الثلاثاء 2 مارس 2021 06:45 م

لن يكون طريق المفاوضات بين القوى العالمية وإيران سهلا، نظرا للسياسات الداخلية في الولايات المتحدة وإيران، واعتراضات الحلفاء الإقليميين للولايات المتحدة. وفي الوقت الذي تعرض فيه إدارة الرئيس الأمريكي "جو بايدن" استئناف المحادثات مع إيران، فإن العلاقات الاقتصادية القوية لدولة الإمارات وعلاقاتها القديمة مع إيران تمكنها من لعب دور محوري في التواصل الخليجي مع طهران.

وبالرغم من التوترات الإقليمية مع إيران، حافظت الإمارات على علاقات مع إيران في مجالات مختلفة. وعندما تعرضت السفارة السعودية في طهران للهجوم في يناير/كانون الثاني 2016، خفضت الإمارات العلاقات، لكنها حافظت على التمثيل الدبلوماسي في إيران، رغم أن السعودية والبحرين وعدة دول أخرى قطعت العلاقات مع طهران.

وفي عام 2020، انضمت الإمارات إلى الكويت وقطر لتقديم المساعدة لإيران خلال جائحة فيروس كورونا، وقامت بتشغيل العديد من رحلات الطوارئ الطبية كجزء من دعاية "روح التسامح"، ووقتها صرح وزير الخارجية الإيراني "محمد جواد ظريف"، أن بلاده اتفقت مع الإمارات على "مواصلة الحوار حول الأمل في المنطقة".

وتعد العلاقات التجارية المهمة مع إيران جزءا من أسباب احتفاظ الإمارات بعلاقاتها مع طهران. وعندما بدأت المحادثات النووية بين القوى العالمية وإيران عام 2013، كانت الإمارات تشكل 96.7% من صادرات مجلس التعاون الخليجي إلى إيران.

وفي عام 2015، كان لدى إيران 200 مليار دولار من الاستثمارات في الإمارات. وفي عام 2017، كانت الدولة الخليجية الشريك المستورد الرئيسي لطهران، وبلغ حجم التجارة بين البلدين 12.9 مليار دولار. وكان جزء كبير من هذا الواردات يأتي من إيران إلى الفجيرة، التي كانت تعمل كمحور للتزود بالوقود ومركز لتخزين الوقود للسفن التجارية.

وحتى نهاية إدارة الرئيس الأمريكي "باراك أوباما"، اتبعت الإمارات سياسة الولايات المتحدة في تشجيع التجارة مع إيران، بعد أن خففت واشنطن العقوبات ضد إيران بموجب الاتفاق النووي الذي يعرف بـ "خطة العمل الشاملة المشتركة".

وأدى انسحاب الولايات المتحدة من خطة العمل الشاملة المشتركة، وما تلاه من إعادة فرض للعقوبات على إيران في 2018، إلى إدخال الإمارات لوائح جديدة للامتثال للعقوبات وتقييد التأشيرات وفرض لوائح مصرفية أكثر صرامة على إيران. لكن الإمارات ظلت الشريك التجاري الأول لإيران، بالرغم من انخفاض حجم التجارة إلى 3.5 مليار دولار في عام 2019، وقد اشتمل ثلثا حجم التجارة على إعادة تصدير المنتجات الإيرانية عبر دبي امتثالا للإعفاءات من العقوبات التي أصدرتها الولايات المتحدة.

وفي أعقاب هجمات الناقلات في مضيق هرمز، أرسلت الإمارات وفدا من خفر سواحلها في يوليو/تموز 2019 إلى طهران لإجراء محادثات أمنية بحرية مع المسؤولين الإيرانيين. وشجعت طهران التجارة مع جمعية التجار الإماراتيين، وفي سبتمبر/أيلول 2019، قالت الإمارات إنها ستنظر في إعادة منح تأشيرات العمل للإيرانيين بعد تعليق تلك التأشيرات بسبب العقوبات.

ومع ذلك، أفادت التقارير أن الإمارات توقفت عن إصدار تأشيرات جديدة لمواطني إيران و12 دولة أخرى في نوفمبر/تشرين الثاني 2020 بدعوى المخاوف الأمنية.

وفي الوقت الذي تسعى فيه إيران إلى إعطاء الأولوية لصادراتها من القطاع غير النفطي، فإنها ستعتمد على قدرات إعادة التصدير في الموانئ الإماراتية. وفي عام 2016، كانت الإمارات أكبر شريك تجاري غير نفطي لإيران.

إن مبادرة "الدبلوماسية الاقتصادية" لطهران للوصول إلى أسواق أوسع تعني استخدام هذه الموانئ لربط إيران بمنطقة أوراسيا. وسوف يمكّن هذا الممر التجاري بين الشمال والجنوب إيران من الوصول إلى الأسواق عبر المحيط الهندي.

وفضلا عن ذلك، فإن الإمارات وإيران عضوان في "رابطة حافة المحيط الهندي"، التي تعزز التجارة والتعاون. كما أن البلدين شريكان تجاريان لبلدان منطقة أوراسيا، ويعملان مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، وهما دولتان أساسيتان في نجاح مبادرة "الحزام والطريق" الصينية.

