الثلاثاء 2 مارس 2021 10:31 م

من خلال رسم حدود واضحة للصديق والعدو على حد سواء، بدأ الرئيس الأمريكي "جو بايدن" في تنفيذ مقاربة مختلفة لدور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

فقد واجهت السعودية توبيخا مع إصدار الملخص غير السري للمخابرات الأمريكية بشأن مقتل الصحفي "جمال خاشقجي"، فيما تلقت إيران رسالة واضحة من خلال الضربات الجوية الأمريكية التي استهدفت الجماعات الموالية لإيران في منطقة استراتيجية للغاية على الحدود السورية العراقية.

في كلتا الحالتين، كانت الرسالة واضحة ومفادها هذه ليست السنة التاسعة لإدارة الرئيس "باراك أوباما"، أو السنة الخامسة من رئاسة "دونالد ترامب".

بدلاً من ذلك، بدأت إدارة "بايدن"، بسياستها الخارجية التي صاغها اثنان من المخضرمين في إدارة "أوباما" - وزير الخارجية "أنتوني بلينكين" ومستشار الأمن القومي "جيك سوليفان" - في تأكيد صحة الادعاءات بأنها تعلمت دروسًا من أخطاء الماضي ولديها نهج مختلف وأكثر صرامة.

 وبالرغم من اختلاف الرسالتين لطهران والرياض في نواح كثيرة، لكنه يمكن تلخيصهما على النحو التالي: "نحن جادون بشأن أهدافنا، ويجب أن تفهموا ذلك وإلا فستكون هناك عواقب".

وبالرغم أن تقرير المخابرات الوطنية الأمريكية عن مقتل "خاشقجي" لم يتضمن معلومات جديدة عن تلك التي كانت معروفة بعد وقت قصير من الجريمة، لكن له آثار سلبية فورية على العلاقات الثنائية بين واشنطن والرياض لأنه يؤكد علنا ورسميا ​​استنتاجات وكالة المخابرات المركزية حول تورط ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" في الجريمة.

وبناء على ذلك، أعلنت وزارة الخارجية عن قانون "حظر خاشقجي"، وفرضت قيودًا على سفر 76 مواطناً سعوديًا متهمين بالتورط في نشاط مضاد خارج الحدود الإقليمية وحثت الرياض على حل قوة التدخل السريع المتورطة في جريمة القتل.

ويشير بيان رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي "جريجوري ميكس" إلى أن الكونجرس قد يحاول تعزيز مثل هذه العقوبات أو فرض عقوبات إضافية في المستقبل.

وبينما تواصلت إدارة "ترامب" بشكل أساسي مع ولي العهد، أعاد "بايدن" العمل بالبروتوكول الدبلوماسي من خلال أول مكالمة هاتفية له مع الملك "سلمان بن عبدالعزيز"، لكن يبقى أن نرى ما إذا كانت هذه العلاقة الحصرية يمكن أن تستمر لفترة طويلة.

وبعد سنوات من تستر إدارة "ترامب" على الجريمة، فقد دفع التقرير القضية إلى الصفحات الأولى مرة أخرى، وإن كان ذلك قد جاء بعد ظهر يوم الجمعة عندما تكون التغطية الإخبارية مخففة.

ومن الواضح أن إدارة "بايدن" تحاول تمييز نفسها عن إدارة "ترامب"، لا سيما في تصور الناشطين والمشرعين بالرغم أن العديد منهم لا يزالون غير راضين عن مستوى الأداء.

وتسعى إدارة "بايدن" إلى عكس أي شعور ربما يكون سلفها قد خلقه بأن واشنطن لا تهتم بالقتل الوحشي لكاتب عمود في "واشنطن بوست" ومقيم دائم في الولايات المتحدة.

لم تتظاهر الإدارة بأن مقتل "خاشقجي" لم يحدث أو أنه ليس لديها فكرة عن المسؤول، كما فعلت إدارة "ترامب"، كما أنها لم تواصل إخفاء التقارير الاستخبارية غير السرية دون أي مبرر واضح، وسيكون هناك عواقب، مهما كانت محدودة.

