الخميس 28 يناير 2021 02:19 م

دلالات انضمام اسرائيل الى القيادة المركزية الأمريكية

يعتقد خبراء إسرائيليون ان الحاق اسرائيل بالقيادة المركزية يحقق لاسرائيل مكاسب استراتيجية عديدة!

انضمام إسرائيل يحررها من قيود الحركة والمناورة العسكرية باتجاه المنطقة الاكثر اهمية لاسرائيل أمنيا واستراتيجيا.

سيعقد انضمام إسرائيل للقيادة المركزية التعاون العراقي الإيراني بوجود آلاف الجنود الأمريكيين بالعراق يتبعون قيادة أصبحت تضم اسرائيل.

انخراط إسرائيل في القيادة المركزية مع دول عربية سيقلل نفقات المواجهة مع خصومها اقتصاديا وبشريا نظرا لتوزيع الأعباء على العرب وأمريكا.

بات التنسيق الأمريكي الإسرائيلي أيسر نحو لجم التهديدات وإدماج القوات الإسرائيلية مع العربية والأمريكية كمخزون استراتيجي ولوجستي ومنطقة عمليات.

*     *     *

بعد أن تولى الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب وتحديدا في مايو 2017 السلطة الرئاسية للولايات المتحدة، بدأ الترويج لانشاء ما اصطلح على تسميته "ناتو عربي"، وهي فكرة تعود جذورها الى عام 2003 عندما دعا المندوب الامريكي نيكولاس بيرنز في مؤتمر الناتو في براغ الى "أن يوسع الناتو دائرة نشاطه جنوبا وشرقا ليشمل الشرق الاوسط الكبير".

كما ان الفكرة ليست منبتة الصلة بمشاريع الرئيس الامريكي جيمي كارتر عام 1980 في أعقاب الثورة الايرانية التي تجسدت عام 1983 بتحويل قوة المهام المشتركة الامريكية الى قوات الانتشار السريع بخاصة مع  استمرار المواجهة لتداعيات الثورة الايرانية والغزو السوفييتي لأفغانستان.

ثمة 11 قيادة عسكرية امريكية إقليمية، إحداها هي القيادة المركزية التي مقر قيادتها الرئيسي في فلوريدا، وهي الموكل لها  العمل في ثلاث مناطق هي  الشرق الاوسط  وآسيا الوسطى وجنوب آسيا (القارة الهندية واطرافها) ومقر قيادتها الاقليمية هي قاعدة العديد في قطر(بجانب القيادة الوسطى البحرية الامريكية التي مركزها في البحرين).

وأهمية هذه  القيادات  هي في التحكم بالتطورات الناتجة عن الثورة الايرانية والتمدد السوفييتي الى افغانستان منذ البداية، ثم  الحرب العراقية الايرانية والهجوم العراقي على الكويت وما تلاه  مضافا لذلك كله تمدد التنظيمات الاسلامية المسلحة الى القرن الافريقي.

وفي عام 2013 تم انشاء قواعد مؤقتة تابعة للقيادة المركزية (منها واحدة في الأردن) يعتقد ان سببها هو تطورات الوضع في سوريا، وشملت هذه القواعد الكويت والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان وباكستان وآسيا الوسطى والسعودية، وكان وزير الدفاع الامريكي الجديد لويد أوستن هو الذي تولى هذه القيادة من 2013 الى 2020.

أما الدولة الوحيدة حتى عام 2020 التي كانت خارج نطاق القيادة المركزية هي إسرائيل، بينما عدد الدول التي تشملها عمليات هذه القيادة هي عشرين دولة. وقد اعتبرت إيران القيادة المركزية تنظيما إرهابيا ردا على اعتبار الحرس الثوري الايراني منظمة ارهابية.

ونظرا لصعوبة تحقيق القيادة المركزية دمج اسرائيل في منظومتها الدفاعية في ظل عدم وجود علاقات عربية اسرائيلية مع أغلب الدول العربية، فان التنسيق  كان متعذرا نظرا لرفض الدول العربية كما يقول الجنرال شوارتزكوف في كتابه اقامة هذا التنسيق.

أما اسرائيل فقد كانت تابعة للقيادة الاوروبية والتي تعد ذراعا للناتو، لكن تركيز هذه القيادة كان منصبا على ضبط النشاط الروسي في أوروبا، وفي عام 2018 و2019 قام بعض قادة القوة المركزية بزيارة اسرائيل للمرة الاولى (مثل جوزيف فوتيل وغيره) ثم جاء التطبيع العربي من الخليج والسودان والمغرب اضافة للتطبيع السابق مع مصر والاردن والسلطة الفلسطينية.

(مع ملاحظة ان السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة كانت ملحقة بإسرائيل في التبعية للقيادة الاوروبية) وهو ما جعل الاسرائيليين يفكرون في أن المجال اصبح مفتوحا للاندماج في القيادة المركزية الخاصة بالشرق الاوسط .

ويعتقد الخبراء الاسرائيليون ان الحاق اسرائيل بالقيادة المركزية يحقق لاسرائيل مكاسب استراتيجية تتمثل في الجوانب التالية:

1- تحرير اسرائيل من قيود الحركة والمناورة العسكرية  باتجاه المنطقة الاكثر اهمية لاسرائيل من الناحية الامنية والاستراتيجية.

2-  جعل التنسيق الامريكي الاسرائيلي اكثر يسرا من حيث لجم التهديدات وادماج القوات الاسرائيلية مع العربية والامريكية بخاصة كمخزون استراتيجي ولوجستي وكمنطقة عمليات.

