الخميس 4 مارس 2021 03:47 ص

تجمع العراق وتركيا علاقة معقدة للغاية فبالرغم من ظهور مؤشرات على تحسن العلاقات الثنائية أواخر عام 2020، لكن مجموعة من القضايا الحساسة لا تزال تؤجج الاحتكاك بين بغداد وأنقرة.

وإلى جانب قضايا المياه والحدود، يشكل وجود "حزب العمال الكردستاني" في شمال العراق والعمليات العسكرية التركية ضد التنظيم على الأراضي العراقية مصادر احتكاك كبيرة بين البلدين.

وخلال الشهر الماضي، أطلقت القوات التركية عملية "مخلب النسر2" في منطقة غارا العراقية، ما أدى إلى خسائر في الأرواح بين الأتراك والعراقيين، وأدى إلى تأجيج التوترات بين بغداد وأنقرة.

وكانت إدارة الموارد مصدر نزاع مزمن بين تركيا والعراق، ونظرا لأن تركيا تضم منبع نهري دجلة والفرات، فقد برزت تركيا "كقوة مائية عظمى"، وفي إشارة إلى مستقبل إدارة الموارد، قال الرئيس التركي الأسبق "تورجوت أوزال" ذات مرة: "بعض الدول تبيع النفط، ونحن سنبيع الماء".

وفي المقابل، يعاني العراق بشكل متزايد من ندرة المياه، ويحتاج العراق حاليًا إلى ما يقرب من 71 مليار متر مكعب من المياه سنويًا، وبحلول عام 2035، لن يتلقى العراق سوى نحو 51 مليار متر مكعب سنويًا بسبب استكمال مشاريع بناء السدود الإيرانية والتركية، وإلى جانب النمو السكاني المتوقع بنسبة 25%، فإن هذا يمثل سببًا كبيرًا للقلق.

بالإضافة إلى ذلك، تراجعت استثمارات بغداد في المشاريع التي تستهدف تخفيف آثار ندرة المياه بسبب التأثير السلبي لوباء فيروس "كورونا" على أسعار النفط، وبالتالي على عائدات الدولة.

وقال الصحفي التركي "يوسف إريم" في مقابلة مع "إنسايد أرابيا": "سيحد الجفاف وتغير المناخ وتزايد عدد السكان من العرض في الوقت الذي سيزداد فيه الطلب، ما يخلق ضغطا على العلاقة بين العراق وتركيا من وقت لآخر".

وحذر الخبراء من أن الحل الوحيد طويل الأمد لأزمة المياه التي تختمر في العراق يكمن في اتفاقيات تقاسم المياه مع تركيا وإيران، وقد واجه العراق تركيا بالفعل بشأن مشروع سد "إليسو"، الذي يخاطر بمنع تدفق المياه إلى العراق.

وفي الآونة الأخيرة، أعرب رئيس الوزراء العراقي "مصطفى الكاظمي" والرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" عن نغمات تصالحية متبادلة بشأن إدارة المياه، مؤكدين أنه يجب أن يكون "مجالًا للتعاون" بدلاً من "عامل للخلاف"، ومع ذلك، يبدو أن هذه الأزمة ستظل تؤثر علي العلاقة بين البلدين رغم التصريحات الدبلوماسية.

فيما يتعلق بالتدخلات العسكرية التركية، ترى أنقرة أن من حقها القيام بعمليات مكافحة الإرهاب ضد "حزب العمال الكردستاني" في العراق إذا لم يقم العراقيون بتحييد الجماعة المسلحة.

ومنذ غزو العراق بقيادة الولايات المتحدة والمملكة المتحدة في عام 2003، تمكن "حزب العمال الكردستاني" من المناورة بسهولة أكبر في شمال العراق، ما تسبب بطبيعة الحال في مخاوف كبيرة في تركيا على مدى السنوات الـ 18 الماضية.

وفي المقابل، ترى السلطات العراقية أن هذه العمليات العسكرية التركية تسلط الضوء على عجز الحكومة العراقية المركزية عن السيطرة على الأراضي العراقية بالقرب من الحدود التركية، ما يثير تساؤلات أساسية حول سيادة الدولة العراقية.

ومع ذلك، اختار العراقيون تخفيف المعارضة القوية للوجود العسكري التركي في أجزاء من بلادهم حتى لا يتم تقويض قدرة بغداد وأنقرة على تحسين العلاقات في مجالات أخرى مثل التجارة وإعادة الإعمار والطاقة، بشكل عام، يريد العراق مزيدًا من التعاون بدلاً من المواجهة مع تركيا.

كما تعهد المسؤولون في بغداد لنظرائهم الأتراك بأنهم سيعملون على منع الجماعات المعادية لتركيا من التمتع بملاذات آمنة في العراق.

وقد صرح "الكاظمي" في أنقرة في ديسمبر/كانون الأول 2020 في أول زيارة له إلى تركيا منذ توليه منصبه قبل 7 أشهر، في مؤتمر صحفي مشترك مع "أردوغان" أن "موقف العراق واضح للغاية.. لا مجال للتسامح مع أي تنظيمات تهدد مواطني تركيا على أراضينا".

في الواقع، يفتقر "حزب العمال الكردستاني" إلى الشعبية في العراق، بسبب الأعمال العسكرية التي يتورط فيها سواء على الأراضي التركية أو العراقية أو السورية.

