تعارك علماء الدين الإيرانيين حول عصمة خامنئي

قضية فقهية هامة في المذهب الشيعي تتعلق بعصمة الأئمة والحكومة الإسلامية.

إنه مادام النقد يجوز في حكومة الإمام المعصوم، فماذا يضير حكومة غير المعصوم.

القول بعدم عصمة النبي ﷺ وعدم عصمة الأئمة يخالف صراحة الإسلام والمذهب الشيعي.

الغريب حقا هو صمت الزعيم آية الله خامنئي إزاء هذا الجدل، وكأنه ترك لمؤيديه تولي الرد على خصوم عصمة ولاية الفقيه.

من المعروف أن قرار الزعيم في دستور نظام الجمهورية الإسلامية لا يرد ولا يناقش ويكتسب عصمة نائب الإمام الذي يتولى الولاية في عصر الغيبة.

*     *     *

لقد أثار آية الله كاظم صديقي إمام جمعة العاصمة طهران في خطبة الجمعة بتاريخ 1312018 قضية فقهية هامة في المذهب الشيعي تتعلق بعصمة الأئمة والحكومة الإسلامية، حيث بدا متحيزا للنظام، فكان وصفه للمظاهرات المعارضة وصفا مهينا على عكس وصفه للمظاهرات المؤيدة، حيث قال:

إن التجمعات الشعبية صارت بحرا غسل التراب.(وكالة أنباء فارس: 1312018) وقد استاء التيار المعتدل وعلى رأسه رئيس الجمهورية حجة الإسلام والمسلمين حسن روحاني من هذا الوصف، حيث رد عليه مباشرة بقوله: لماذا تتحدث هكذا؟ لماذا تهينون الناس، وتواجهون المجتمع بقلة الأدب؟ هل كل من اعترض كان ترابا وزبالة أو ثورا أو خروفا؟(وكالة أنباء ايلنا: 1412018)

وكان روحاني قد أعلن قبل ذلك لتهدئة الجماهير وتأكيد حق الجماهير في نقد النظام ومسئوليه، أن من حق كل شخص أن يعترض وينقد، وليس من أحد مستثنى من النقد، وينبغي أن يكون كل المسئولين في البلاد موضع نقد، ولا أحد معصوم، حتى لو جاء إمام الزمان، فالنقد ممكن، وقد سمح الرسول أيضا للآخرين بنقده، وليس لدينا في التاريخ من هو أسمى منه.( وكالة أنباء إيسنا: 1312018) وقد أيده علماء الدين المعتدلين والإصلاحيين في ذلك الموقف، مع محاولة تخفيف الأثر.

يقول القيادي الإصلاحي حجة الإسلام محسن غرويان: إن هدف الرئيس روحاني في تصريحاته الأخيرة لم يكن نفي أو الاعتراض على الأئمة المعصومين في النقد، وإنما إمكانية سؤالهم.(صحيفة عصر ايران: 15/1/2018م)   

لكن هذا القول لم يكن مستساغا من جانب عدد من قيادات التيار الأصولي، في حين أن حديث الرئيس روحاني كان يتعلق أساسا بالحكومة وحق نقد الحكومة، وليس الإمام المعصوم، إلا أن البعض جعل منها قضية، بل طالبوا بإخراج روحاني من مجلس خبراء القيادة، وشككوا في اعتباره من علماء الدين، وأن عليه أن يترك البحث الديني مادام يعمل رئيسا للجمهورية، ومعنيا بالشئون المدنية!

يقول آية الله مصباح يزدي: إن هذه التصريحات لم يدلى بها خلف جبل قاف، وإنما في عاصمة الجمهورية الإسلامية، وكم يدمى قلب إمام الزمان من سماعها؟(وكالة أنباء فارس: 1512018)

يقول آية الله محسن آراكي مخاطبا الرئيس روحاني مباشرة: يبدو أنك نسيت الدروس التي تعلمتها في شبابك، لذلك ينبغي أن تنشغل في سياستك، فليس عندك وقت لتعلمها، ودع معتقدات الناس، فالمشاكل الحياتية والدنيوية للناس كثيرة، فإن كنت لا تعلمها فلا شأن لك بقضايا الآخرة.(وكالة أنباء ايسنا في 14/1/2018م)

وكان على رأس منتقدي روحاني آية الله محمد يزدي رئيس مجمع مدرسي الحوزة الدينية في قم، حيث أصدر بيانا باسم مجمع مدرسي الحوزة الدينية جاء فيه:

إن القول بعدم عصمة النبي ﷺ، وعدم عصمة الأئمة يخالف صراحة الإسلام والمذهب الشيعي، وإنني أوصي بشدة بعض المسئولين أن يتجنبوا الخوض في القضايا العقائدية والفكرية التخصصية في تصريحاتهم، وأن يهتموا بدلا من ذلك بشئون معيشة الناس والمشاكل الاقتصادية.

