الخميس 4 مارس 2021 12:17 ص

في وقت سابق من فبراير/شباط الماضي، أشار وزير الاستخبارات الإيراني، "محمود علوي"، إلى أنه إذا استمرت الولايات المتحدة في استفزاز بلاده، فقد تتصرف طهران مثل "قط محاصر" وتفكر في الخيار النووي.

وأشار إلى تعديل محتمل لفتوى المرشد الأعلى "علي خامنئي"، الصادرة في أوائل العقد الأول من القرن الحالي، والتي جعلت "الأسلحة النووية غير قانونية في إيران بموجب الشريعة الإسلامية".

وفي غضون ذلك، قللت طهران بشكل تدريجي من الوقت اللازم للوصول إلى القنبلة من خلال توسيع أنشطتها النووية، بما في ذلك استئناف تخصيب اليورانيوم بنسبة 20%، وتركيب مجموعتين من 348 جهاز طرد مركزي من طراز IR2m.

ويبدو أن تصرفات طهران مصممة لزيادة نفوذها وتكثيف الضغط على إدارة "بايدن".

وتضمنت صفقة اللحظة الأخيرة التي تم الإعلان عنها مؤخرا بين الوكالة الدولية للطاقة الذرية وإيران 3 أشهر أخرى من المراقبة الدولية المكثفة للأنشطة النووية الإيرانية.

لكن هذا الحل الوسط لا يكسب سوى الوقت ويظل هشا بسبب الاقتتال السياسي الداخلي في إيران والتأخيرات المحتملة في عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي لعام 2015، المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة.

ومن الأهمية بمكان استكشاف ما إذا كانت هذه القرارات مرتبطة بتقييم إيران للتهديدات واستراتيجيتها العسكرية، وكلاهما تأثر بالأشهر الأخيرة من عمر إدارة الرئيس الأمريكي السابق "دونالد ترامب".

فهل يؤثر تأخر عودة "جو بايدن" إلى خطة العمل الشاملة المشتركة والزيادة المتوقعة في التوترات الناتجة عن ذلك على منطق إيران الاستراتيجي بشأن الأسلحة النووية؟ حسنا، بإلقاء نظرة على تاريخ اتخاذ القرار الإيراني بشأن هذه القضية، نرى أن التحولات في تقييم التهديد العسكري لا تقل أهمية عن التطورات التقنية فيما يتعلق باستراتيجية طهران النووية.

وترتبط قرارات إيران النووية بوضع الردع التقليدي للدولة. ويعود قرار النخب الإيرانية باستكشاف الخيار النووي إلى أواخر الثمانينات وذلك لمعالجة الضعف العسكري التقليدي للبلاد.

ومع ذلك، بعد عقود من التغييرات في العقيدة العسكرية والتطورات التقنية، بما في ذلك التحسينات في تقنيات الصواريخ وتوسيع شبكة الوكلاء الإقليمية، أصبحت إيران مزودة بردع تقليدي أكثر فعالية.

ولعبت هذه التطورات، إلى جانب الضغط الدولي المتزايد، دورا في تآكل المنطق الاستراتيجي للحصول على أسلحة نووية.

وتعارض وجهة النظر هذه حول نوايا إيران التفسيرات السائدة القائلة بأن السبب الرئيسي لجهود طهران لتطوير القدرات النووية كان على الأرجح إما إضافة رادع نووي إلى مجموعة أدواتها الاستراتيجية الحالية أو اكتساب مكانة دولية والمساعدة في تصدير الثورة.

ومع ذلك، فإنني أزعم أن استكشاف الردع النووي لم يكن ليتم إلا في حالة عدم وجود الردع التقليدي، وفي حالة وجود ردع تقليدي فعال، يتم متابعة البرنامج النووي فقط كاستراتيجية تحوط للضغط والتأثير سياسيا.

وفي الواقع، تفاوض القادة الإيرانيون على خطة العمل الشاملة المشتركة في وقت فقد فيه الردع النووي جاذبيته العسكرية إلى حد كبير بسبب الفوائد الأكبر للردع التقليدي والتكاليف المرتفعة للخيار النووي.

