حققت السعودية نصرا كبيرا خلال اجتماع "أوبك+" في 4 مارس/آذار، الذي شهد موافقة الأعضاء على إبقاء مستويات الإنتاج ثابتة، لكن القرار سيحبط محافظي البنوك المركزية القلقين بشأن ارتفاع التضخم. وقررت "أوبك+" ترك مستويات الإنتاج الإجمالية في أبريل/نيسان دون تغيير تقريبا مقارنة بمستويات فبراير/شباط ومارس/آذار.

وسوف تستمر روسيا وكازاخستان في الحصول على إعفاء محدود يسمح لهما بزيادة حصصهما. كما أن خفض الإنتاج الطوعي من قبل السعودية، بمقدار مليون برميل يوميا، سيظل ساري المفعول خلال أبريل/نيسان. ولكن يبقى التقارب بين السعودية وروسيا هشا، وستضطر المملكة في النهاية إلى زيادة الإنتاج بعد أبريل/نيسان.

وارتفعت أسعار خام برنت بنحو 30% منذ بداية عام 2021، حيث استمر الطلب في الزيادة بينما ظلت مستويات الإنتاج ثابتة. وقبل اجتماع "أوبك" في 4 مارس/آذار، أشارت تسريبات إلى أن "أوبك+" تدرس زيادة الإنتاج بنحو 1.5 مليون برميل يوميا.

وارتفعت المخزونات العالمية خلال ذروة وباء كورونا، في الوقت الذي دعمت فيه السعودية محاولات خفض المخزونات. وبالرغم من أن بعض المخزونات، بما في ذلك مخزونات الولايات المتحدة، قد وصلت إلى مستوى قياسي وفق متوسط آخر 5 أعوام، إلا أن الرياض لا تزال تريد التخفيض لأن متوسط ​​الـ 5 أعوام تضخم بسبب حرب الأسعار السعودية الروسية التي بدأت عام 2014، والتي أدت إلى تضخم المخزونات حتى تم تشكيل "أوبك+" (يضم أعضاءً من خارج أوبك) أواخر عام 2016.

وأصبحت روسيا قلقة بشكل متزايد بشأن تأثير ارتفاع أسعار النفط على الإنتاج من خارج "أوبك"، لا سيما في الولايات المتحدة، خشية أن يؤدي ارتفاع الأسعار إلى استئناف إنتاج الصخر الزيتي. 

ووفقا لأرقام الإنتاج الشهرية لوكالة معلومات الطاقة، انخفض إنتاج النفط الخام الأمريكي من ذروة ما قبل الوباء بنحو 13 مليون برميل في اليوم إلى نحو 10.4 مليون برميل في أكتوبر/تشرين الأول 2020؛ بسبب انهيار الأسعار، ولكن بحلول ديسمبر/كانون الأول، تعافى إلى نحو 11.1 مليون برميل يوميا.

من جهة أخرى، حظيت السعودية بدعم الكويت والإمارات، اللتان تستطيعان كبح جماح الإنتاج، والجزائر ونيجيريا، اللتان لا تملكان أي طاقة إنتاجية فائضة حقيقية لزيادة الإنتاج.

وسيعزز قرار "أوبك+" التوقعات بأن أسواق النفط، بل وربما أسواق السلع الأساسية عموما، تدخل دورة صعود بعد الوباء. وحتى إذا بدأ إنتاج النفط الصخري في التعافي، فإن العقبات اللوجستية والاستثمارية يمكن أن تحد من سرعة حدوث هذا النمو.

ويمكن جلب كميات إضافية محدودة للغاية إلى السوق بسرعة؛ لتجنب ارتفاع الأسعار مع انتعاش الطلب بعد الوباء. وكان الاستثمار في إنتاج نفط جديد قد انهار على مستوى العالم في عام 2020، حيث شددت شركات النفط الدولية النفقات الرأسمالية وأجلت المشاريع.

ولا تزال إيران مصدر عدم يقين رئيسي. فقد انهارت صادراتها من النفط الخام إلى أقل من 500 ألف برميل في اليوم، تحت وطأة العقوبات الأمريكية، لكنها قد تعود إلى مستويات ما قبل العقوبات (2.5 مليون برميل في اليوم) إذا تمكنت الولايات المتحدة وإيران من الاتفاق على شروط تخفيف العقوبات.

