الخليج العربي.. لا ديمقراطية دون مجتمع مدني

نموذج المستبد المقدس وتعظيم الحاكم على حساب حقوق الرعية باطل لا حقائق تدعمه في التشريع الإسلامي.

المجتمع المدني أحد وسائط تحييد تغوّل السلطة على حياة الفرد وحقوقه وصناعة جسورٍ قانونيةٍ بين الفرد والدولة وبين المجتمع وأطيافه.

مطلوب تأسيس صناعةٍ دستوريةٍ تضبط تقاسم السلطات وتقننها قضائيا وحقوقيا وهو ما ظلّ قاصراً عن الحد الأدنى لنهوض الدولة الحديثة.

المهم تقليص ثقافة التعصّب للفئة لصالح الجماعة الوطنية ورفض العصبية القبلية على حساب الحقوق الفردية والمجتمع الوطني الآخر.

الجدل لمنع نموذج ديمقراطي يراعي المرجعية الأخلاقية والفكرية للشعوب حجةً لمنع المشاركة الشعبية بالخليج مما ساهم في كوارث المنطقة السياسية.

*     *     *

أول ما يُستشكل على هذا العنوان إعادة النظر في علاقة المجتمع العربي في الخليج بمصطلحي الديمقراطية والمجتمع المدني. وعلى الرغم من تكرار مصطلحات المَلكية أو الإمارة الدستورية في حركة الثقافة العربية في الخليج، إلّا أنها لم تستوفِ مساحتها من الجدل الفكري، وخصوصا من خلال تناقل المفاهيم وتبسيطها بين أبناء الشعب.

ولا يُشكك ذلك في قدم طرح هذه المفاهيم، فهي جالت بلدان الشرق المسلم، وبقية الوطن العربي، منذ بدأت قبل ثلاثمئة عام، إثر محاولات الإصلاح للدولة العثمانية في حينها.

وتبعاً لمآلات التخلف والهيمنة التي وُرثت بعد ذلك لصالح الانتداب الإنكليزي، وهو صيغة وصاية استعمارية، حوّل التاج الملكي البريطاني واقع الخليج العربي إلى مشيخاتٍ تشرف لندن على صراعها، وتُخضعها لمصالح إنكلترا العليا، لا مصالح مشتركة لهذه المشيخات التي بدأت بعد ذلك رحلة تشكل الدولة القُطرية في الخليج.

هذه الرحلة لو بدأت منذ يومها تأسيس المجتمع المدني، المقترن بالضرورة بتنظيم مفهوم المواطنة، حقوقياً وقانونياً وأخلاقياً بين المجتمع وشرائحه، وبين المجتمع والدولة، لكان ذلك أبرز معالم التحضّر والتقدّم، وأهم مسارات الدفع لشراكة تنموية فاعلة.

طبعاً مع الأسف، فإن هذا البعد التنموي البشري لم يكن غائباً، غير أن مؤسسات الحكم حرصت على هيمنة الجانب الأمني، بدلاً من الأمن الحقوقي الذي يضمن للدولة والشعب أفضل مسارات القوة والتعاضد، قبل أن يقطع التطرف الأمني طريق الإصلاح المعبّد.

وهذا لا يعني الخروج من إشكالية فكرة الأنظمة الرعوية في الخليج، فهذا الواقع السياسي لم تتمكّن الحركات التقدّمية في الخليج العربي، بعد رحلة صراع صعبة من إسقاطه، وإنما تم استيعابه ثقافيا وحقوقياً، بتعزيز هذه الرعاية في جانبها الاجتماعي والتضامني، والذي يلعب التشكل القبلي والأسري الحضري دوراً كبيراً فيه، كمكون اجتماعي تاريخي.

لكن مع تأسيس صناعةٍ دستوريةٍ تضبط تقاسم السلطات، وتقنينها قضائياً وحقوقياً، وهو ما ظلّ قاصراً عن الحد الأدنى الذي يمكن أن تنهض به الدولة الحديثة.

أما مسألة الرعوية الأبوية، فإذا فُرز منها الوصاية الباطشة على الشعب وغصب حقوقهم، ومنعهم من إبداء رأيهم سياسة وفكراً، فغياب نموذجها للحكم العشائري للخليج العربي لم يُنقذ بلدان الهلال الخصيب ومصر والعراق.

وظل ترديد الشعارات في رحلة اليمن الكبير جنوباً وشمالاً حبرا على ورق، فمن حسم في صراعات الجمهوريين والإمامية المتخلفة، وصراع الماركسيين، كان الإسناد القبلي. ..

