الاثنين 8 فبراير 2021 04:29 م

يُخيّل إلى زوار دبي، من الانطباع الأول، أنهم على وشك الدخول إلى مدينة إسلامية صارمة مع قواعد سلوك حازمة.

ويتم تحذيرهم من أشياء مثل الاحتضان في الأماكن العامة أو استخدام لغة بذيئة أو تناول الطعام في الأماكن العامة خلال شهر رمضان.

ومع ذلك، لا يستغرق الأمر وقتًا طويلا حتى يدركون أن هذه المحظورات هي مجرد قشرة. وفي الواقع، يمكن للناس في دبي فعل ما يحلو لهم طالما لم يتم القبض عليهم.

وكما هو الحال في معظم المجتمعات العربية التقليدية، ففي دبي الوصم بالعار هو الأداة الأساسية لفرض الامتثال للأعراف الاجتماعية.

وبالتالي، تمثل دبي مفارقة بأكثر من طريقة، فهي تقدم نفسها كاقتصاد فريد وحديث وسريع التطور.

وأدخل الشيخ "راشد بن سعيد آل مكتوم"، الذي حكم الإمارة من عام 1958 حتى وفاته عام 1990، سياسات اقتصادية ليبرالية.

لكنه أرسى أيضا الأساس لسياسة أمن الدولة القصوى للحفاظ على القانون والنظام ومنع ظهور جماعات المعارضة، ولا سيما الحركات الإسلامية.

وتتجلى مفارقة دبي أيضا في مشكلة الدعارة المتفشية في المدينة.

وكان الشيخ "راشد" مبتكرا، لكنه كان أيضا واقعيا، وكان يعلم أنه لا يستطيع القضاء على الدعارة، وبدلا من ذلك احتواها وتساهل معها.

ومع مرور الوقت، أصبحت المشكلة أكثر تعقيدا وانتشارا، خاصة وأن الإمارة بدأت عملية تنمية شاملة بعد الطفرة النفطية في منتصف السبعينيات.

وكانت رؤية الشيخ قاصرة؛ فقد فشل في التنبؤ بالجوانب غير المرغوبة للتحديث التي تعرفها الإمارة اليوم.

ولم يشجع خلفاؤه الدعارة والإتجار بالبشر والمعاملات التجارية المشبوهة، لكنهم لم يحاولوا القضاء عليها أيضا. ولقد أصبحت هذه التجارة غير المشروعة عاملا رئيسيا في حداثة دبي وصعودها المبهم.

  • الديموغرافيا

ويبلغ عدد سكان إمارة دبي، إحدى الإمارات الـ 7 التي تتألف منها دولة الإمارات العربية المتحدة، 3.3 مليون نسمة، منهم 12% فقط، أو ما يقرب من 400 ألف، من المواطنين، وفقا للأرقام الحكومية.

وبالرغم من عدم وجود إحصاءات رسمية حول العرق بين المواطنين، إلا أن هناك أقلية عرقية إيرانية كبيرة.

ومن مجموع السكان، يشكل جنوب آسيا نحو 60%، والمغتربون الإيرانيون نحو 15%، والغربيون ذوو الأجور المرتفعة نحو 5%، والبقية هم في الغالب فلسطينيون ومصريون ولبنانيون.

ويبلغ الدخل الاسمي للفرد في دبي نحو 31 ألف دولار، بالرغم من أن هذا الرقم هو انعكاس ضعيف للوضع الاقتصادي لمعظم الذين يعيشون هناك.

ويتلقى مئات الآلاف من العمال الآسيويين متوسط ​​راتب شهري يبلغ نحو 150 دولارا، في حين أن دخل الفرد للسكان المحليين أعلى بكثير من المتوسط ​​الاسمي.

ويعد الوجود الكبير للعمال من شبه القارة الهندية نتيجة لإعلان دبي محمية بريطانية عام 1892.

وأدار البريطانيون دبي من "المقيمية" في "بوشهر" الإيرانية، والتي كانت تابعة للهند البريطانية، وقد سمحوا للهنود بإدارة الخدمة المدنية والتجارة والمصارف في دبي.

وبعد أعوام، توافد العمال الهنود إلى دبي بعد اكتشاف النفط عام 1960.

