الأربعاء 3 فبراير 2021 09:01 ص

ميزان القوى يحكم العلاقات الأمريكية

القرار الأمريكي يظل في النهاية في حالة موازنة بين فاعلية الضغط اليهودي، وبين غياب أي ضغوط عربية مماثلة.

سياسة أمريكا الخارجية تحكمها قاعدتان بالغتا النفوذ والتأثير: أولاهما «ميزان القوى» والثانية «فاعلية قوى الضغط».

الضغط في إطار الفكر السياسي الأمريكي ليس موقفاً عدائيا أو مرفوضا لكنه وسيلة يعترف بها ويبيحها الدستور والنظام السياسي.

*     *     *

كثرت وجهات النظر حول من هو الأفضل لعالمنا العربي.. ترامب – الذي انتهت ولايته – أم بايدن الرئيس الحالي؟ ومن خلال متابعة مناقشات وحوارات على وسائل الإعلام، كان تقدير البعض أننا يجب ألا نتجاهل قوة الدولة العميقة، وما تحوزه من قدرات تمكنها من فرض رؤيتها على الرئيس نفسه.

والبعض الآخر يرى أنه ليس من مصلحتنا تضخيم قدرات الدولة العميقة، لأن معنى ذلك الاستسلام لفكرة مؤداها أن الأمر ليس في يد الرئيس الذي نتعامل معه مباشرة، ويدور بيننا وبينه تبادل آراء.

الحقيقة يمكن لها أن تتجاوز هذين الرأيين، أو على الأقل تضيف إليهما رأياً آخر، فمهما كانت قوة الدولة العميقة، ونحن لا ننكر سطوتها، كما أننا لا نستطيع إغفال ما يمكن أن يحمله رئيس أمريكي– دون غيره– من استيعاب للظروف المتغيرة التي تحيط بنا. إلا أن سياسة أمريكا الخارجية، تحكمها قاعدتان بالغتا النفوذ والتأثير.. أولاهما «ميزان القوى»، والثانية «فاعلية قوى الضغط».

 القاعدة الأولى الخاصة بفاعلية ميزان القوى، ترتبط من ناحية بالنظرية التي تحكم علاقات أمريكا بدول العالم، والتي نصت عليها صراحة استراتيجية السياسة الخارجية المعلنة عام 2002، بأنها لن تسمح بوجود أية قوة منافسة إقليمية أو دولية.

ويتصل بذلك استخدامها كل ما لديها من وسائل النفوذ؛ عسكرية، وسياسية، واقتصادية، لحماية مصالحها الاستراتيجية في هذه الدول. ورغم مرور ما يقرب من عشرين عاماً على هذه الاستراتيجية، فإنها راسخة في الفكر السياسي الأمريكي، المتأصلة فيه نزعة الهيمنة على العالم. وهذا أمر معترف به في الولايات المتحدة.

لكن هذه القاعدة ليست مطلقة القوة والفاعلية، إذا ما استطاعت الدول المستهدفة بها، تعديل ميزان القوى لصالحها، وذلك بامتلاك مقومات القدرات الداخلية، وأولها بنية الاقتصاد التنافسي.

حدث هذا في تعديل ميزان القوى بين أمريكا من ناحية، وبين الصين والهند من ناحية أخرى، وكذلك الدول الصاعدة في آسيا وأمريكا اللاتينية. ولعلنا نلاحظ أن الصعود الصيني تحديداً، الذي تجاوز تأثيره حدود آسيا، إلى أنحاء العالم، كان وراء القلق الأمريكي من الصين، والتوتر الذي وصل إلى مداه في العلاقة بينهما، في عهد ترامب.

نأتي إلى العنصر الثاني، فمن المعروف أن السياسة الخارجية الأمريكية، تخضع لحسابات السياسات الداخلية، وضغوط جماعات المصالح وقوى الضغط. صحيح أن السياسة الخارجية هي تعبير عن المصالح الحيوية للدولة.

والتي يمكن أن يتعدل مسارها بما يعكس حقيقة هذه المصالح. إلا أن هذا التعديل لا يتم إلا بتأثير من الدول صاحبة المصلحة، وباستخدام قدراتها الضاغطة، لموازنة تأثير قوى الضغط الأخرى.

 لكنّ هناك واقعاً قائماً ومعروفاً بالنسبة للرئيس ساكن البيت الأبيض، وهو حرصه الدائم على إعادة انتخابه لفترة ثانية. هنا يتركز اهتمامه على إرضاء القوى التي تملك التأثير في صناديق الانتخاب. وهو ما تملك القوى اليهودية جانباً مهماً من أدواته.

بالطبع فإن العالم العربي لديه العديد من وسائل التأثير الضاغط. لكن ذلك يتطلب إعداداً وتجهيزاً وفق استراتيجية مدروسة، وعلى سبيل المثال، فإن الرئيس بوش الأب كان قد حدد سياسته في المنطقة بالبدء بخطوات عملية للوصول إلى تسوية سلام عادلة.

ورتب لانعقاد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991. واتخذ موقفاً يُلزم إسرائيل بوقف بناء المستوطنات، معتبراً إياها غير قانونية وعقبة في طريق السلام.

وحين عاد إسحاق شامير رئيس وزراء إسرائيل إلى بلاده، بدأ في استئناف بناء المستوطنات. وفي الحال قرر الرئيس بوش وقف تقديم قرض قيمته عشرة مليارات من الدولارات، حتى تتوقف إسرائيل عن بناء المستوطنات. وأذعنت إسرائيل لمطالبه.

لكن لم يكن يكفي أن يتحرك بوش بمفرده، خاصة وأن هناك قوى ضاغطة عليه في أمريكا. كان ينقصه أن تكمل موقفه، مواقف من الجانب العربي، تدعمه بخطة عمل محددة الأهداف.

أي أن القرار الأمريكي يظل في النهاية في حالة موازنة بين فاعلية الضغط اليهودي، وبين غياب أي ضغوط عربية مماثلة.

والضغط في إطار الفكر السياسي الأمريكي، ليس موقفاً عدائياً، أو مرفوضاً، لكنه وسيلة يعترف بها ويبيحها الدستور، والنظام السياسي في الولايات المتحدة.

* عاطف الغمري كاتب صحفي مصري

المصدر | الخليج