الأربعاء 10 فبراير 2021 04:46 ص

تشكل "المجلس الانتقالي الجنوبي" في اليمن تحت رعاية إماراتية في عام 2017، وسبق أن أعلن مرتين "الحكم الذاتي" في اليمن، في أغسطس/آب 2019 وأبريل/نيسان 2020، مما أثار احتمالًا جادًا بعودة اليمن الجنوبي كدولة قومية مستقلة. وسعت السعودية لمنع ذلك خلال عامي 2019 و 2020، من خلال التوسط في اتفاقية الرياض بدعم قوي من واشنطن.

وأدت هذه الاتفاقية الهشة بين "المجلس الانتقالي الجنوبي" وحكومة "عبدربه منصور هادي" المعترف بها من قبل الأمم المتحدة إلى ترتيب تقاسم للسلطة داخل "حكومة وحدة" تم الإعلان عنها مؤخرا.

وفي 30 يناير/كانون الثاني الماضي، سافر ممثلو "المجلس الانتقالي الجنوبي" من أبوظبي إلى موسكو بدعوة من حكومة الرئيس "فلاديمير بوتين". واجتمع وفد المجلس بقيادة "عيدروس الزبيدي"، مع مسؤولين حكوميين روس وأعضاء في مجلس "الدوما" لإجراء محادثات ركزت على اتفاقية الرياض.

وتكشف تصرفات موسكو أنه حتى لو لم تكن تفضل رسميًا أو علنيًا تقسيم اليمن لشمال وجنوب، فإن لها مصالحها الخاصة في تعزيز علاقاتها مع "المجلس الانتقالي الجنوبي" وسط فترة من عدم اليقين الشديد في اليمن مع استمرار الحرب.

هشاشة اتفاقية الرياض

جاءت زيارة "المجلس الانتقالي الجنوبي" الأخيرة إلى موسكو على خلفية التوترات المستمرة بين المجلس وحكومة "هادي"، وبالرغم أن الانهيار الوشيك لاتفاقية الرياض ليس حتميًا، إلا إنه بالتأكيد احتمال قائم، حيث قد تؤدي عوامل مختلفة إلى انهيار صفقة تقاسم السلطة هذه في نهاية المطاف.

وقال الصحفي اليمني المستقل "أبو بكر الفقيه"، إن هذه العوامل تشمل "استمرار الطموحات الانفصالية [للمجلس الانتقالي] والطموحات [الإماراتية] التوسعية، ومحاولة فرض سلطة الأمر الواقع في عدن، وهشاشة حكومة هادي، بالإضافة إلى عدم وجود ضغط سعودي إماراتي حقيقي على المجلس الانتقالي الجنوبي لتنفيذ الشق العسكري من الصفقة".

ولم يتخل "المجلس الانتقالي" تمامًا عن حلمه بإعادة إقامة دولة مستقلة في جنوب اليمن، حتى إنه في وقت وصول "الزبيدي" إلى موسكو، نشر الموقع الرسمي لـ"المجلس الانتقالي" بيانًا قال فيه إنه "جدد مسار الاستقلال واستعادة الدولة الجنوبية بسيادة كاملة"، وبالتالي فإن مثل هذه اللغة تثير التساؤل حول الرغبة الفعلية لـ"المجلس الانتقالي" للالتزام باتفاقية تقاسم السلطة.

سيعتمد نجاح اتفاقية الرياض على المدى الطويل على مدى معالجة الاتفاقية لمظالم اليمنيين الجنوبيين التي تراكمت منذ إعادة توحيد البلاد قبل 31 عامًا. وتشمل هذه المظالم تاريخًا من سوء المعاملة على يد الحكومة المركزية الاستبدادية في اليمن، والتي حدت من حريات اليمنيين الجنوبيين، واستخرجت موارد المناطق الجنوبية، وألغت الفرص التعليمية التي كانت متاحة خلال الحقبة الماركسية في جنوب اليمن.

ونظرًا لأن هذه الظروف جعلت الكثيرين في جنوب اليمن (بما في ذلك أولئك الذين لا يدعمون المجلس الانتقالي الجنوبي) راغبين في الاستقلال، فمن غير الواضح ما إذا كانت "حكومة الوحدة" قادرة على توفير ما يكفي لإقناع اليمنيين في الجنوب بأن مستقبلهم سيكون أفضل في بلد موحد.

