الخميس 25 فبراير 2021 04:55 ص

الكرب المستدام ومفارقات مفهوم «الأزمة»

الشيوع الهائل لمفهوم الأزمة أفق الذي لا يمكن تجاوزه في عصرنا والذي ينحو الى تظهيره كعصر بلا أفق سوى تلاطم أزماته.

الجائحة أزمة والانهيار المالي أزمة واستعصاء أي إصلاح أو تغيير في النظام السياسي أزمة وانكماش الشارع أو إحباطه أزمة!

ما لبنان في هذه الحالة الا نموذجاً قصوياً عن مجتمع يرزح تحت ما لا يطاق من أزمات ويعيش اللا أفق كفعل كينونة في نفس الوقت

*     *     *

«الأزمة» إصطلاح بات يستعمر كل شيء حولنا، وتلوكه صبحاً ومساءً جميع الألسنة لتوصيف مجموع أزمات، أو إحداها. فالجائحة أزمة، والانهيار المالي أزمة، واستعصاء أي إصلاح أو تغيير في النظام السياسي أزمة، وانكماش الشارع أو إحباطه أزمة.

هذا بالنسبة إلى من يعايش الواقع من لبنان مثلا – ككاتب هذه السطور – ولن تختلف الحال كثيرا في المنطقة العربية التي ترزح تحت وابل من الأزمات المتراكمة، المزمنة منها– راكدة أو مشتعلة– والمستجدة، الخاصة بكل بلد أو الشاملة لسائر الإقليم.

مثلما أن الأسئلة التي ما فتئت تشغل ثقافتنا هي إن كانت في أزمة، أو أنّ الإسلام يعيش أزمة، أم أن الحضارة الإنسانية كلها مسكونة بالأزمة، أم أن الإنسان بذاته حيوان مأزوم بطبعه.

وقد تكون الحال أرحم في مناطق من العالم أخرى، تستهلك مفهوم الأزمة بدرجة أقل، لكن فيها أيضا يصعب ان يمر حديث عن كورونا أو عن اقتصاد أو عن سياسة لا يداخله مفهوم الأزمة، ويكاد الحديث عن أزمة الديمقراطية يداهم كل تناول لمسائل الديمقراطية والحياة اليومية.

لأجل هذا، واذا كان بالمتسع محاكاة قولة سارتر عن الماركسية، «أفق العصر الذي لا يمكن تجاوزه» هذا بالنسبة إلى عصر لم يعد هو عصرنا، فربما قلنا اليوم ان هذا الشيوع الهائل لمفهوم الأزمة هو الأفق الذي لا يمكن تجاوزه في عصرنا، والذي ينحو الى تظهيره كعصر بلا أفق سوى تلاطم أزماته. وما لبنان في هذه الحالة الا نموذجاً قصوياً عن مجتمع يرزح تحت ما لا يطاق من أزمات ويعيش اللا أفق كفعل كينونة في نفس الوقت.

في القرن الماضي، لعبت الماركسية دوراً ترويجياً لاصطلاح الأزمة كما لو أنها شيء حيوي. ما بين سبر الأزمات الدورية للرأسمالية وما بين ترقب الأزمة النهائية لها. هنا أزمة فائض انتاج وهناك أزمة ركود.

مرة يدور الكلام عن أزمة التوسع الرأسمالي ومرة عن أزمة العملية الثورية. وهذا لينين يعتني بالأزمة الشاملة، التي لا تكون فقط حين لا يعود بإمكان «الذين تحت» الاستمرار في العيش كما في السابق، بل حين لا يعود بإمكان «الذين فوق» الاستمرار في السيطرة كما في السابق. وذاك غرامشي ينحو صوب الوحوش المتفلتة ما بين أزمة القديم الذي يمضي والجديد الذي لم ينبلج سرّه بعد.

الماركسية بمعنى من المعاني حملت معها نوستالجيا لمفهوم ما قبل حديث عن الأزمة. فالأزمة في العصرين القديم والوسيط، كاصطلاح طبي، كانت تعني اللحظة الفاصلة في مسار مريض يقف جسده على المفترق، ما بين الشفاء أو الموت أو اشتداد الداء. الأزمة بالمفهوم الطبي كانت تحمل دلالة الفصل بين المسارات، والتعجيل بسلوك إحداها.