وكانت دبي أيضا مركزا للتجارة مع إيران منذ أوائل القرن الـ 19، وأقام العديد من الأثرياء الإيرانيين إقامة دائمة هناك. وتبلغ الاستثمارات الإيرانية في دبي حاليا 200 مليار دولار.

  • الركائز الاقتصادية

ويرتكز اقتصاد دبي على 3 ركائز رئيسية، وهي ميناء "جبل علي"، والسياحة، والنقل الجوي.

وتم افتتاح ميناء "جبل علي" عام 1979، وهو تاسع أكبر ميناء في العالم، ويضم مجمعا صناعيا ضخما ينتج سلعا تتراوح من الألمنيوم إلى مجموعة واسعة من المواد الغذائية والمنتجات الاستهلاكية الأخرى. وهو أكبر مصدر للإيرادات في دبي، حيث يوفر 53 مليار دولار سنويا، أو نحو 60% من الناتج المحلي الإجمالي.

ويعد الميناء أيضا جزءا رئيسيا من جهود الإمارات لتصبح قوة بحرية.

وتريد الإمارات حماية أسبقية مينائها الرئيسي من المنافسين المحتملين في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي، الأمر الذي يتطلب ضمان الوصول إلى الممرات البحرية المؤدية إلى ميناء "جبل علي"، بما في ذلك مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس.

وهكذا، قامت الإمارات ببناء قواعد عسكرية في ميناء "عصب" بإريتريا وميناء "بربرة" في جمهورية أرض الصومال، كما انضمت إلى التحالف الذي تقوده السعودية في الحرب الأهلية اليمنية عام 2015 للمساعدة في تأمين ساحل بحر العرب وجزيرة سقطرى وميناء عدن ذو الموقع الاستراتيجي.

ودعمت الإمارات انقلاب "عبدالفتاح السيسي" على "محمد مرسي" بعد أن وعدت قطر بإنشاء منطقة صناعية في منطقة قناة السويس، وهو ما اعتبرته أبوظبي تهديدا مباشرا لميناء جبل علي.

والسياحة هي مصدر رئيسي آخر للدخل، حيث زار أكثر من 16 مليون شخص دبي في عام 2018.

ومع ذلك، تأتي معظم الإيرادات المرتبطة بالسياحة في دبي من الدعارة وغسيل الأموال والتهريب والإتجار بالبشر.

ويتم استثمار المكاسب الاقتصادية من هذه الأنشطة في العقارات والبناء والبنية التحتية السياحية.

وبالرغم من أن دبي لا تتسامح كثيرا مع حرية التعبير، وتضطهد بلا هوادة النشطاء السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، إلا أنها تسمح باستمرار الدعارة بلا هوادة أيضا.

وبوجود أكثر من 30 ألف عاهرة أجنبية، أُطلق على دبي لقب "سدوم وعمورة" (مدينة في العهد القديم خسف الله بها الأرض جراء ارتكاب أهلها الموبقات).

وقبل بضعة أعوام، أشار رجل دين سعودي أيضا إلى دبي باسم "مدينة الخطيئة"، قبل أن تضغط عليه الحكومة للتراجع عن تصريحه.

وتتمتع دبي ببنية تحتية متطورة تدعم صناعة الدعارة، والتي يدعمها السياح والمغتربين والسكان المحليين على حد سواء.

وعلى عكس أي مكان آخر في الخليج، من المعروف أن دبي تصدر بسرعة التأشيرات السياحية، وهو ما تستغله شركات الإتجار بالبشر لتجنيد الشابات.

وعند الوصول، يتم منحهن تصاريح عمل في مهن وهمية وإجبارهن على العمل في مجال الجنس.

وكمركز دولي لغسيل الأموال، ساهم هذا في ازدهار البناء والتوسع في البنية التحتية.

ولا يوجد دليل على أن الحكومة تسعى بالفعل لغسيل الأموال؛ ومع ذلك، ما هو مؤكد أنه ليس لديها سياسة صارمة لمكافحة غسيل الأموال مقارنة بمعظم البلدان الأخرى، خاصة في الغرب، وهو إغفال يدعو إلى الفساد والأنشطة التجارية المشبوهة.

واتهمت منظمة الشفافية الدولية الإمارات بغض الطرف عن المعاملات التجارية غير القانونية، قائلة إنها "معرضة بشكل لا يصدق لغسيل الأموال".

وتعد دبي أيضا مركزا إقليميا لتجارة الآثار غير المشروعة.

