الأحد 7 مارس 2021 09:48 ص

يحمل تسارع التعاون بين مصر والسودان، دلالات كثيرة، في ظل تحديات جسام تواجه البلدين العربيين والجارين، في سياق إقليمي مضطرب، ومشحون بالتوتر والنزاعات الحدودية.

وتعد زيارة الرئيس المصري الحالي "عبدالفتاح السيسي"، إلى الخرطوم، وهي الأولى للسودان، منذ الإطاحة بنظام "عمر البشير"، في أبريل/نيسان 2019، ذات أهمية للقاهرة، التي باتت في حاجة ماسة لتوثيق التعاون وزيادة التنسيق مع الجانب السوداني في ملفات عدة.

وتأتي الزيارة في ظل وضع معقد ومأزوم للجانبين، بداية من فشل مفاوضات "سد النهضة" مع الجانب الإثيوبي، والنزاع الحدودي بين السودان وإثيوبيا، وانضمام الخرطوم لركب التطبيع الخليجي العربي مع إسرائيل، إضافة إلى ملفات اقتصادية، وترتيبات أمنية تتعلق بتسليم معارضين تشغل الطرفين.

ملفات حساسة

يتصدر الأجندة المصرية السودانية، التعثر القائم في مفاوضات سد النهضة منذ سنوات، وإصرار الجانب الإثيوبي على البدء في المرحلة الثانية من تعبئة السد، دون النظر لاعتراضات القاهرة والخرطوم.

وبحسب مصادر مطلعة تحدثت لـ"الخليج الجديد"، فإن ملف سد النهضة، وأمن الحدود، والتواجد الإسرائيلي في السودان، يأتيان على رأس اهتمامات الجانب المصري في ما يتعلق بالعلاقات مع الخرطوم.

يدلل على ذلك، بيان الرئاسة المصرية، الذي اعتبر أن المرحلة الدقيقة التي يمر بها ملف سد النهضة تتطلب أعلى درجات التنسيق بين مصر والسودان، مشددا على أن "أي إجراءات أحادية تهدف لفرض الأمر الواقع والاستئثار بموارد النيل الأزرق".

سبق ذلك، بيان مصري سوداني مشترك صادر عن وزارتي خارجية البلدين، أكدا فيه أهمية التوصل لاتفاق قانوني ملزم حول ملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبي، إضافة إلى توقيع اتفاق عسكري يتعلق بأمن الحدود، وإجراء مناورات مشتركة، كرسالة ردع لحكومة رئيس الوزراء الإثيوبي "آبي أحمد".

وفي محاولة لتكثيف الضغوط على أديس أبابا، تتبنى القاهرة والخرطوم مقترحا يقضي بتطوير آلية التفاوض التي يرعاها الاتحاد الأفريقي من خلال تشكيل رباعية دولية تقودها وتسييرها جمهورية الكونجو الديمقراطية بصفتها الرئيس الحالي للاتحاد الأفريقي وتشمل أيضا كلا من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة للتوسط في المفاوضات.

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق لشؤون السودان "وائل عادل نصر"، في تصريح لـ"سبوتنيك"، أن أديس أبابا تتفاوض من أجل كسب الوقت والمضي قدما في عملية البناء وملء السد بصورة أحادية، وهو الدافع نحو محاولة بلورة موقف مصري سوداني حازم قبل فوات الأوان.

ويعزز تحقيق هذا الهدف، حاجة السودان إلى حليف قوي في نزاعه الحدودي مع إثيوبيا حول مناطق الفشقة الزراعية، والتي شهدت معارك عنيفة خلال الشهور الماضية، وهو ما ترجمته زيارة رئيس أركان الجيش المصري، الفريق "محمد فريد حجازي" للخرطوم، مؤكدا استعداد بلاده لتلبية احتياجات الجيش السوداني في مجالات التدريب والتسليح وتأمين الحدود المشتركة.

الخطر الإسرائيلي

خلف الكواليس، وبشكل غير معلن، تبدو مصر قلقة للغاية من تواجد إسرائيلي في حديقتها الخلفية، خاصة أن السودان يبدو ماضيا بخطى سريعة نحو تعزيز التطبيع مع تل أبيب، باعتباره بوابة للخلاص من أزماته الداخلية والخارجية المتراكمة.

