينجح الطعم الذهني القائل إنه كلما عملت ساعات أطول وبجهد مضنٍ أكبر، كلما استطعت شراء أشياء أكثر، وحققت رغبات مظهرية أكثر.

 وهذا ما يقود إلى نوع من العبودية التي يقبلها إنسان العصر من دون أن يفكر في نتائجها الكارثية عليه، وعلى علاقاته الاجتماعية.

 وشيئاً فشيئاً تصبح الكمية أهم من الكيفية، والشعبوية أهم من الانتقائية، وقبول إملاءات استطلاعات الرأي من دون ممارسة للعقلانية، ومن دون تحكيم للقيم والأخلاق. ولذلك، فليس بمستغرب أن تقاس قيمة الكتب بأعداد مبيعاتها، وبمدى تربعها في احتفالات توزيع الجوائز، بدلاً من محتوياتها الفكرية والإبداعية، ومدى إغنائها للمسيرة الإنسانية.

 ولخلق تلك الشخصية، ولقيادتها نحو فوضى وعزلة فكرية ونفسية وروحية، لا بد من وجود أنواع من الدكتاتوريات المخفية المقنعة. فالأخصائي في حقل محدود صغير يتم الاستماع إليه، وصاحب النظرة الفكرية الشاملة مستبعد، وأعداد المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي هو المقياس الذي يتغنى به معلقو الإذاعات والتلفزيونات، وكتّاب الصحف، وهو أفيون الشعوب الحالي.

 وتلفزيون الواقع يكبر وينتشر، بينما تلفزيون الفكر والثقافة الرفيعة يتضاءل ويعيش على الهوامش. ومن قبل كان العالم يؤمن بمقولة «أنا أفكر فأنا إذاً موجود»، أما الآن فقد أصبحت مقولة «أنا أشُاهد في التلفزيون أو يُستمع إلي في الراديو فأنا إذن موجود».

تلك الدكتاتوريات الخفية، وغيرها كثير، حلت محل دكتاتوريات البروليتاريا، وشيئاً فشيئاً تحل محل إملاءات الضمير، وتوجيهات الحكم الصالح.

 ما يراد لإنسان العصر هو أن ينسى المثل الصيني الشهير القائل إن «السعادة هو أن تكون لديك مهمة تنجزها، وأمل تسعى لتحقيقه، وأناس آخرون تحبهم»، وأن ينسى ما كتب على قبر كارل ماركس: «نحن الفلاسفة نفسر العالم، لكن المهم هو تغيير هذا العالم».

ويراد للشباب في هذا العالم وشاباته أن يعيشوا هماً واحداً: الإيمان بما تقوله تلك الدكتاتوريات الخفية والعمل بما تمجده وتصقله وتمزجه بشتى السموم من أجل إماتة الفكر والحس والروح والضمير في إنسان هذا العصر.

 إذا كان شباب هذه الأمة يريد أن يحرر وينهض أمته فإنه يحتاج أن يقاوم آفات العصر تلك ويعيش حرية عُلوية سامية.

* د. علي محمد فخرو سياسي ومفكر بحريني

المصدر | الشروق