الاثنين 8 مارس 2021 05:15 م

في العام الماضي، كتب "جو بايدن" المرشح لرئاسة الولايات المتحدة آنذاك، في مقال في "فورين أفيرز"، يوجز فيه سياسته الخارجية المنتظرة: "يجب على حلفائنا القيام بنصيبهم العادل". وهي واحدة من تلك الأقوال الاستراتيجية التي يحبها الجميع من الناحية النظرية، لكنها تجعل الناس قلقين من الناحية العملية.

وكان لكل الإدارات الحديثة نسختها الخاصة من هذا القول؛ فقد تحدثت إدارة "بوش" عن العمل "من خلال الشركاء في الحرب العالمية على الإرهاب". ونشرت إدارة "أوباما" مفهوم "القيادة من الخلف" والسماح لحلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين بتوجيه تدخل "الناتو" في الحرب الأهلية الليبية. وقالت إدارة "ترامب" إنه يجب على الحلفاء والشركاء "تحمل نصيب عادل من عبء المسؤولية للحماية من التهديدات المشتركة".

وتعد الفكرة مقنعة من حيث المبدأ؛ ففي النهاية، من يمكنه الاعتراض على تخفيف العبء على الجيش الأمريكي وتقليل التكلفة على دافعي الضرائب الأمريكيين؟ لكن حين ترغب في ملء التفاصيل حول من هم هؤلاء الحلفاء والشركاء وماذا يعني "القيام بنصيبهم العادل" في الواقع، فإنه يبقى قولا مبتذلا يفقد بريقه.

ويعد بيع الولايات المتحدة لطائرات "إف-35" المقاتلة وغيرها من الأسلحة المتطورة للإمارات مجرد أحدث مثال على هذه الظاهرة. وتم التعجيل بالصفقة التي تجاوزت قيمتها 23 مليار دولار في الأيام الأخيرة لإدارة "ترامب"، وتضمنت 50 طائرة مقاتلة متطورة و18 طائرة بدون طيار من طراز "MQ-9B" و10 مليارات دولار من الذخائر جو-جو وجو-أرض. وفي أول يوم كامل له في المنصب، أوقف وزير الخارجية "أنتوني بلينكين" عملية البيع تلك، في انتظار مزيد من المراجعة.

وتوجد العديد من الأسباب الوجيهة وراء احتمال دعم الولايات المتحدة لمثل هذا البيع. فقد ساعدت الصفقة في ترسيخ اتفاقات التطبيع التاريخية التي أسفرت عن معاهدات سلام بين أقرب حليف إقليمي للولايات المتحدة، إسرائيل، وسلسلة من الدول التي تشمل الإمارات.

ويعزز بيع الأسلحة الأمريكية قابلية التشغيل البيني ويقوي العلاقات الدفاعية للولايات المتحدة مع شريك كان أحد الدول العربية القليلة التي قدمت قوات للحرب في أفغانستان. وتوفر الصفقة دفعة كبيرة لصناعة الدفاع الأمريكية، حيث تحافظ على استمرار تشغيل خطوط الإنتاج وتوظيف العمال الأمريكيين.

وإذا لم تبع الولايات المتحدة الأسلحة إلى الإمارات، فربما تلجأ أبوظبي إلى خصوم الولايات المتحدة مثل روسيا أو الصين كموردين محتملين، وكلاهما يضع أعينه بالفعل على المنطقة ويحاول شق طريقه إليها. وقبل كل شيء، تجعل الصفقة الإمارات قوة عسكرية موازنة أقوى لخصم مشترك آخر، وهو إيران، من خلال تعزيز الردع وتحرير القوات العسكرية الأمريكية للأولويات الأخرى.

وفي الوقت نفسه، توجد العديد من الأسباب، وإن كانت أقل إلحاحا، لمعارضة الصفقة. وقد أعرب بعض أعضاء الكونجرس عن قلقهم من أن مثل هذه الصفقة ستقوض التفوق العسكري النوعي لإسرائيل، بالرغم من أن إسرائيل نفسها لم تعترض على الصفقة. وأعرب آخرون عن قلقهم من أن يؤدي البيع إلى إطلاق سباق تسلح إقليمي آخر.

وبعد قولي هذا، من الصعب أن نفهم لماذا قد يؤدي هذا البيع الفردي إلى زعزعة استقرار منطقة تعد بالفعل مستهلكا للأسلحة الأمريكية المتقدمة منذ فترة طويلة وواحدة من أكثر المناطق تسليحا في العالم. وقد اعترض آخرون على أنه تم الاستعجال في هذه العملية على ما يبدو، بالرغم من أنه من المفترض أن المراجعة الإضافية من قبل إدارة "بايدن" ستخفف من هذه المخاوف.