وتكافح إيران والولايات المتحدة من أجل بدء المحادثات. وإذا لم تتحقق قريبا، فقد لا يحدث تقدم مؤدٍ إلى تخفيف العقوبات إلا بعد إجراء إيران الانتخابات الرئاسية في يونيو/حزيران.

وفي أواخر فبراير/شباط، زاد بنك "جولدمان ساكس" توقعاته لأسعار النفط للربع الثاني بمقدار 10 دولارات للبرميل إلى 70 دولارا للبرميل، وزاد توقعاته للربع الثالث إلى 75 دولارا للبرميل. ويتوقع الآن أيضا أن تصل أسعار النفط في الربع الرابع وعام 2022 إلى 70 دولارا للبرميل في المتوسط.​ وينضم "جولدمان ساكس" إلى عدد متزايد من البنوك الاستثمارية التي أشارت إلى دخول أسواق النفط والسلع الأساسية في دورة صعود.

وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يتعافى الطلب على النفط في عام 2021 بنحو 60% مما خسره أثناء الوباء، وتتوقع زيادة استهلاك النفط بمقدار 5.4 مليون برميل في اليوم إلى 96.4 مليون برميل يوميا في المتوسط.

وبالرغم من بعض الإيجابيات، سيؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى تفاقم المخاوف المالية الحالية وتفاقم المشكلات الاقتصادية المستمرة، مثل ارتفاع التضخم. وحتى بالنسبة لمعظم البلدان المنتجة للنفط، لا يمكن للزيادة المستدامة أن تفعل الكثير لمعالجة مشاكلها المالية العميقة. وواجهت الجزائر وأنجولا والعراق ونيجيريا وعُمان ومجموعة أخرى من البلدان المنتجة للنفط تحديات مالية حتى قبل أن يبدأ الوباء.

وفي حين أن ارتفاع أسعار النفط إلى 75 دولارا للبرميل سيخفف من بعض التحديات المالية، فإنه لن يوازن ميزانية هذه الدول أو يعوض التحديات المالية التي واجهتها منذ 7 أعوام، منذ انهيار أسعار النفط من 100 دولار أو أكثر للبرميل عام 2014.

في المقابل، ستوفر زيادة الأسعار مساحة لمنتجي النفط الأكثر ثراء، مثل السعودية والكويت، لمواصلة استراتيجيات الإصلاح المالي والتنويع طويلة الأجل؛ ما يخفف الضغط من أجل إصلاحات أكثر قوة لا تحظى بشعبية سياسية ويسمح لها بالتراجع عن البعض إذا لزم الأمر. ومع ذلك، فمن غير المرجح أن تتخلى هذه الدول عن مثل هذه الخطط؛ حيث تستمر مبادرات تحويل الطاقة في اكتساب الزخم على مستوى العالم.

وسيضيف ارتفاع أسعار النفط والسلع الأساسية عاملا آخر في توقعات التضخم على مستوى العالم، فيما ارتفعت عوائد السندات بالفعل على خلفية التوقعات بزيادة التضخم، لا سيما في الولايات المتحدة، حيث من المحتمل إقرار حزمة تحفيز جديدة قريبا. وسيؤدي ذلك إلى تعقيد الأمور بالنسبة لمحافظي البنوك المركزية الذين لا يريدون أن يضطروا إلى تشديد السياسات النقدية بسبب مخاوف التضخم قبل اكتمال التعافي الاقتصادي العالمي.

ومما عزز التوقعات بتفاقم التضخم تصريح رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي "جيروم باول"، في 4 مارس/آذار، والذي قال فيه إن مستويات التضخم في الولايات المتحدة فوق هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2% لأرباع متعددة، لن تتسبب بالضرورة في تغيير التوقعات طويلة الأجل.

كما سيؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى مزيد من الضغط على البلدان التي تراجعت عن دعم الوقود في الأعوام الأخيرة. ومن شأن ذلك أن يعيد التفكير في تقديم الدعم؛ ما يزيد من الهشاشة المالية للحكومات أو الشركات المملوكة للدولة التي ستفعل ذلك نيابة عن الحكومة. 

وعلى سبيل المثال، أعلنت شركة البترول الوطنية النيجيرية، مطلع الشهر الجاري، أنها لن ترفع أسعار البنزين خلال مارس/آذار، بالرغم من استغلال انهيار الأسعار في 2020 كفرصة لإنهاء الدعم.

المصدر | ستراتفور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد