الجمعة 22 يناير 2021 01:22 م

تونس أو الإيهام بالاحتجاجات

 الموجة المطلبية الجديدة جولة صراع بين الفرقاء ومراكز القرار للسيطرة على النفوذ والسلطة والثروة والقرار.

تونس تعيش منعرجا حاسما بعد فشل كل المحاولات الانقلابية وهي تسعى لتجاوز معضلة اقتصادية سببت شللا اجتماعيا وفاقمت أزمة هي نتيجة تراكمات قديمة.

حالة ستفرض على كل الفرقاء واقعا جديدا يضع المعطى الاقتصادي على رأس الأولويات وتأجيل صراعات سياسية لم تورّث البلاد غير أزمة وراء أزمة.

*     *     *

لا يُنكر أحد أن تونس تمرّ بأزمة اقتصادية واجتماعية خانقة تسبب فيها المسار السياسي الذي عرفته البلاد منذ الثورة ومجموع التراكمات التي حدثت هناك طوال عقد من الزمان.

صحيح أيضا أنّ تونس تعتبر من الدول الناجية من العواصف التي ضربت منطقة الثورات وحولتها إلى فوضى وحروب أهلية بل هي الدولة الوحيدة التي نظمت انتخابات متعددة وحققت نقلة كبيرة على مستوى التداول على السلطة.

هذا النجاح هو الذي حرّك قوى الانقلابات العربية والدولية التي سارعت بتفعيل أذرعها المحلية أكثر من مرّة محاوِلة الانقلاب على الشرعية سواء عبر الاغتيالات السياسية أو عبر شراء الأحزاب والنوّاب والقنوات الإعلامية أو عبر ضرب الاقتصاد وتعطيل المرافق العمومية.

في هذا السياق العام اندلعت مؤخرا موجة من احتجاجات اجتماعية تميزت بتوقيتها الليلي المريب على غير عادة الاحتجاجات في تونس.

كما تميزت هذه الاحتجاجات بما خالطها من عمليات السطو والنهب وإحراق الممتلكات العامة والمرافق الحكومية وهو الأمر الذي لم يكن معهودا في الاحتجاجات التي تلت الثورة.

من جهة أولى تبدو مطالب المتظاهرين مشروعة ومفهومة بعد أن بلغت المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية مستويات مخيفة وغير مسبوقة زادتها الجائحة عمقا.

لكن من جهة أخرى تظهر على السطح علامات كثيرة تكشف أنّ هذه الموجة الأخيرة ليست موجة عفوية بل تندرج ضمن مشهد أكبر يستهدف التجربة التونسية ومسارها الانتقالي أساسا.

أول هذه العلامات تتمثل في طابع الفوضى الذي طبع الاحتجاجات وكذلك توقيتها الليلي المريب في دولة لا تمنع الاحتجاجات نهارا.

ثم إنها تحركات لا يُعلم من وراءها ومن يدعو إليها ومن يسهر على تنظيمها بهذه الدقة وهذا التوقيت المتزامن والحركة الموحدة والأسلوب الواحد في فترة تحوير حكومي، صرّح كثيرون بأنه أطاح بمساعي الرئاسة للسيطرة على مفاصل الدولة.

وهو الأمر الذي يؤكد أنّ الموجة المطلبية الجديدة ليست في الحقيقة إلا جولة من الصراع بين الفرقاء ومراكز القرار من أجل السيطرة على النفوذ والسلطة والثروة والقرار.

تونس تعيش اليوم منعرجا حاسما بعد فشل كل المحاولات الانقلابية وهي تسعى لتجاوز المعضلة الاقتصادية التي تسببت في حالة من الشلل الاجتماعي وفاقمت من الأزمة التي هي في الحقيقة نتيجة لتراكمات قديمة.

هذه النتيجة هي التي ستفرض على كل الفرقاء واقعا جديدا، يتمثل في وضع المعطى الاقتصادي على رأس الأولويات وتأجيل الصراعات السياسية والحزبية التي لم تورّث البلاد غير الأزمة وراء الأزمة.

* د. محمد هنيد أستاذ العلاقات الدولية المشارك بجامعة السوربون، باريس.

المصدر | الوطن