وقام المهربون الدوليون في دبي بشراء القطع الأثرية التي سرقها تنظيم "الدولة الإسلامية" في العراق وسوريا، وانتهى بها الأمر معروضة في المتاحف الغربية.

ويعتمد اقتصاد دبي أيضا على تجارة المخدرات الدولية. ويتم تهريب ما يقرب من 4 مليارات دولار من الهيروين من أفغانستان إلى دبي سنويا.

ووفقا للاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين، قامت الابنة الكبرى للرئيس الأنجولي السابق "خوسيه إدواردو دوس سانتوس" مؤخرا، بتهريب ملايين الدولارات المملوكة للدولة الغنية بالماس والنفط إلى دبي، حيث تقيم الآن.

  • تاريخ من الإتجار بالبشر

وفي عام 2016، أنشأت حكومة دبي "وزارة السعادة"، وهي خطوة أثارت الدهشة بالنظر إلى حجم انتهاكات حقوق الإنسان هناك.

وفي الواقع، لم تبذل الحكومة جهودا مخلصة للتعامل مع قضية الدعارة، والعبودية المغلفة المنتشرة على نطاق واسع، وظروف العمال، الذين يتعين على الكثير منهم دفع راتب العام الأول بالكامل للكفيل، ويعملون في ظروف مزرية 7 أيام في الأسبوع، ويعيشون في مساكن قذرة.

وينتحر عاملان هنديان على الأقل كل أسبوع، ومن المحتمل أن يكون هناك العديد من محاولات الانتحار التي لم يتم الإبلاغ عنها.

وكانت الدعارة صامدة بشكل خاص في دبي، وتسببت في خسائر بشرية كبيرة.

وفي عام 1936، حاول الشيخ "سعيد بن مكتوم" معالجتها بإكراه البغايا على الزواج أو مغادرة الإمارة.

وأمر خليفته الشيخ "راشد" بترحيل جميع البغايا، لكن هذا خلق مشكلة سيولة، حيث قمن بسحب مدخراتهن من البنوك؛ ما أجبره على إعادة التفكير في قراره.

وفي عام 2019، تعاملت اللجنة الوطنية لمكافحة الإتجار بالبشر مع 23 حالة فقط من حالات الإتجار بالبشر، وقدمت الدعم الإنساني لـ 41 ضحية، وحاكمت 67 متّجرا، جميعها تعود لأجانب.

واعترف الرئيس السابق لشرطة دبي "ضاحي خلفان"، بأن الدعارة والكحول آفة موجودة.

وفي عامي 2006 و2015، أدخلت الإمارات قوانين تهدف إلى الظهور أمام الدول الغربية بأنها حريصة على مكافحة الإتجار بالبشر.

لكن جهودها كانت جوفاء. وفي الواقع، تفتقر دبي إلى الإرادة لمعالجة المشكلة بصدق.

  • مستقبل غامض

وبالرغم من بريقها وجاذبيتها للأجانب، إلا أن دبي مدينة سطحية تتكون من أبنية شاهقة فارغة ليس لها طابع وطني أو ديني أو ثقافي مميز.

وهي تواجه منافسة شديدة من دول مجلس التعاون الخليجي التي تريد تنويع اقتصاداتها مع انخفاض أسعار النفط، ويعد مشروع "نيوم" في السعودية مثالا رئيسيا على ذلك.

ولقد تسببت جائحة "كوفيد-19" في خسائر فادحة في اقتصاد دبي، وأدت، من بين أمور أخرى، إلى تأجيل معرض "إكسبو 2020".

وكذلك تضرر قطاعا السياحة والسفر الجوي بشدة.

وفي عام 2019، ساهم القطاعان بنحو 35 مليار دولار في اقتصاد الإمارة، أو 40% من ناتجها المحلي الإجمالي.

ويتجاوز الدين الخارجي لدبي 160 مليار دولار، أو أكثر من 150% من الناتج المحلي الإجمالي، ومن غير الواضح ما إذا كانت أبوظبي الغنية بالنفط ستنقذها كما فعلت عام 2008 بقرض قيمته 20 مليار دولار.

وفي الواقع، ربما لم تعد ناطحات السحاب الشاهقة قادرة على حجب المسار الاقتصادي غير المستدام.

المصدر | هلال خاشان/جيوبوليتيكال فيوتشرز - ترجمة وتحرير الخليج الجديد