موازنات روسيا في اليمن

يُعد الافتقار لدعم المجتمع الدولي لتقسيم اليمن إلى شمال وجنوب عاملاً مهمًا يعيق احتمالات عودة ظهور اليمن الجنوبي، ومع ذلك، فإن روسيا هي القوة العالمية الرئيسية التي تتعاطف مع "المجلس الانتقالي الجنوبي".

وبعد زيارته الأولية إلى موسكو في مارس/آذار 2019، كانت هذه الزيارة في يناير/كانون الثاني هي ثاني زيارة رسمية لـ"المجلس الانتقالي الجنوبي" إلى موسكو. ويسعى المجلس لاكتساب المزيد من الشرعية دوليًا كما يرغب في عدم اعتباره مجرد "وكيل" لدولة الإمارات، لذلك فإن العلاقات المثمرة مع روسيا أمر بالغ الأهمية بالنسبة له.

ومن خلال تعزيز علاقات أعمق مع موسكو، يعمل "المجلس الانتقالي" على جعل "القضية الجنوبية" في اليمن ذات صلة بحل الحرب الأهلية في البلاد في أعين القوى العالمية المؤثرة. أما من الناحية العملية، فإن وجود شراكة قوية مع عضو دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة  يمكن أن تحمي "المجلس الانتقالي الجنوبي" من التهديد المحتمل بفرض عقوبات مستقبلية عليه.

وفي الواقع، فإن روسيا حليف فريد لـ"المجلس الانتقالي"، وبالرغم أن هذه المنظمة التي ترعاها الإمارات تريد بناء علاقات مع القوى العالمية المؤثرة الأخرى، كما يتضح من وجودها في جماعات الضغط في الولايات المتحدة وألمانيا، والزيارات الرسمية إلى لندن، إلا أن روسيا تبرز باعتبارها القوة العالمية الوحيدة التي أبدت الكثير من التعاطف مع المجموعة الانفصالية.

لكن من الناحية الرسمية، تفضل الحكومة الروسية اتفاق الرياض، وتحقق موسكو توازنًا دقيقًا في كيفية تعاملها مع "المجلس الانتقالي الجنوبي" وحكومة "هادي" والمتمردين الحوثيين.

وخلال أغسطس/آب 2019، عندما تصاعدت الأعمال العدائية بين "المجلس الانتقالي الجنوبي" وحكومة "هادي"  كان رد فعل روسيا دقيقًا. وقال الباحث في جامعة أوكسفورد "صموئيل راماني": "انتقدت موسكو الإمارات بحذر لتصعيدها الوضع في اليمن لكنها رفضت إدانة سلوك المجلس الانتقالي الجنوبي. ونظرًا لأن هذا كان توازنًا محرجًا، فقد شعرت روسيا بالارتياح لرؤية اتفاق الرياض في خضم الانقسامات بين المجلس الانتقالي الجنوبي وحكومة هادي".

ويعتبر الأمر الذي سعى الروس إلى تحقيقه في تلك المرحلة هو نفسه ما يسعون إلى تحقيقه اليوم في اليمن، متمثلًا في "الحياد الاستراتيجي"، فموسكو عازمة على الحفاظ على علاقات صحية مع مراكز القوة الرئيسية الثلاثة في اليمن: المتمردون الحوثيون المدعومون من إيران، و"المجلس الانتقالي الجنوبي" المدعوم من الإمارات، وحكومة "هادي" المعترف بها دوليا.

أما المنطق الذي بنت عليه روسيا تصرفها؛ فهو أنه عندما يهدأ الغبار في نهاية المطاف ويكون لهذه المجموعات المختلفة نصيبها من السلطة في فترة ما بعد الصراع، ستكون موسكو قادرة على الاستفادة من علاقاتها المتعددة لتأكيد نفوذ أكبر في اليمن وستحظى بتقدير الأطراف المختلفة على جهودها الدبلوماسية لجلب تلك الأطراف الفاعلة إلى تسوية سياسية لهذه الحرب الأهلية الكابوسية. 