بالإضافة إلى ذلك، يهتم كلا البلدين بتوسيع التجارة والاستثمارات في أفريقيا من خلال طرق التجارة في المحيط الهندي. وتقدم الموانئ الإماراتية لإيران أقل تكلفة للوصول إلى هذه الأسواق الدولية؛ لذلك أعطت طهران الأولوية للتجارة مع جارتها الخليجية وأفريقيا في خططها الاقتصادية الكلية الأخيرة التي تمتد لـ 5 أعوام.

وتعتبر آفاق زيادة التجارة واعدة، فقد زادت صادرات إيران إلى الإمارات بنسبة 8%، أو مليار دولار، بين مارس/آذار ويونيو/حزيران 2020، وعلى الأغلب مرة أخرى في قدرة إعادة التصدير. وتلعب العديد من المنظمات في إيران دورا رئيسيا في تسهيل هذه التجارة، بما في ذلك مكتب منظمة ترويج التجارة للدول العربية والأفريقية، وإدارة الجمارك، ومنظمة الموانئ والملاحة البحرية الإيرانية.

لكن التجارة لا تخلو من المخاطر. وتريد الإمارات التأكد من أن إيران لا تستخدم فرائد التجارة المتزايدة لكسب ميزة عسكرية في منطقة الخليج. كما إن تأثير إيران على الاستقطاب، بالنظر إلى توتراتها الدائمة مع دول الخليج وإسرائيل والولايات المتحدة، يعرقل احتمالات تحسين العلاقات. 

بالإضافة إلى ذلك، هددت طهران مؤخرا بمهاجمة الإمارات بعد قرارها تطبيع العلاقات مع إسرائيل. ويُزعم أن وكلاء إيران خططوا لمهاجمة سفارة الإمارات في إثيوبيا للانتقام لمقتل إيرانيين رفيعي المستوى.

وبالنظر إلى التوترات الإقليمية والتحديات التي تواجه الاقتصاد الإيراني، فإن إيران لا تستطيع أن تتحمل الإضرار بعلاقاتها مع الإمارات بشكل لا رجعة فيه. ولكنها مع ذلك تتجاهل قلق الإمارات من الاستفزازات الإيرانية المتكررة. ولا تزال إيران تقول إنها تريد بناء الأمن الإقليمي بشكل تعاوني ومن خلال ضمان نمو مستدام للمنطقة. 

ونظرا لالتزام طهران بالتجارة، فقد يشجع ذلك على توزيع الفرص بين دول الخليج العربية وإيران، الأمر الذي يأتي بالتوازي مع توزيع المخاطر بين جميع هذه الدول المسؤولة عن الحفاظ على الأمن الإقليمي.

ومع توقع هدوء التوترات مع إيران في ظل إدارة "بايدن"، عينت الإمارات ممثلها السابق لدى إيران، "خليفة شاهين المرر"، ليعمل وزيرا للدولة للشؤون الخارجية. وقام كل من رئيس الإمارات "خليفة بن زايد آل نهيان" وحاكم دبي ورئيس الوزراء "محمد بن راشد آل مكتوم" بتهنئة إيران قبيل الذكرى السنوية للثورة الإسلامية في فبراير/شباط.

ولكن لا يزال قادة الإمارات قلقين إزاء تعنت إيران في موضوع برنامجها النووي المثير للجدل، والذي لا يبشر بحل سريع لتلك المسألة مع الولايات المتحدة، بالإضافة لبرنامج صواريخها ودعمها للقوى العاملة بالوكالة عنها في المنطقة. 

وتقول إيران إن على الولايات المتحدة اتخاذ الخطوة الأولى وإزالة العقوبات مقابل امتثال إيران بخطة العمل الشاملة المشتركة، لكن سياسة التخفيف السريع للعقوبات لا تضمن تحركا إيرانيا فوريا لمعالجة الخلافات الإقليمية الأخرى مع جيرانها الخليجيين.

ومن خلال رفض إيران لاستئناف المحادثات قبل تخفيف العقوبات، ترسل طهران رسالة مفادها أن لديها بدائل للضغط على واشنطن. وللتأكيد على هذه النقطة فقد قالت إيران في البداية إنها ستضع قيوداً على مهام التفتيش الدولية لمواقعها النووية بالرغم أن التقارير الأخيرة أشارت إلى تراجعها عن تلك التهديدات إلى حد ما.

وبالرغم من التوترات المستمرة مع إيران، فقد حافظت الإمارات على درجة معقولة من العلاقة. وسيبقى تطور هذه العلاقات في المستقبل مرهوناً إلى حد كبير بمسار المفاوضات المحتملة المقبلة بين إيران والولايات المتحدة.

وفي الوقت الحالي، فإن الأمر الواضح هو أن التجارة الثنائية والعلاقات الدبلوماسية والجهود الإنسانية توفر خلفية داعمة للدبلوماسية النووية الرئيسية والجهود القادمة ذات الصلة.

المصدر | بنفشه كينوش/معهد دول الخليج العربي في واشنطن - ترجمة وتحرير الخليج الجديد