السبت 23 يناير 2021 07:37 ص

يقولون ليلى في العراق مريضة

يؤكد القادة الرسميون الابتعاد عن سياسات المحاور وعدم العداء لاي جهة في المنطقة (ضمنيا يشمل هذا اسرائيل لكن بنعومة تمهد لما بعدها).

الحشد الشعبي أصبح جيشا موازيا بتوجهات استراتيجية لا تتسق واستراتيجية  قادة السلطة الرسمية كاعتبار انفسهم من محور المقاومة واعتبار اسرائيل عدوا استراتيجيا.

سجل العراق المعاصر: انقلابات وحروب وحالات إعدام وعنف داخلي يؤكد نظرية عالم الاجتماع العراقي  علي الوردي عن ازدواجية الشخصية العراقية وتنازعها بين البداوة والحضارة.

*     *     *

رغم الإرث الحضاري العميق للدولة العراقية، إلا أنها تعد بالقياس الكمي من أكثر دول العالم اضطرابا سياسيا  قديما وحديثا ومعاصرا، ورغم أنها من اوائل الدول تاريخيا في وضع القواعد القانونية (سواء قوانين مملكة إشنونة السومرية او شرائع حمورابي)، فانها من اقل الدول استقرارا سياسيا واجتماعيا.

ورغم تأويلات النظرية الهيدروليكية لتفسير العلاقة بين النهر والمركزية والاستبداد وبالتالي العنف، فان مصر تقدم نموذجا مخالفا للحالة العراقية رغم توفر ذات المتغيرات المعتمدة من هذه النظرية.

إن عبارة الحجاج بن يوسف الثقفي المشهورة التي وصف فيها العراق " بأهل الشقاق والنفاق" تعبر عن صورة كامنة في اللاوعي المجتمعي العربي قادة وشعوبا، بل تحدد ابرز سمات وخصائص الطابع القومي للمجتمع، وهي صورة مناقضة لعبارة عمرو بن العاص عن مصر التي "يجمعهم دف وتفرقهم عصا وهم طوع لمن غلب"..

إن سجل العراق في التاريخ المعاصر من حيث عدد الانقلابات والحروب الداخلية والخارجية  وحالات الإعدام ومستوى العنف الداخلي اجتماعيا  يؤكد صحة نظرية عالم الاجتماع العراقي  علي الوردي عن ازدواجية الشخصية العراقية ممثلة في التنازع بين إرثي البداوة والحضارة.

وفي المشهد العراقي الحالي من 1979 الى الآن (اكثر من اربعين سنة ) نجد انقلاب صدام على احمد حسن البكر، ثم حرب عراقية ايرانية لمدة 8 سنوات، وحرب الكويت وتداعياتها من 1990 الى 2003 (13 سنة) ثم الصراع مع القوات الامريكية من 2003 الى 2011 (8 سنوات) ثم حرب مع داعش من 2014 الى 2018، مع استمرار العمليات والتفجيرات المتفرقة في  الجسد العراقي التي كان آخرها انفجار ساحة الطيران في بغداد يوم امس، وهو ما يعني 42 سنة من العنف العسكري المكثف والمتواصل.

وعند النظر في تصريحات القادة العراقيين الحاليين نجد اتجاهين متضادين تماما ويؤسسان لمواجهات قادمة، فمن ناحية نجد ان الرئيس العراقي (برهم صالح (الكردي) ورئيس الوزراء الكاظمي (الشيعي) ورئيس البرلمان الحلبوسي (السني) يؤكدون على فكرة "الابتعاد عن سياسات المحاور وعدم العداء لاي جهة في المنطقة (ضمنيا يشمل هذا التعبير اسرائيل ولكن بطريقة ناعمة تمهد لما بعدها).

ومن ناحية مقابلة هناك تنظيمات الحشد الشعبي التي اصبحت جيشا موازيا ولها توجهات استراتيجية لا تتسق والاستراتيجية  التي يتبناها قادة السلطة الرسمية بما في ذلك اعتبار انفسهم جزءا من محور المقاومة واعتبار اسرائيل عدوا استراتيجيا.

فإذا اضفنا لذلك المكون الكردي الذي يتحسس مكانه وتُطل نزعاته الانفصالية بين الحين والآخر، ويتبنى شبكة علاقات مع أمريكا واسرائيل لا تتسق مع الوجدان السياسي العراقي،  فان المشهد العراقي يزداد قتامة.

ومع الأزمة الاقتصادية الخانقة بسبب الانفاق العسكري والامني وتراجع اسعار النفط وخراب نسبة كبيرة من مرافق الدولة من ماء وكهرباء ومواصلات، يضاف لها جائحة الكورونا، فان القتامة في طريقها لتكون ديجورا...والعراق قديما وحديثا لا يعرف التناوب المعهود بين الملهاة والمأساة  في حركة التاريخ، بل هو مأساة تعقب مأساة...فليلى في العراق مريضة،  يقولون او لا يقولون،  انها الحقيقة.

* د. وليد عبد الحي أكاديمي وباحث في الدراسات المستقبلية

المصدر | facebook.com/walid.abdulhay