ما عادت طريق مفهوم الأزمة كذلك اليوم. أفلت المفهوم من دلالته الطبية الأبوقراطية مجددا، بحيث بتنا عندما نتكلم عن أزمات نعني بها بشكل او بآخر أزمات مستدامة، بكل مفارقات الأمر، كما بالنسبة للاصطلاح العربي، حيث الأزمة قرين الشدّة والقحط، ومن ضمن هذا فحوى حكمة الشاعر العربي: «اشتدّي أزمة تنفرجي» ومن تفاسيرها أن الأزمة تعني السنة المُجدبة. وابن منظور في لسان العرب يعيدها الى الأزمّ، شدة العضّ بالفمّ كلّه، ولهذا سميت الأنياب بالأوازم.

فهل انتقلنا الى زمن يصير اشتداد الأزمة باب للمراوحة في التأزم، لا فرج فيه من بعد كرب؟

إسهام الفيلسوفة الفرنسية ميريام ريفو دالون مفتاحي هنا، في كتابها «الأزمة بلا نهاية» 2012، وهي تمضي في إثر بول ريكور الذي سبقها الى السؤال «هل الأزمة ظاهرة محض حديثة؟».

فالأزمة كرايسيز باليونانية، انتقلت من مضمار القوانين الى مدونة الحكيم أبقراط. الأزمة عندما يشتد الداء أو يفتر، أو عندما يتحول إلى داء آخر أو ينتهي، بالشفاء أو بالموت. فالأزمة إدغام. تخبر عن نفسها من جهة المريض الذي يكابدها، والطبيب الذي يعاينها.

لكن الأزمة لم تعد محصورة بالمعجم الطبي بدءاً من القرن الثامن عشر. في الفترة نفسها التي سيصفها بول هازار بفترة «أزمة الوعي الأوروبي» سيشيع المفهوم في كل الحقول، وبشكل أساسي، سيدمغ اكثر فاكثر مفهوم التاريخ.

سيعني أزمة بين القديم والجديد، وأزمة في كل من القديم والجديد. لكن الأزمة سترادف الحداثة نفسها شيئاً بعد شيء. اقتضاء الحداثة معاييراً من لدنها سيترجم أزمة في الأساسات والمعايير والهويات. أزمة «مساوية في الجوهر» للحداثة.

والقرن الثامن عشر نفسه، أي عصر التنوير، الذي أشاع استخدام الأزمة، كريزيس، خارج الحقل الطبي، هو نفسه الذي أخرج ما كان قبلذاك، وصفا لحالة متأزمة، الحالة «الكريتيك» لمريض، ليصير مفهوماً لا علاقة له، مباشرة بالأزمة، هو مفهوم الكريتيك الحديث، أي النقد.

المعاينة الذاتية، ثم النظر في الشروط الموضوعية للمعاينة الذاتية، ثم الرغبة في معاينة ما هو براني بنفس الحرية المنتزعة عند معاينة ما هو جواني، أي اقتران الكريتيك بالنزوع الى تحسين أوضاع العالم.

بعض من أزمات ما نرزح تحته هو وليد «الانشقاق» الذي حصل في عصر التنوير بين مفهومي «الأزمة» (كرايسيز) و«النقد» (كريتيك). بسبب من هذا الانشقاق صارت شغلة النقد الاسهام في التكشيف عن الأزمات ونقدها أي تأمين شروط تجاوزها.

وحده روسو، كما تظهر ريفو دالون، كان له مذهب آخر، نظراً لتشاؤميته التي جعلته أبعد مسافة من مفهوم «التقدم». فقد أحل روسو انعدام الأمان وضراوة الارتياب في عمق تفكر مجرى ومجريات التاريخ.

الخوض في الأزمات لا يعود مرتبطاً إذاك بوهم تبديدها من حيث هي زمان التاريخ نفسه، لا سيما وان حداثة هذا الزمان تعني تطوره أكثر فأكثر كعصر «ما بعد بطولي»!

عصر يستهلك لظهور مشاريع الأبطال فيه بسرعة أشد من استهلاك السلع. في الوقت عينه، كلما شاع مفهوم الأزمة شاعت معه أزمته مفهوم، أي زادت بشكل أو بآخر حمولته من العدم.

* وسام سعادة كاتب لبناني

المصدر | القدس العربي