الدولة الأمريكية تشك بمؤسساتها

يتمتع النظام بأمريكا يتمتع بأسباب القوة سياسيا واقتصاديا وعسكريا وتكنولوجيا لكن ذلك يستند لأساس متين يسمونه الإجماع.

والإجماع بحد ذاته مصدر قوة رؤساء أمريكا في إدارتهم للسياسة الخارجية لكن الانقسام حل محله ودبت الشكوك وأخطرها أن تشك الدولة بمؤسساتها.

تقوم الدولة الأمريكية على أساس صلب يعطيها المتانة والقوة كونها دولة مؤسسات متعددة في النظام السياسي الأمريكي.

*     *     *

تتميز الدولة في أمريكا بأنها تقوم على أساس صلب يعطيها المتانة والقوة، وهو كونها دولة مؤسسات، والمؤسسات في النظام السياسي الأمريكي متعددة.

ولها خصائص ونظم عمل تختلف عنها في الدول الأخرى، وهي تعمل وفق قاعدة التوازن بين السلطات، نظراً لعدد مراكز صنع القرار.

هذه المؤسسات لم تكن منفصلة أو منعزلة تماماً عن بعضها البعض، بل إنها سواء ما هو ظاهر للعيان، أو ما قد يكمن في خلفية المشهد، يجمعها فكر سياسي واستراتيجي مشترك.

والخطير في الأمر هذه الأيام أن يصل الحال في اللحظات الأخيرة لترامب في السلطة، وصولاً إلى مرحلة تنصيب بايدن، إلى ظهور الشكوك من الدولة في مؤسساتها، أو على أقل تقدير في بعض مؤسساتها.

اتضح ذلك في البلاغات التي قدمتها أجهزة مخابرات، وأيضاً مكتب التحقيقات الفيدرالي F.B.I، عن توقعهم هجوم داخلي، من بعض عناصر أجهزة الأمن ذاتها، والمكلفة بتأمين حفل تنصيب بايدن، ثم قيام أجهزة مكتب التحقيقات الفيدرالي بالتحقق من عدم وجود أية شكوك في جميع أفراد الحرس الوطني البالغ عددهم 25 ألفاً، والمكلفون بتأمين العاصمة واشنطن، والتأكد من حدوث أية اختراقات أمنية في صفوف الشرطة، وهي المؤسسة الأمنية.

كذلك ما صرحت به قيادات عسكرية بوزارة الدفاع، من أنهم يدركون التهديد المحتمل. بالإضافة إلى تعليماتهم لقيادات الوزارة، بمراعاة أية تصرفات مشبوهة داخل المؤسسة العسكرية.

 وبدأت تتوالى التقديرات عن تعرض مؤسسات الدولة للهجوم.. النائبة عن فرجينيا إيلين لوريا قالت إن ما حدث هو هجوم على دستورنا ومؤسساتنا. بايدن نفسه وصف ما حدث بأن الثقة في مؤسساتنا قد تراجعت.مجلة «اتلانتيك» كتبت مقالاً يقول: حرب ترامب كانت ضد المؤسسات. وإن ما حدث من انقسام داخلي يمكن أن يؤدي إلى حرب أهلية.

ثم علا صوت نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب محذراً، حين قالت إن العدو موجود داخل الكونغرس نفسه. وإننا نحتاج لإجراءات أمن وحماية للأعضاء.

ريتشارد هاس رئيس مجلس العلاقات الخارجية، والذي كان من قبل عضواً في مجلس الأمن القومي للرئيس جورج بوش الأب، توقف أمام هذه الظاهرة. وكتب يقول:

«نحن نشاهد صوراً لم أكن أتخيل أبداً أننا في عاصمة أخرى. لكن ليس في الولايات المتحدة. ومن المحتمل أن يدعو ذلك آخرين في العالم، لعدم النظر إلينا بنفس الطريقة التي كانوا ينظرون إلينا كما كان الحال من قبل. وإذا كانت هناك بداية لعصر ما بعد أمريكا. فمن المؤكد أن البداية هي ما جرى اليوم».

 إن ما كان يعزز قدرة المؤسسات، وخاصة تلك المختصة برسم وتنفيذ استراتيجية السياسة الخارجية، وجود من يسمون النخبة في مراكز الفكر السياسي، وهم حشود من الخبراء المتخصصين والقادرين على تحليل المشهد العالمي، وقراءته بدقة متناهية، ووضع تصوراتهم المستقبلية لتداعيات المشهد المائل أمامهم.

وبعد ذلك – وهذا هو الأهم صياغة رؤيتهم لما يرون أنه الأفضل للسياسة الخارجية فى مختلف مناطق العالم، أو تجاه دولة بعينها.

 لكن ما حدث فى صفوفهم – وهم بالضرورة في مقدمة مؤسسات السياسة الخارجية – هو الانقسام الذي تحول إلى ظاهرة مقلقة في المجتمع الأمريكي، باعتبارهم المخزون الاستراتيجي للدولة، والذي يضم أصحاب الخبرة، والتجربة، والتخصص في مجالاتهم.

لا خلاف على أن النظام في أمريكا يتمتع بأسباب القوة سياسياً، واقتصادياً، وعسكرياً، وتكنولوجياً،لكن ذلك كله كان يستند إلى أساس متين كانوا يسمونه في أمريكا الإجماع.

والإجماع في حد ذاته كان في رأي رؤساء أمريكا مصدر قوتهم في إدارتهم للسياسة الخارجية.

لكن الانقسام حل محل الإجماع، ودبت في صفوفه الشكوك وأخطرها أن تشك الدولة في مؤسساتها.

* عاطف الغمري كاتب صحفي مصري

المصدر | الخليج