ومع ذلك، ليست كل الأخبار سيئة بالنسبة للرياض، حيث تهدف هذه الخطوات أيضًا إلى إفساح المجال لأهداف السياسة الأمريكية الأخرى التي تتطلب تعاونًا سعوديًا وعلاقة عملية بالرغم من الغضب المستمر بين الديمقراطيين ضد كل من "ترامب" والرياض.

فقد كان تعامل إدارة "بايدن" مع هذه المسألة دقيقًا وذكيا نسبيًا. تهدف العقوبات والإحراج والإدانة إلى أن تكون متناسبة بشكل فعال مع الجريمة، ليس من الناحية الأخلاقية بالتأكيد، ولكن في سياق فن الحكم والأهداف الأوسع للسياسة الأمريكية. فلا يمكن التراجع عن جريمة القتل كما أنه يوجد لدى الإدارة مقتضيات مهمة في الشرق الأوسط.

وقد أصبحت أولويات "بايدن" في الشرق الأوسط واضحة، ليس فقط من التصريحات ولكن أيضا من المبعوثين الخاصين الذين عينهم. فـ"روبرت مالي" هو المبعوث الخاص لإيران ومسؤول ملف الدبلوماسية النووية، و"تيموثي ليندركينغ" هو مبعوث خاص لليمن.

لا يوجد مبعوثون خاصون لإسرائيل/فلسطين أو سوريا أو العراق أو أي مقتضيات سياسية محتملة أخرى، من الواضح أن الأولويات هي إيران واليمن.

وهذا هو السبب في أن تنقية الأجواء مع السعودية لا تقل أهمية عن السياسات الإقليمية لإدارة "بايدن" حيث تعد السعودية لاعبا رئيسيا في هاتين المسألتين، بشكل مباشر في اليمن، وبشكل غير مباشر ولكن حاسم فيما يتعلق بإيران.

ويهدف إصدار الملخص الاستخباراتي إلى تسهيل التعامل مع الملفين، تمامًا كما أشار "بايدن" في المكالمة الهاتفية السابقة للإصدار مع الملك "سلمان"، والتي تعاملت معها الإدارة كشرط أساسي لنشر الوثيقة.

وذكر "بايدن" على وجه التحديد حقوق الإنسان، وهي قضية تجنبها "ترامب"، لكن المحادثة ركزت على الأهمية المتبادلة للشراكة المستمرة، وهذا ليس مجرد كلام، فإذا أرادت الإدارة الأمريكية إنجاح سياستها في الملفات ذات الأولوية في المنطقة، فإن إعادة ضبط الشراكة الناجحة بين واشنطن والرياض هي خطوة أولى لا غنى عنها.

وكان تأثير "بايدن" على الحسابات السعودية واضحًا منذ فوزه في الانتخابات، كان الرد الأكثر دراماتيكية إنهاء الأزمة الخليجية، والتي أوضح "بايدن" أنه لا يريد أن يرثها من "ترامب" كما تضمن أيضًا إطلاق سراح سجناء سياسيين مثل الناشطة في مجال حقوق المرأة "لجين الهذلول"، وتخفيف الأحكام القاسية على الناشطين الشيعة.

بل كانت هناك مؤشرات على تكثيف الدبلوماسية السعودية بشأن اليمن، بما يتوافق مع أهداف "بايدن"، وإذا كان الجهد الأولي هو التأثير على السلوك السعودي، فقد كان ناجحًا إلى حد ما على الأقل.

ولم تكن السعودية الدولة الشرق أوسطية الوحيدة التي تلقت إشارة قوية، فقد تلقت إيران رسالة واضحة مفادها أن إدارة "بايدن" لن تتردد في المواجهة لمجرد أنها تسعى إلى إحياء الدبلوماسية مع إيران بشأن الملف النووي.

 فبعد هجومين صاروخيين كبيرين على المصالح الأمريكية في العراق من قبل الميليشيات الشيعية الموالية لإيران، ردت إدارة "بايدن" في 25 فبراير/شباط بمهاجمة المنشآت التي تسيطر عليها الجماعات المسلحة الموالية لإيران في سوريا.

استهدف الهجوم بعناية واحدة من أكثر المناطق حساسية من الناحية الاستراتيجية في الشرق الأوسط، وهي نقطة العبور للطريق السريع الرئيسي الذي يربط بين غرب العراق وشرق سوريا.