وفي هذا السياق، رأت روسيا أن وجود علاقة صحية مع "المجلس الانتقالي" أمر ضروري، واستثمرت حكومة "بوتين" في هذه العلاقة من خلال الزيارات الدبلوماسية. وفي أوائل عام 2018، عرضت موسكو المساعدة في تهدئة الوضع في عدن من خلال المساعدة الدبلوماسية، حتى أن بعض التقارير زعمت أن الروس أرسلوا متعاقدين عسكريين خاصين إلى جنوب اليمن للمساعدة في تعزيز موقف "المجلس الانتقالي الجنوبي"، لكن هذه التقارير مشكوك في مصداقيتها ومتناقضة.

البناء على إرث سوفيتي

ومن الصعب تحليل علاقة موسكو مع "المجلس الانتقالي الجنوبي" دون النظر إلى الإرث السوفيتي القوي في جنوب اليمن، فعندما كان جنوب اليمن دولة مستقلة (1967-1990)، كانت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية هي النظام الماركسي الوحيد في شبه الجزيرة العربية المتحالف مع السوفييت.

ومنحت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية السوفييت موطئ قدم في عدن وسقطرى وأجزاء أخرى من جنوب اليمن على شكل منشآت عسكرية ورحلات بحثية.

كما يواصل اليمنيون الجنوبيون من الجيل الأكبر سنًا، والذين درسوا في الاتحاد السوفيتي لعب دور في العلاقات الحالية بين روسيا وجنوب اليمن، حيث إن المسؤولين في "المجلس الانتقالي الجنوبي" هم من بين اليمنيين الذين لديهم خبرات تعليمية في الاتحاد السوفيتي أثناء الحرب الباردة، وهو ما يؤثر في علاقة المجموعة الانفصالية بموسكو.

وعلى حد تعبير "راماني"، فإن "الإرث السوفييتي المتمثل في دعم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية يجعل روسيا أيضًا شريكًا قويًا للجمهور المحلي".

وبينما تسعى روسيا إلى ترسيخ نفسها كلاعب رئيسي في البحر الأحمر، فإن الماضي السوفيتي في جنوب اليمن يجعل هذا الجزء من شبه الجزيرة العربية منطقة تتمتع فيها موسكو بفرصة طبيعية لاستعادة نفوذها الذي امتلكته أيام الحقبة السوفيتية (من وجهة نظر الحكومة الروسية).

وتهدف روسيا إلى تعزيز مصالحها الجيوسياسية والاقتصادية ومصالحها في الطاقة في جنوب اليمن مع تعزيز السمعة الروسية في المناطق العربية/الأفريقية الأوسع كقوة بارعة في التوسط لحل النزاعات متعددة الأوجه.

أما بالنسبة للمستقبل؛ فمن المرجح أن يتعامل المسؤولون في موسكو بحذر مع "المسألة الجنوبية" في اليمن نظرًا لاستمرار تقلب بيئة البلد الذي مزقته الحرب.

لكن إذا انهارت اتفاقية الرياض في المستقبل، ستكون روسيا سعيدة بوجود دولة مستقلة في جنوب اليمن تحت حكم "المجلس الانتقالي". ومن وجهة نظر الكرملين، فإن استثمار موسكو في إقامة علاقة جيدة مع المجموعة الانفصالية يبشر بالخير في حال وقوع هذا السيناريو.

وبما أن الإمارات أصبحت واحدة من أهم الشركاء العرب لروسيا، فإن موسكو ستحاول استغلال هذه الشراكة بشكل يساعد على ضمان علاقات عميقة بين روسيا و"المجلس الانتقالي الجنوبي" على المدى الطويل.

ولكن حتى حدوث الانهيار الكبير لاتفاق الرياض، ستظل روسيا مؤيدة للاتفاق، وسيضمن ذلك الموقف ألا تشوه موسكو صورتها الحيادية، والتي تتطلب تجنب التحركات الجريئة في اليمن التي يمكن أن تؤجج التوترات في علاقات روسيا مع السعودية وحكومة "هادي".

وفي الوقت الحالي، يعتبر "عدم الانحياز الاستراتيجي" والمشاركة مع جميع الجهات الفاعلة الرئيسية، سمات لعبة "بوتين" في اليمن.

المصدر | جورجيو كافيرو/ منتدى الخليج الدولي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد