الخميس 18 فبراير 2021 01:44 م

عن دلالات «واقعة أربيل» وتداعياتها

الدولة العراقية حكومة ورئاسة وقوى أمنية وعسكرية لا تتفق مع إيران والحشد الشعبي حول أولوية إخراج القوات الأمريكية.

تندرج واقعة أربيل في سياق الرد الاستراتيجي لإيران على مقتل سليماني حيث وضعت إخراج القوات الأمريكية من العراق ثمناً لرأسه.

«المصيبة أعظم» عندما تكون إيران غافلة عمّا تفعله مليشيات أنشأتها بالعراق لكأنها أطلقت وحشا ولم تعد تتحكم بسلوكه وردات أفعاله.

*     *     *

في الهجوم الصاروخي على مطار أربيل، ثمة ما هو «مُتفق» مع هجمات مماثلة سابقة، وثمة ما هو «مُفترِق» عنها جميعها. المشترك بين هذه الهجمات، أنها من فعل «فاعل واحد»: مليشيات الحشد الشعبي، المعلومة منها، وتلك التي تظهر على حين غرة...

وأنها تندرج في سياق «الرد الاستراتيجي» لإيران على مقتل قاسم سليماني، حيث وضعت طهران إخراج القوات الأمريكية من العراق، ثمناً لرأسه.

أما المُختلف، فكونها ضربت في قلب عاصمة «الإقليم» هذه المرة، ما سيتسبب في تعميق الأزمة بين أربيل وبغداد، رسمياً وعلى مستوى «المكونات» العراقية كذلك.

كدأبها دوماً، لم تبق جهة رسمية واحدة في العراق، لم تستنكر الهجوم، وتصفه بالإرهابي، من رأس الدولة إلى رأس الحكومة، مروراً بمروحة واسعة من كبار المسؤولين السياسيين والأمنيين والعسكريين..

وكدأبها في كل مرة، لم تتوان الحكومة العراقية عن تشكيل «لجنة تحقيق» لمعرفة ملابسات الاعتداء ومحاسبة المسؤولين عنه...بيانات استنكار، سرعان ما تفقد مفاعليها بعيد صدورها، ولجان تحقيق لا تصل إلى نتيجة.

إيران، غالباً ما تتنصل من ضلوعها في أحداثٍ من هذا النوع، توجيهاً أو تدبيراً. هذه المرة، جاء تعقيب إيران مُترعاً بالشجب والاستنكار، نافياً أية صلة لها بالعملية أو علمٍ بهوية منفذيها.

الشجب والنفي، من مستلزمات «حرب الوكالة»، وإلا لما أسميت بهذا الاسم، وقِلّة فقط، أخذت البيان الإيراني على محمل الجد، لكن كثرة العواصم والأجهزة والمراقبين، لا تصدق طهران حين تستنكر وتنفي مسؤوليتها.

ومن يصدقها، يعتقد بأن «المصيبة أعظم» عندما تكون طهران غافلة عمّا تفعله المليشيات التي أنشأتها في العراق، لكأنها أطلقت «وحشاً» ولم تعد تستطيع التحكم بسلوكه وردات أفعاله.

اليوم، وفي أربيل، وأكثر من أي وقت مضى، تسقط «أكذوبة» أن «الحشد» مؤسسة أمنية عسكرية أمنية «رسمية»، تتبع «القائد العام»، الذي هو رئيس الحكومة بالمناسبة.

هؤلاء ليسوا ضمن مؤسسات الدولة، هؤلاء هم القاعدة العسكرية لقوى تمارس «السلطة»، من داخل المؤسسات ومن خارجها، وغالباً، على قاعدة التبعية التامة لمرجعياتها الأمنية والدينية في طهران.

حين يتصرف «الحشد»، كُلّه أو جُلّه، بالضد من إرادة الحكومة ورئاسة الدولة، بل ويعمد إلى أسلوب «منح» رئيس الحكومة مهلاً زمنية قصيرة ومشروطة، لإخراج القوات الأمريكية من العراق.

فهذا شاهد على منطق «الاملاءات» وليس تعبيراً عن الانضباط للمستوى السياسي والالتزام بقرارات وتوجيهات «القائد العام».

بعض «الحشديين» يستند إلى قرار البرلمان العراقي مطلع العام الفائت، بـ«تنظيف» العراق من الوجود العراقي رداً على مقتل سليماني والمهندس، لكن العراقيين جميعاً يعرفون ملابسات اتخاذ ذاك القرار، وظروفه ومن اتخذه:

إنه قرار اللون المذهبي الواحد، في لحظة مشحونة، وعند خط «التوتر العالي» بين طهران وواشنطن!

بقية المكونات العاقية لم تكن شريكة في اتخاذ القرار، وعملية أربيل ستزيد انقسامات حول «كيفية التعامل مع الوجود الأمريكي في العراق.

الدولة العراقية، حكومة ورئاسة وقوى أمنية وعسكرية، لا تتفق مع إيران ولا مع «الحشد الشعبي» حول أولوية خروج أو إخراج القوات الأمريكية من العراق. فهي ترى أنها ضرورية لاستكمال الحرب على داعش، وهي ترى أنها «عامل توازن» مع النفوذ الإيراني في العراق...

ولو أن خروج الأمريكيين من العراق جاء في سياق استعادة البلاد لوحدتها وسيادتها، لكان الأمر مقبولاً ومطلوباً، أما أن يكون هدف هذا «الشعار» الإبقاء على العراق في القبضة الإيرانية، ولغاية تعزيزها!

فذلك ما لا تريده أغلبية عراقية، مكونات وأفراداً، بدلالة الشعار الذي أطلقته ملايين العراقيين في انتفاضة تشرين 2019 فدعونا أيضاً، لا نُخدع بأكذوبة أن الحشد ينفذ الإرادة الشعبية والرسمية العراقية بطرد الأمريكيين وحدهم من العراق.

* عريب الرنتاوي كاتب صحفي أردني

المصدر | الدستور