إلى جانب ذلك، اعتبرت إيران أن إهمال الحديث عن القضايا الأخرى في خطة العمل الشاملة المشتركة فرصة لتحسين بيئتها الأمنية، ما يجعل ردعها التقليدي أكثر استقرارا.

تعديل القرارات النووية في ضوء القوة العسكرية

وفي أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات من القرن الماضي، لعب تصور النخب الإيرانية لنقاط الضعف العسكرية التقليدية للبلاد دورا رئيسيا في تشكيل منطق السعي للحصول على أسلحة نووية.

كانت طهران قد ورثت جيشا ممزقا في نهاية الحرب مع العراق عام 1988، وخلال إعادة بناء قدراتها العسكرية، افتقرت الجمهورية الإسلامية إلى عقيدة عملياتية فعالة طوال التسعينات، لقد اشترت أسلحة من روسيا والصين وكوريا الشمالية، ولكن بكميات محدودة فقط، بينما كانت الصناعات الدفاعية المحلية لا تزال في المراحل الأولى من التطوير.

في الوقت نفسه، استمرت التهديدات العسكرية التي تواجه البلاد في التطور. وغيرت الحرب الأمريكية في العراق في العام 1990-1991 ثم حرب كوسوفو عام 1999 التي شنها "الناتو" إلى حد كبير التقييمات الإيرانية لمستقبل الحرب.

وسلط ذلك الضوء على عجز طهران عن ردع أي عمل عسكري أمريكي، ومع تزايد المخاوف من التهديدات المختلفة، اقتنعت القيادة الإيرانية بضرورة استكشاف الخيار النووي.

ومع ذلك، فقد تغيرت هذه التصورات والتقييمات منذ أوائل عام 2000، حيث توصلت إيران إلى عقيدة عملياتية جديدة تجمع بين الحرب غير المتكافئة والعمق الاستراتيجي الجغرافي كطريقة لإجبار خصومها على حرب الاستنزاف.

وتم استكمال هذه العقيدة لاحقا بركيزتين جديدتين، القوة الصاروخية والوكلاء الإقليميين، ما ساعد على منح إيران "قدرة الضربة الثانية".

وبالرغم من استثمارات إيران المتزايدة في الصواريخ والوكلاء الإقليميين منذ التسعينات، فقد حدثت قفزة هائلة بعد عام 2003 جعلت الصواريخ والوكلاء قدرة ردع ذات مغزى، وأعطت هذه الأعمدة المضافة حديثا طهران الوسائل لمعاقبة الأعداء خارج حدودها.

وكان الهدف هو منع وقوع هجوم مثل الغزو الذي قادته الولايات المتحدة ضد العراق عام 2003، وكان الاستراتيجيون الإيرانيون مقتنعين بأن التحالف الأمريكي قد تدخل في العراق ليس فقط لأنه كان قادرا على تحقيق النصر بشكل حاسم، ولكن أيضا لأنه كان على يقين من أن بإمكانه إبقاء نطاق الأزمة مقصورا على الأراضي العراقية.

وكان هذا التطور في الاستراتيجية العسكرية حاسما في تصور القيادة الإيرانية لقوتها وثقتها في فعالية قواتها التقليدية، وقد أدى ذلك إلى تآكل المنطق الاستراتيجي لتطوير قنبلة نووية.

ومع ذلك، في ظل إدارة "ترامب"، تسرب الشك لإيران في تقييمها لقوة ردعها التقليدية. وبالرغم من قدرتها على الضربة الثانية، قامت الولايات المتحدة وإسرائيل بضربات مباشرة على كبار مسؤولي الدفاع الإيرانيين ووجدت طهران نفسها غير قادرة على الرد بالمثل أو إلحاق تكلفة كبيرة بتلك الدول.

وأثبت نهج المخاطرة الذي تبناه "ترامب" ورئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" أنه فعال للغاية في تسليط الضوء على ضعف إيران الاستراتيجي، وظلت النخب الإيرانية تخشى حدوث ضربات أمريكية غير مسبوقة في الأشهر الأخيرة من إدارة "ترامب".