نعم هنا يبرز وعي المصطلحات، وتنظيم التفويج الشعبي لصالح المستقبل المدني وربط الشعب به، لكن هذا يقوم على تحقيق المقصد فعلياً، لا المصطلح الدعائي الذي كان مفلساً في التجربة الشيوعية، وهو اليوم يفشل في حماية الحقوق الدستورية لبقية شرائح المواطنين الملوّنين، في التجربة الليبرالية الغربية.

مذكّرين دوماً بأن نقدنا الغرب لا يعني تزكية الإرث المستمر لتخلف المستبد العربي، لكن مآل الأحزاب التي اتخذت من المصطلحات المدنية رسالةً لمشروع تقدّمي لشعبها، عاشت في العراق وفي الشام الكبرى وفي مصر، واقع مُر يقطر دماً ومآسي.

وهنا المفصل المهم في رحلة الضمير الحقوقي للشعب العربي في الخليج، فقضية القبيلة والفِلاحة والساحل، والشعبية التراثية، كلها لا تعني أنها بنية أنثروبولوجية، عاجزة عن تأسيس معادلة دولة المواطنة وتحقيقها، وإنما في انتظام كل هذه الشرائح، في المجتمع المدني، فالدولة المحتجّة بطباع القصور والتعصّب في الخليج العربي هي المسؤولة عن تمكين هذه الأمراض.

وكان ممكناً تضييق هذه الآفات وحصارها، لو عملت الدولة على تكريس ثقافةٍ أخلاقيةٍ نوعية للآباء، وتعليم أطفالهم بأن الشريك، أياً كان انتماؤه عرقياً أو دينياً أو طبقياً، هو أخٌ لك منذ طفولتك حتى وظيفتك، وهي أهم منظومةٍ أخلاقيةٍ تجتهد على تكريسها مؤسسات المجتمع المدني وفعالياته.

فالمهم هنا تقليص ثقافة التعصّب للفئة لصالح الجماعة الوطنية، ورفض العصبية القبلية على حساب الحقوق الفردية والمجتمع الوطني الآخر. ولن تنفع المواسم الديمقراطية، من دون أن تكون الثقافة الأخلاقية والحقوقية عميقةً في وجدان الناس، إذ لن يعدو الأمر مواسم كرنفالية للتصويت، والديمقراطية الفاعلة المنتجة فلسفة حقوق، لا بطاقات أوراق تشحن في الصناديق الفارغة من القيم.

لقد سقطت اليوم منظومة الاحتجاجات الفارغة التي كانت تعتمد على دعوى أن الديمقراطية والمجتمع المدني مناهضان للإسلام، وأن الإسلام، كهوية أخلاقية وقيمية وحضارية وتشريعية، لا يُناسبه ترسية المجتمع المدني وتشريعات مؤسساته وأنشطته، فالمجتمع المدني منظومة فعاليات، ليس من مهمته إسقاط قيم الأخلاق، ولا التهوين من الضمير الديني في روح الفرد.

بل العكس يُحوّل ذلك الضمير إلى قواعد تعامل في التضامن ومد يد العون، ورفض الفساد والبيروقراطية، وإيجاد مساحات وعي للحقوق الإنسانية، وذلك كله من صلب تعاليم الرسالة الإسلامية.

أما نموذج المستبد المقدس وتعظيم الحاكم على حساب الحقوق، فهو نحلٌ باطل لا حقائق تدعمه في التشريع الإسلامي، وإنما المجتمع المدني هو أحد وسائط تحييد تغوّل السلطة على حياة الفرد وحقوقه، وصناعة جسورٍ قانونيةٍ بين الفرد والدولة، وبين المجتمع وأطيافه.

وكون المجتمع المدني مقدمة لازمة للديمقراطية، فهنا المفهوم الديمقراطي لا يُلغي قيم المجتمع المسلم، والجدل على مواد التشريع الأساسية غالبه تحوّل إلى صراعاتٍ سياسيةٍ ساهمت في نزع حقوق المشاركة الشعبية.

وكان بالإمكان التفاهم على نصوص دستورية، في المواد الأصلية، تعزّز مساحة الحرية والاجتهاد لصالح دولة المواطنة والحقوق، وليست محتاجةً بأن تنصّ على مخالفة الشريعة، وهذا في الأصل ليس واردا، فغالبا يقع الإشكال في التشريعات الفرعية، أو القوانين الإدارية التي تحتاج إلى مرونة من دون إسقاط تشريع إسلامي قطعي.

وعليه، فالجدل لمنع نموذج ديمقراطي، يراعي المرجعية الأخلاقية والفكرية للشعوب، لم يكن إلا حجةً لمنع المشاركة الشعبية في الخليج، وهو ما ساهم في كوارث المنطقة السياسية.

* مهنا الحبيل باحث عربي مستقل، مدير المركز الكندي للاستشارات الفكرية

المصدر | العربي الجديد