3- ان دمج اسرائيل في القيادة المركزية وإبعادها عن القيادة الاوروبية  يخفف الاعباء عن الفرع الاوروبي للقيادة كما حدث عام 2007 عند انشاء القيادة الافريقية التي كانت تابعة للقيادة الاوروبية.

4- يرى رئيس المعهد اليهودي للامن القومي، Michael Makovsky وهو الأكثر قربا من نيتنياهو، ان انتقال اسرائيل للقيادة المركزية يمثل  تطورا طالما طالب به ويراه تحولا استراتيجيا لمواجهة إيران بالتعاون مع دول الجوار الايراني من العرب الذي طبعوا مع اسرائيل، علما أن أمر نقل إسرائيل إلى القيادة المركزية أمر سابق  في طرحه على موضوع التطبيع، ويتعزز هذا الدور للجم ايران من خلال تطور العلاقة الاسرائيلية مع اغلب الجمهوريات السوفييتية السابقة في آسيا الوسطى والقوقاز بخاصة أذربيجان التي كان اخر تعاون لها مع الناتو عام 2017 من خلال مكتب التعاون العسكرى الدولى الناتو حول تنفيذ وثائق "عملية التخطيط والتحليل" و"خطة عمل الشراكة الفردية" المتعلقة بوزارة الدفاع بجمهورية أذربيجان.

5- سيعقد انضمام إسرائيل للقيادة المركزية التعاون العراقي الإيراني لاسيما مع وجود حوالي 2500 جندي امريكي في العراق يتبعون هذه القيادة التي اصبحت اسرائيل من ضمنها.

6- وصول المعلومات الى اسرائيل عن طريق المؤسسات العسكرية  الخليجية بشكل أوثق وادق وأوسع نطاقا، الى جانب نقل  ما يعرفه الخليجيون عن الدول العربية الاخرى. إن نقل إسرائيل إلى منطقة عمليات القيادة المركزية الأمريكية من شأنه أن يعزز التنسيق بين الولايات المتحدة وإسرائيل والعرب  في مجالات العمليات العسكرية والتخطيط الاستراتيجي والإنذار المبكر وحماية البنية التحتية الحيوية ، بما في ذلك ضد التهديدات النووية والتقليدية وكل ما يعتبرونه " ارهابا" . كما أنه سيمكن الولايات المتحدة وإسرائيل من توسيع إنجازاتهما التشغيلية والتقنية في مجال الدفاع الصاروخي لتشمل بقية الشرق الأوسط - وهو اعتبار أساسي وسط انتشار الصواريخ على مستوى المنطقة من قبل إيران وسوريا  وحزب الله والمقاومة الفلسطينية في غزة ولدى انصار الله في اليمن ولدى الحشد الشعبي في العراق.

7-  لما كانت القيادة المركزية تعمل مع القيادات الاقليمية للجيش الامريكي ، فان ذلك سيمكن البنتاغون من التعاون والتنسيق مع الشركاء الإقليميين بشأن الإستراتيجية والتدريب والعقيدة واللوجستيات والاستخبارات والتكنولوجيا والمشتريات والعمليات، وهي امور تعزز المكاسب الاسرائيلية.

8-  معلوم أن القيادة الاوروبية تعمل تحت مظلة الناتو وهو ما يجعل القرار الامريكي موازيا للقرار الأوروبي ، وهو امر ترى اسرائيل ان مكاسبه متواضعة لها، لكن الانتقال للقيادة المركزية يجعل القرار الامريكي هو الاعلى، ومعلوم ان المواقف الاوروبية من السياسات الاسرائيلية اقل تناغما مع هذه السياسات من التناغم الامريكي مع اسرائيل، وهو ما يعني التحرر الاسرائيلي من الاشتراطات الاوروبية بين الحين والآخر، لاسيما أن الرأي العام الاوروبي يصنف اسرائيل في المرتبة الرابعة بين اسوأ  17 دولة  في العالم (وهو ما نشرته مجلة الإكونوميست   وغيرها  منذ عام 2014 وحتى الآن).

9- تحرير اسرائيل من الضوابط الأوروبية مستقبلا خلال الهجمات على لبنان وغزة، وهو ما ظهر في 2012 و2014 و2018 عندما كانت مرتبطة بالقيادة الأوروبية.

10- إن الهجمات المحتملة من اسرائيل على غزة (الهجمات الواسعة) قد تضع بقية دول القيادة المركزية العربية في دائرة الاتهام  من قبل الفلسطينيين وبقية الدول العربية غير المطبعة وهو ما يزيد التشقق في الجدران العربية بقدر يسمح لاسرائيل بالتسلل من هذه الشقوق في الجسد السياسي العربي والعمل على توسيعها.

11- من المؤكد ان انخراط اسرائيل في القيادة المركزية مع الدول العربية سيجعل نفقات المواجهة مع الخصوم  من الزاوية الاقتصادية والخسارة البشرية أقل كثيرا نظرا لتوزيع الأعباء على العرب والامريكيين والاسرائيليين بدلا من ان يلقى العبء على الكتف الاسرائيلي فقط.

أخيرا، إن التطور في هذا الموضوع بدءا من مشروع كارتر عام 1980 الى الآن يكشف عن ان الطرف غير العربي يبني سياساته على اسس المدى الزمني البعيد وعلى عدم التخلي عن المشروعات الكبرى ببساطة، بينما الطرف العربي ينتهج سياسة  قائمة على مبدأ لحركة الهبيين "الهيبز" في ستينات وسبعينات القرن الماضي يقول: "عش ليومك ودع الغد للقدر".

* د. وليد عبد الحي أكاديمي وباحث في الدراسات المستقبلية

المصدر | facebook.com/walid.abdulhay