الردع التقليدي تحت الضغط

وترى طهران أن ردعها التقليدي يتعرض لضغوط على عدة جبهات، أولا، أصبح من الصعب بشكل متزايد الحفاظ على الصبر الاستراتيجي مع الإبقاء على درجة من درجات التهديد الحقيقي للولايات المتحدة وإسرائيل، اللتين استخدمتا القوة بشكل متكرر للحد من النفوذ الإيراني.

وكانت هذه المعضلة أكثر وضوحا في الشهرين الأخيرين من رئاسة "ترامب"، عندما كان خطر اندلاع حرب مع تل أبيب سيزداد إذا قررت طهران الرد مباشرة على الأعمال العدائية الإسرائيلية، مثل اغتيال كبير العلماء النوويين الإيرانيين، "محسن فخري زاده".

وبعد أن أبدت طهران ضبط النفس وقررت عدم الرد، أصبحت إسرائيل أكثر حماسا لمواصلة ضرباتها على مواقع طهران الإقليمية، بما في ذلك الهجمات الكبيرة على الوكلاء المدعومين من إيران في سوريا.

وبالنظر إلى الدعم الأمريكي لإسرائيل، فإن أي محاولة إيرانية لمعاقبة إسرائيل كانت ستخاطر بإدخال الولايات المتحدة في المعادلة، وفي الواقع، أضعف الحذر في تقديم رد متناسب من مصداقية ردع طهران في أعين قيادتها.

ثانيا، تشعر طهران بالقلق من أن نموذج الردع الحالي الخاص بها سيتم تحييده إذا أدى التقدم الأمريكي في التقنيات المتطورة إلى ظهور ثورة أمريكية عسكرية رادعة جديدة.

وتشعر طهران بالقلق من أن الولايات المتحدة سوف تطور طريقة مستقبلية للحرب يمكن أن تساعد أمريكا على استعادة القدرة على تنفيذ ضربة مفاجئة ضد إيران بتكلفة منخفضة إلى حد كبير.

وترى طهران أن خروج الولايات المتحدة من معاهدة القوات النووية متوسطة المدى ربما يكون علامة على أن الولايات المتحدة تعتزم نشر منصات هجومية أكثر تقدما في المنطقة، والتي من المحتمل أن تكون أكثر مقاومة لمنع وصول إيران الاستراتيجي.

وبالنظر إلى التطورات في الصواريخ التي تفوق سرعة الصوت، والحرب الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، والذخائر الموجهة، ونظام الدفاع الصاروخي الأمريكي الأكثر تطورا، فإن إيران تبدو أكثر قلقا لأن القفزات التكنولوجية ستمنح الولايات المتحدة قدرات غير معلنة تمكنها من مفاجأة إيران استراتيجيا في ساحة أي معركة مستقبلية.

ثالثا، تظل الاستدامة المستقبلية لبرنامج الصواريخ الإيراني والوكلاء الإقليميين موضع تساؤل. وهناك إجماع في طهران على مقاومة دعوات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لمناقشة برنامجها الصاروخي. لكن النخب الأمنية قلقة من احتمال إجبارها سياسيا على الوصول إلى نوع من التنازلات بشأن برنامج الصواريخ، كما كان الحال مع البرنامج النووي.

وخلق عدم الثقة في العلاقات المدنية العسكرية الإيرانية مخاوف بين كبار الرتب العسكرية بشأن الآفاق المستقبلية للردع القائم على الصواريخ.

كما أن المخاوف بشأن مستقبل شبكة الوكلاء الإيرانية ليست أقل أهمية أيضا، ومن غير الواضح إلى متى يمكن لطهران أن تستمر في دعم وكلائها ماليا ولوجستيا بينما تقاوم القوى التي تسعى إلى تفكيكها.

ومع ذلك، فإن التحدي الأكثر أهمية الذي تواجهه طهران هو ظهور وكلاء مارقين سواء في العراق أو في أماكن أخرى، بمعنى ظهور مجموعات تتفلت من السيطرة الإيرانية وتنفذ عمليات مستقلة لا تخدم المصالح الإيرانية، وكان هذا واضحا في الأشهر الأخيرة لإدارة "ترامب"، عندما تم تجاهل دعوة إيران للجماعات الشيعية العراقية لوقف عملياتها المعادية لأمريكا.