ويمثل السودان فرصة واعدة للإسرائيليين للتواجد على البحر الأحمر، الذي يمثل أهمية استراتيجية لتل أبيب، كذلك سيكون ساحة لنشاط استخباراتي مكثف، ومنصة لتعاون اقتصادي وزراعي بين البلدين، وهي أمور تنظر إليها مصر في المجمل بعين الريبة.

وترغب مصر تحديدا في أن تظل على علم كامل بجميع أوجه التطبيع السوداني الإسرائيلي، وألا يمتد هذا التطبيع إلى المجال العسكري، مع حصره نسبيا في الملفات التنموية ومجالات الزراعة والطاقة والكهرباء.

ووفق مصادر حكومية مصرية مطلعة تحدثت لـ"العربي الجديد"، فإن القاهرة قلقة من تعاون عسكري بين الخرطوم وتل أبيب، لا سيما مع استمرار الخلافات المعلقة بين البلدين على مثلث حلايب وشلاتين الحدودي المطل على البحر الأحمر.

وتنصح دوائر الاستخبارات المصرية، بضرورة البناء على المناورات المشتركة الأخيرة "نسور النيل 1" التي أجرتها مع السودان، وتدعيم العلاقات العسكرية بين البلدين؛ لقطع الطريق أمام أي نفوذ إسرائيلي محتمل مستقبلا على أرض الجارة الجنوبية.

أجندة اقتصادية

وعلى الرغم من أن الأسباب السياسية كانت حاضرة بقوة خلف زيارة "السيسي" للخرطوم، فإن الأجندة الاقتصادية طرحت نفسها بقوة كركيزة للعلاقات بين الجانبين.

وتؤكد مطادر خاصة تحدثت لـ"الخليج الجديد"، أن القاهرة تعمل بصورة حثيثة لتطوير العلاقات المصرية السودانية من خلال بناء شراكات استراتيجية اقتصادية وعسكرية، ومن خلال مشروعات الربط الاستراتيجي للكهرباء ومشروع الطريق البري الذي يتوقع ألا يقتصر على السودان وأن يمتد إلى دول أفريقية أخرى.

ووفق رؤية الخبير الاقتصادي السوداني "يسن حسين"، فإن مصر والسودان بحاجة إلى بعضهما البعض، وهو ما يتطلب وضع أسس جديدة تحكم العلاقة الاقتصادية بينهما، بحسب "سكاي نيوز".

ويرتبط البلدان بحدود برية وبحرية طويلة، ويستخدمان عدة نقاط برية ومائية مشتركة لتبادل التجارة بينهما، التي يبلغ متوسطها السنوي نحو 800 مليون دولار، ويأملان في رفعها إلى 3 مليارات سنويا خلال السنوات المقبلة.

وتزخر محفظة الاستثمارات بين البلدين ببنود عدة، أبرزها التعاون الزراعي، والإنتاج الحيواني، والربط الكهربائي، ومشروع الربط السككى بين مصر والسودان (أسوان-وادي حلفا)، والاستفادة المتبادلة من موانئ البلدين على البحر الأحمر، وتنشيط التبادل التجاري عبر محور (القاهرة/أرقين) الذي يمر بـ8 محافظات مصرية، والذي يحقق الربط البرى وزيادة حركة التجارة مع الدول الأفريقية.

ويبدو أن القاهرة والخرطوم، بصدد بلورة موقف مصري موحد في أزمة السد، كثمرة للتقارب الحاصل أخيرا، وتعزيز أمن الحدود كرسالة ثانية ذات مغزى لإثيوبيا، وثالثا تقوية النفوذ المصري أمام رياح التطبيع مع إسرائيل.

تبقى رسالتان واضحتان تبرقهما الدبلوماسية المصرية، الأولى أن السودان عمق استراتيجي لها لا يمكن التخلي عنه أو تركه كحديقة خلفية لأطراف إقليمية أو دولية بعيدا عن نظر القاهرة، والثانية أن مستقبل الأمن المائي للجارتين واحد أمام التعنت الإثيوبي في ملف سد النهضة.

المصدر | الخليج الجديد