ويبدو أن العراق بدأ ينظر إلى "حزب العمال الكردستاني" على أنه تهديد للأمن القومي، حيث إن وجود جماعة مسلحة تهدد جارًا قويًا يؤدي إلى خلق العديد من المشاكل لبغداد، كما أن الانقسام المتزايد بين "حزب العمال الكردستاني" وأربيل يهدد أيضًا الاستقرار في شمال البلاد.

لقد أثرت تجربة محاربة تنظيم "الدولة الإسلامية" بشكل كبير في وجهة نظر الحكومة العراقية المركزية لـ"حزب العمال الكردستاني" وكذلك الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران، وبشكل أكثر تحديدًا، في كيفية التعامل مع هذه الجهات الفاعلة غير الحكومية.

وقالت الأكاديمية التركية "إسراء باكين البير أوغلو": "كان على بغداد أن تتغاضى عن حزب العمال الكردستاني والحشد الشعبي بينما كانوا يحاربون قوات داعش أفضل بكثير من الجيش العراقي".

وقد قاوم كل من حزب العمال الكردستاني والميليشيات الشيعية العراقية الضغوط للإخلاء من مواقعهم في المناطق المتنازع عليها في العراق مثل سنجار، ما زاد التوترات بين هاتين الجماعتين وأربيل.

في هذا السياق، من المقرر أن تظل القضايا الحساسة المتعلقة بـ"حزب العمال الكردستاني" والوجود العسكري التركي في شمال العراق تحديًا للعلاقة بين بغداد وأنقرة بالرغم من تعهد "الكاظمي" وقدرة البلدين على الفصل بين القضايا إلى حد ما.

وكما قال مدير معهد مبادرة المجلس الأطلسي للعراق "عباس كاظم"، فإن "هذه المشاكل بين العراقيين والأتراك تشكل وضعًا معقدًا يحتاج إلى معالجة دقيقة مع الكثير من الخبرة، والاستعانة بالقانون الدولي، والمزيد من التصميم من الحكومة العراقية"، وكل ذلك غائب حاليا.

تخشى بعض الحكومات العربية من تركيا وترى أن التهديد المتصور لتوسع أنقرة يستلزم الرد، وقد انسجمت نظرة الإمارات ومصر والإدارة الليبية الشرقية في طبرق وسوريا والسعودية، بدرجات مختلفة مع بعضها البعض من أجل تعزيز وحدة أكبر ضد أنقرة بين الأنظمة والمجتمعات العربية.

وبدأ هذا الاتجاه يكتسب زخماً في أكتوبر/تشرين الأول 2019 مع رد أبوظبي على "عملية نبع السلام" التركية حيث قادت الإمارات معارضة عربية قوية نسبيًا للأعمال العسكرية لأنقرة في شمال سوريا.

ولعل السؤال المطروح على صناع القرار في العراق هو: هل ينبغي لبغداد أن تلجأ إلى الدول العربية الشقيقة مثل الإمارات للحصول على دعم أكبر ضد التدخلات التركية في شمال العراق؟ ينصح "كاظم" بغداد بتجنب هذا المسار، قائلا: "ليس لدولة الإمارات أي مصلحة في هذا النزاع الثنائي لأن الإمارات لا تفعل ذلك بدافع حب العراق، بل بدافع الكراهية لتركيا".

وكما أوضح مدير معهد مبادرة المجلس الأطلسي للعراق، فإن المزيد من التدخل الإماراتي سوف يؤدي إلى "توسع نزاع أبوظبي مع تركيا - أيديولوجيًا وسياسيًا - إلى العراق، وهو أمر لن يحتاجه العراقيون".

ويرى "كاظم" أن "المشاكل العالقة بين بغداد وأنقرة تشكل نزاعًا ثنائيًا يمكن حله على أفضل وجه بين العراق وتركيا، وإذا كان لأي كيانات أخرى أن تكون جزءًا من هذا، فيجب أن تكون منظمات دولية محايدة ومحترمة وذات مصداقية مثل الأمم المتحدة.. فهذه هي الطريقة الموثوقة للقيام بذلك، لكن إدخال دولة مثل الإمارات في هذا الأمر لن سيكون خبرا سيئا للعراق وتركيا".

وعندما ينظر العراقيون إلى العقود الماضية، فإنهم يعرفون مدى المعاناة من الحروب والعقوبات والاحتلال والإرهاب الذي عانت منه بلادهم.

ويسعى العراق اليوم إلى مستقبل يمكن أن يزدهر فيه السلام داخل حدوده. ومن وجهة نظر بغداد، يتطلب تحقيق هذا الهدف علاقات ثنائية إيجابية مع جميع جيران العراق المباشرين، بما في ذلك تركيا.

وبالرغم أنه من المرجح أن يظل المسؤولون في بغداد غاضبين من أنقرة لاتخاذها إجراءات تكشف نقاط ضعف الحكومة العراقية في الدفاع عن وحدة أراضي الدولة القومية، فمن المحتمل أن يواصلوا جهودهم لمنع مساحات الاحتكاك الخطيرة من الإضرار بعلاقة البلدين.

المصدر | جورجيو كافيرو وأناستازيا شيشولم | إنسايد أرابيا – ترجمة وتحرير الخليج الجديد