هل حان الوقت لنموذج جديد؟

وأثارت أوجه عدم اليقين هذه مناقشات وانتقادات لنموذج الردع الحالي للدولة الإيرانية، ويشير هذا إلى تراجع الثقة في الردع التقليدي، وكانت تعليقات "علوي" أول ظهور علني لهذه النقاشات داخل دوائر السلطة الإيرانية.

وفي وقت سابق من يناير/كانون الثاني الماضي، كانت التدريبات العسكرية واسعة النطاق التي أجرتها إيران علامة أخرى على الخوف من أن الردع التقليدي قد يثبت أنه غير قادر على ثني "ترامب" عن شن حرب ضد إيران.

وكانت هذه التدريبات فريدة من نوعها من حيث نطاقها ومدتها والقوى المشاركة؛ حيث بدأت 5 يناير/كانون الثاني الماضي واستمرت لمدة 16 يوما، حتى تنصيب الرئيس الأمريكي الجديد "جو بايدن".

ويزيد استنتاج إيران، بأنه لم يعد بإمكانها الاعتماد على الردع التقليدي، من خطر وصول النخب الأمنية إلى تقييم مشابه لتقييم التسعينيات، لترى مرة ​​أخرى ضرورة في امتلاك أسلحة نووية.

وقد يصبح هذا الأمر أكثر ترجيحا في ظل عاملين رئيسيين، أولا، عندما ترى طهران أن ردعها التقليدي مستمر في العجز وتتراجع ثقة القيادة في قوتها العسكرية.

ثانيا، إذا فشل "بايدن" في العودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة، وتحرك بدلا من ذلك لتجميع تحالف عبر المحيط الأطلسي ضد إيران فيما يسيطر الفصيل المتشدد على السلطة في طهران.

ولمنع حدوث مثل هذه الظروف المحفوفة بالمخاطر، يجب على إدارة "بايدن" أن تسعى للتهدئة العسكرية مع إيران مع إعطاء الأولوية للانضمام إلى خطة العمل الشاملة المشتركة بسرعة.

ويجب على "بايدن" أن يدرك أن السعي لإضعاف الردع التقليدي لإيران في غياب خطة العمل الشاملة المشتركة، بما في ذلك الإصرار على وضع قيود على برنامج إيران للصواريخ الباليستية، قد يؤدي في النهاية إلى عواقب وخيمة، وسيؤدي إلى مزيد من الدعم للمنطق الاستراتيجي للسعي لامتلاك أسلحة نووية في طهران.

ولن تتجسد استراتيجية منع انتشار نووي طويلة الأجل ومستدامة إلا عندما يتم صياغة نهج يركز على دمج خطة العمل الشاملة المشتركة مع مجموعة من السياسات التي تضمن بقاء الفوائد الأمنية للتخلي عن الخيار النووي.

ويمكن أن يحدث هذا فقط عبر مشهد أمني غير متصاعد ترى فيه طهران استمرار فاعلية ردعها التقليدي، والمفتاح هنا هو تجنب إيصال إيران إلى مرحلة الإلحاح الاستراتيجي للحصول على الأسلحة النووية في نفس الوقت الذي يتم فيه فرض قيود على القدرات الفنية التي تمكّنها من ذلك.

وتحتاج إدارة "بايدن" إلى تطوير معايير واضحة حول شكل الردع التقليدي المقبول لإيران قبل الدعوة إلى تمديد المحادثات لتشمل برنامجها الصاروخي والقضايا الإقليمية، وفقط بعد وضع إطار عمل استراتيجي شامل يلبي الاحتياجات الأمنية المشروعة لجميع الأطراف الإقليمية، بما في ذلك إيران، قد تكون طهران على استعداد للحديث عن تعديل ركائز الردع التقليدي.

ومن شأن تقديم نموذج عملي للتوازن العسكري في الشرق الأوسط أن يجعل خطة العمل الشاملة المشتركة أكثر استدامة، مع تحفيز طهران للدخول في محادثات عسكرية، الأمر الذي يضع الأساس لمعالجة مخاوف الأطراف الإقليمية الأخرى.

المصدر | عبد الرسول ديفسلار | معهد الشرق الأوسط - ترجمة وتحرير الخليج الجديد