السبت 20 فبراير 2021 03:57 م

بينما خرج أعضاء النظام الإيراني في مسيرة بالعاصمة طهران، 10 فبراير/شباط الجاري، للاحتفال بذكرى  الثورة الإسلامية، كان "محمود أحمدي نجاد" يعقد اجتماعه الخاص.

إذ تجمع أنصار الرئيس السابق، الذي كان منزعجا من رجال الدين والليبراليين على حد سواء، خارج شقته الكائنة في حي متواضع بالعاصمة طهران؛ حيث دعوا الله أن يمنحه فترة ولاية ثالثة.

في نهاية المطاف، فرقت الشرطة الحشد بدعوى عدم الحصول على ترخيص، وفي خطوة مثيرة للسخرية، اتهم "أحمدي نجاد" الرئيس الحالي المعتدل نسبيا "حسن روحاني" بـ"التعدي على قدسية الحرية".

فقد فعل "أحمدي نجاد" الكثير من ذلك عندما كان في السلطة في عام 2009، بعد فوزه بولاية ثانية في انتخابات مريبة، سحق أكبر احتجاجات في إيران منذ الثورة الإسلامية عام 1979، ورآه خصومه على أنه صانع للشعبوية، حتى حلفاءه الأقوياء سئموا منه.

لكن مع استعداد إيران لإجراء انتخابات رئاسية في يونيو/حزيران المقبل، يفكر "أحمدي نجاد" في خوض السباق مرة أخرى، وتقول استطلاعات الرأي إنه المرشح الأوفر حظا إذا سمح له رجال الدين بالوقوف على قدميه مجددا.

يقول المفكر وأستاذ العلوم السياسية في جامعة طهران "صادق زيبا كلام" إن "أحمدي نجاد"، "يتمتع بشعبية هائلة، خاصة بين الإيرانيين الأقل تعليما والأقل ثراء".

مشوار سياسي مبكر

بدأ "أحمدي نجاد" مشواره السياسي عندما كان طالبا بالجامعة أيام الثورة؛ حيث شارك آنذاك في تأسيس مجموعة عملت على توحيد الفصائل الطلابية الثورية، واتهمه البعض بالتورط مباشرة في اقتحام السفارة الأمريكية في طهران واحتجاز رهائن. لكن "أحمدي نجاد" ينفي ذلك (يبدو أنه كان يعتقد أن السفارة السوفيتية كانت هدفا يستحق أكثر).

انضم لاحقا إلى قوات الباسيج، وهي ميليشيا يديرها الحرس الثوري الإيراني، الذي يعد بدوره أقوى قوة أمنية لدى النظام، لكن توليه منصب عمدة طهران كان ما ميزه باعتباره في عيون الناس رجلا محافظا ومعبرا عنهم. فبعد تعيينه في 2003، تراجع عن الإصلاحات الليبرالية التي جاء بها أسلافه، ونجح في نيل الدعم الشعبي بمساعدته كناسي الشوارع على سبيل المثال في جمع القمامة.

أجرت إيران انتخابات رئاسية عام 2005، وحينها، كما هو الحال الآن، كان الجمهور غاضبا من الفاسدين داخل النظام الذين يتلاعبون بالاقتصاد، ورأى كثيرون في "أحمدي نجاد" شخصا سيواجه النخبة ويجري عملية تطهير.

كان ارتداؤه للقمصان الكاروه المتواضعة واستخدامه اللغة العامية في خطابات حملته الانتخابية يتناقضان مع رجال الدين، لكنه مع ذلك كان مدعوما أيضا من ناخبين محافظين، والأهم، من المرشد الأعلى "علي خامنئي".

أول رئيس علماني

أصبح "أحمدي نجاد" الرجل العلماني الأول والوحيد الذي يفوز بالرئاسة منذ عام 1981، وخلال ولايتين رئاسيتين مثيرتين للجدل (من 2005 حتى 2013)، ندد بأمريكا وإسرائيل والدول العربية؛ ما أدى إلى توتر العلاقات مع تلك الدول.