فما ينتظره الناس منهم هو حل مشاكلهم المعيشية، وليس إبداء الرأي في المسائل الاعتقادية والتخصصية، لأن ذلك لا يحل المشكلات بل يزيد من مشاكل الدنيا وحساب الآخرة.(وكالة أنباء ايسنا: 2012018)

والغريب أن آية الله مرتضى مقتدايي نائب رئيس مجمع مدرسي الحوزة الدينية بقم اعتبر حديث آية الله يزدي في هجومه على روحاني هو حديث يتعلق به، ولا يمثل رأي الحوزة، وفي رده على علماء الدين الذين يهاجمون الرئيس حسن روحاني، يقول آية الله مرتضي مقتدائي:

عندما يوضح السيد روحاني نفسه بأنه لا يقبل أن يفهم حديثه بالخطأ، فينبغي أن نقبل التوضيح، لكن الانتقادات التي طرحت لو كانت على أساس نظرية أنه لا يصح انتقاد الحكومة التي يحكم فيها إمام الزمان، فهو خطأ، وربما يكون تسييسا.(وكالة أنباء ايلنا: 2112018)

وقد أردف آية الله مرتضى مقتدايي بأن النقد كان معمولا به في عهد الرسول ﷺ وفي عهد الإمام علي بن أبي طالب (ع)، وذكر بعض الأمثلة كما حدث في غزوة بدر وشكوى الناس من ولاة الإمام علي.

يقول المحلل السياسي مهرداد خدير: يمكن القول إن دفاع آية الله مقتدايي، واتخاذه موقفا علنيا مخالفا لآية الله محمد يزدي يحمل عدة رسائل للمجتمع:

أولا أن نائب رئيس مجمع مدرسي الحوزة ومعه عدد من أعضائه لا يريدون أن يتحول المجمع إلى حزب سياسي معارض للحكومة يسعى إلى التقليل من شأن خسارة من أيده في انتخابات رئاسة الجمهورية.

ثانيا لا يريدون أن يكون آية الله يزدي هو المجمع وأنه الذي يصدر بياناته ويوقعها.

ثالثا أن على علماء الدين أن يسعدوا عندما يحصل أحدهم على دعم 24 مليونا من الناخبين، لا أن يشغلوه ببعض النقاط، مع أنه عضو مؤسس في هذا المجمع، وكان الأحرى أن يحظي بدعم المجمع في انتخابات الرئاسة السابقة.(صحيفة عصر ايران: 2112018)

ويقول آية الله هاشم هاشم زاده هريسي عضو مجلس خبراء الزعامة: لم يكن هذا هو الوضع في أوائل حكم الثورة موجودا، بحيث يقال كلام فلا يستحسنه بعض الناس، ولا يأتون يوم الجمعة. ينبغي أن نراعي التعادلية في كلامنا، وإلا تفقد صلاة الجمعة بريقها، ينبغي ألا تطرح في صلاة الجمعة المواضع المختلف حولها، لأن هدف الجمعة التوحيد وليس الفرقة.(وكالة خبر اونلاين: 1412018)

وقد رد الرئيس روحاني على ذلك بقوله: إنه مادام النقد يجوز في حكومة الإمام المعصوم، فماذا يضير حكومة غير المعصوم. (وكالة أنباء فارس في 2012018)

الغريب حقا هو صمت الزعيم آية الله خامنئي إزاء هذا الجدل، وكأنه ترك لمؤيديه تولي الرد على خصوم عصمة ولاية الفقيه، فمن المعروف أن قرار الزعيم في دستور نظام الجمهورية الإسلامية لا يرد ولا يناقش، ويكتسب عصمة نائب الإمام الذي يتولى الولاية في عصر الغيبة.

* د. محمد السعيد عبد المؤمن أستاذ الدراسات الإيرانية بجامعة عين شمس

المصدر | facebook.com/msmomen