من وجهة نظر إيران، ربما يكون هذا هو أكثر الأصول أهمية من الناحية الاستراتيجية بعيدًا عن حدودها.

وإذا أراد الإيرانيون يومًا ما تعزيز "ممر بري" مؤمن عسكريًا يمتد من إيران، عبر العراق وسوريا، وصولًا إلى لبنان وساحل البحر الأبيض المتوسط ​، فسوف يتطلب ذلك هيمنة كاملة في تلك المنطقة.

لهذا السبب تتركز القوات الأمريكية والقوات المتحالفة المتبقية في سوريا في هذه المنطقة، والتي كانت مستثناه دائمًا من خطط الانسحاب العسكري حتى تلك التي طرحها "ترامب".

عندما قالت إدارة "بايدن"، في أعقاب الاستفزاز الأخير في العراق، والذي أدى إلى إصابة 5 أمريكيين، إنها سترد "في الزمان والمكان اللذين نختارهما"، كانت جادة في تهديدها.

والأهم من ذلك، أن الرد كان موجهاً حيث يمكن أن يلحق أقصى قدر من الألم الاستراتيجي بإيران، علاوة على ذلك، من خلال ضرب سوريا بدلاً من العراق، قلل "بايدن" من فرص أن يؤدي الرد الانتقامي إلى تأجيج الوضع السياسي المتقلب داخل العراق نفسه، مرة أخرى، يبدو أن رد الفعل هذا يعكس درجة كبيرة من المهارة والبراعة.

كما كان ذلك بمثابة اختبار لإدارة "بايدن"، لا سيما بالنظر إلى التصور القائل بأن إدارة "أوباما" ركزت على المفاوضات مع إيران لدرجة أنها كانت على استعداد لتحمل أي سلوك غير مقبول بخلاف ذلك.

وقد تعزز هذا التصور ليس فقط بالتردد في الانتقام من وكلاء إيران في العراق ولكن أيضًا عندما فشل "أوباما" في الرد على تجاوز رئيس النظام السوري "بشار الأسد" للخط الزحمر المتعلق باستخدام الأسلحته الكيميائية خوفًا من تعطيل الحوار مع طهران.

وقد افترض العديد من منتقدي إدارة "أوباما" في الولايات المتحدة والشرق الأوسط  أن "بايدن" سيكرر هذا الخطأ.

وبدلاً من الاندفاع مرة أخرى إلى عملية فورية مع إيران، توقفت إدارة "بايدن"، ما تسبب في إحباط طهران واتجاهها لممارسة ضغوط من خلال تهديدات بإنهاء عمليات التفتيش النووية الدولية وزيادة الإنتاج النووي، والاستيلاء على سفينة كورية جنوبية واعتقال مواطن أمريكي بتهمة التجسس، وفي النهاية من خلال الهجمات في العراق.

وأعقب انتقام "بايدن" رفض إيراني لحضور اجتماع برعاية أوروبية مع إيران، ومن ثم، فإن المناورات الأمريكية الإيرانية بشأن استئناف المفاوضات تشمل الآن أعمال عنف متبادلة ولم تعد محصورة بين الانتقادات المتبادلة.

كما هو الحال مع تقرير الاستخبارات حول "خاشقجي" والعقوبات الجديدة ضد السعودية، فإن الهدف من الانتقام من إيران في سوريا هو توضيح أن نهج "بايدن" ليس تكرارا لتحفظ "أوباما" على مواجهة إيران أو تساهل "ترامب" تجاه السعودية.

بدلاً من ذلك، تتطلب الإجراءات المزدوجة في أواخر فبراير/شباط الماضي، أن يأخذ كل من شركاء الولايات المتحدة وخصومها الإدارة الجديدة على محمل الجد وفقًا لشروطها الخاصة، وأن يطوروا بسرعة تقديرًا دقيقا لما يأمل "بايدن" وفريقه في تحقيقه وما يمكن للإدارة الأمريكية أن تتقبله أو تتجاوز عنه من الصديق أو العدو على حد سواء.

المصدر | حسين ابيش | معهد دول الخليج العربية - ترجمة وتحرير الخليج الجديد