وفي الداخل، زاد الإنفاق وأبقى على الدعم، فنال دعم الفقراء، لكن تسبب في عجز مالي كبير، على الرغم من عائدات النفط القياسية، كما أنه خاض كفاحا مع رجال الدين بسبب مسائل شخصية، فضلا عن أسباب أخرى، وقد دعموا إعادة انتخابه في عام 2009 وقمع الاحتجاجات، لكن العداء بين الطرفين تنامى لاحقا.

فعندما طلب من "خامنئي" الإذن بالترشح مجددا عام 2017، أخبره الأخير بأن ذلك ليس في مصلحة إيران، وفي نهاية المطاف، قوبل ترشحه بالرفض من قبل "مجلس صيانة الدستور"، وهو الجهة التي تشرف على المسائل الانتخابية ويسيطر عليها "خامنئي".

اندلعت احتجاجات بسبب الوضع الاقتصادي في وقت لاحق من ذلك العام، كان رد فعل "أحمدي نجاد" حذرا في البداية (ما أغضب البعض)، لكنه انتقد بعد ذلك كافة قادة إيران.

وفي الآونة الأخيرة، كتب رسالة إلى الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" يخبره فيها بألا يبقى في الحكم إلى الأبد، نُظِر إلى ذلك باعتباره رسالة موجهة إلى "خامنئي"، فأغلقت السلطات موقع "أحمدي نجاد" على الإنترنت وألقت القبض على بعض مستشاريه.

تراجع العداء لأمريكا

وفي حين تدهورت علاقة "أحمدي نجاد" مع رجال الدين أكثر، يبدو أن عداءه لأمريكا يتضاءل، فخلال مدته في منصب الرئاسة، حشدت أمريكا الدعم الدولي لعقوبات اقتصادية تهدف إلى وقف برنامج إيران النووي، وجعل ذلك خطاب "أحمدي نجاد" التهديدي أسهل (قال ذات مرة إنه يجب "محو إسرائيل من الخريطة").

لكنه دعا عام 2019، الحكومة الإيرانية إلى التحدث مع الرئيس الأمريكي آنذاك "دونالد ترامب"، ربما رأى "أحمدي نجاد" شيئا من نفسه في "ترامب"؛ فالأخير أيضا شخصية ديماجوجية شعبوية.

وينشر "أحمدي نجاد" تغريدات على منصة "تويتر" (عكس ترامب الذي حُظِر منها). فيكتب ملاحظات إلى نجمة السينما الأمريكية "أنجلينا جولي"، ويقتبس عن مغني الراب الأمريكي الراحل "توباك شوكار".

وتحدث في يناير/كانون الثاني الماضي، مع شبكة "فوكس نيوز" الأمريكية التي كثيرا ما يكون ضيوفها متشددين حيال إيران، وقال آنذاك: "بعثتُ برسالة إلى الرئيس جو بايدن بعد انتخابه".

لا يُعرف مضمون الرسالة، لكن الخطوة تشير إلى أنه قد يكون منفتحا على الحوار مع الرئيس الأمريكي الجديد أيضا "جو بايدن".

يقول "زيبا كلام" إن "أحمدي نجاد جريء بما فيه الكفاية لعمل ذلك، وهو على عكس روحاني، لا يخشى غضب المرشد الأعلى".

لكن هل سيسمح له المرشد الأعلى بالترشح؟

قد ينظر رجال الدين إلى ترشحه على أنه وسيلة لزيادة الإقبال على التصويت في وقت تتصاعد فيه خيبة الأمل بالشارع جراء الأوضاع الراهنة في البلاد، لكن من الواضح أنهم لا يثقون به.

 من جانبه، يبقى "أحمدي نجاد" متكتما بشأن مستقبله، وبصرف النظر عن ترشحه من عدمه، يعتقد كثيرون أنه سيستمر في التأثير بالحياة السياسية.

 يصفه المنتقدون بأنه "طفل وقح لا يمكن ترويضه"، وعن ذلك، يقول "سعيد جولكار"، وهو مراقب للشأن الإيراني في أمريكا، إن "أحمدي نجاد يحاول أن يبقى مهما إلى حين وقت الأزمة. فإذا ما مات المرشد الأعلى أو انهار النظام، يريد أن يكون حاضرا لملء الفراغ". 

المصدر | ذي إيكونوميست - ترجمة وتحرير الخليج الجديد