وبدلا من ذلك، قد يكون السبب الأفضل الذي يدفع صانعي السياسة الأمريكيين للاعتراض على مبيعات الأسلحة إلى الإمارات هو ما يسميه "كينيث بولاك" و"جوزيف رانك" "مشكلة الحلفاء القادرين". ومنذ عام 2015، شاركت الإمارات في حملة جوية بقيادة السعودية في اليمن ضد الحوثيين، وهي حركة متمردة تدعمها إيران. وبينما قلصت الإمارات مشاركتها على مدار العامين الماضيين، لا يزال الصراع ينتج ما تسميه "هيومن رايتس ووتش" بـ"أكبر أزمة إنسانية في العالم"، حيث قُتل 17 ألفا و500 مدني و10 ملايين شخص معرضون لخطر المجاعة.

وانخرطت الإمارات في صراع دموي طويل الأمد بالوكالة تدعم فيه "خليفة حفتر"، قائد الجيش الوطني الليبي، ضد الفصائل الموالية للإسلاميين في الحرب الأهلية الليبية. ويجب أن يكون القلق بالنسبة للولايات المتحدة، مع حصول الإمارات على أسلحة أكثر تقدما من أي وقت مضى، فإنه سيكون لديها حرية أكبر في متابعة أهدافها الخاصة في اليمن وليبيا أو ربما ضد إيران نفسها، وقد لا تكون هذه الجهود متسقة مع مصالح الولايات المتحدة أو قيمها.

لكن صفقة الأسلحة الإماراتية تعد عرضا لمشكلة أعمق. فالولايات المتحدة لديها العديد من الحلفاء وعدد أكبر من الشركاء، ولكن ليس لديها الكثير من الشركاء "المثاليين". وأصبحت المواءمة الاستراتيجية نادرة بما في هذا العالم متعدد الأقطاب بشكل متزايد. وأيضا أصبح هناك قلة من الدول لديها الإرادة والقدرة على ممارسة القوة العسكرية، وعدد أقل لا يزال يشترك في المثل الأمريكية، خاصة فيما يتعلق باستخدام القوة.

وفي حين أن الحلفاء القدامى، مثل المملكة المتحدة وأستراليا، يكثفون الإنفاق الدفاعي، لا يوجد الكثير الذي يمكن لهذه البلدان القيام به. ومع ذلك، فكلما أصبح هؤلاء الحلفاء والشركاء أكثر قدرة، زادت قدرتهم على التصرف بشكل مستقل، للأفضل أو للأسوأ. وكما قال "بولاك ورانك"، "بالرغم من أنه سيكون من الجيد ألا يتخذ حلفاء الولايات المتحدة أي إجراء دون طلب الإذن أولا، إلا أن هذا غير واقعي".

ولا يعد هذا التحدي جديدا، لكنه تحد لم تضطر الولايات المتحدة إلى مواجهته بالكامل طوال الجزء الأكبر من الـ3 عقود القادمة. وبعد كل شيء، وجدت الولايات المتحدة نفسها بانتظام في شراكات غير لائقة مع أنظمة استبدادية في السعي لتحقيق الهدف الأكبر المتمثل في محاربة الشيوعية. وأبرمت الولايات المتحدة صفقات غير لائقة بالمثل مع الأنظمة الاستبدادية في العالم العربي كجزء من الحرب العالمية على الإرهاب.

ومع ذلك، باعتبارها القوة العظمى الوحيدة في عالم ما بعد الحرب الباردة، لا تزال الولايات المتحدة قادرة على تحمل التظاهر بالبحث عن الفضيلة في تحالفاتها. واليوم، قد لا يكون هذا هو الحال بعد الآن. ومع صعود الصين، وعودة روسيا، ومجموعة من التحديات الإقليمية الأخرى التي لا تزال في حالة غليان، والوباء العالمي الذي من المقرر أن يزيد الضغط على الإنفاق الدفاعي للولايات المتحدة، قد تحتاج الولايات المتحدة إلى قبول الحلفاء والشركاء لديها على حالهم.

وبالتالي، فإن صفقة الأسلحة الإماراتية لن تكون سابقة من نوعها. وفي منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وجدت الولايات المتحدة أن كبح جماح الصين التي تزداد عدوانية تتطلب مغازلة حكومة "رودريغو دوتيرتي" القمعية المتزايدة في الفلبين، والنظام الشيوعي القمعي في فيتنام. وفي الشرق الأوسط، وبغض النظر عن الإمارات، تجد الولايات المتحدة نفسها في علاقات مضطربة مع مصر والسعودية خلال مكافحة الإرهاب والتصدي للنفوذ الإيراني.

وحتى في أوروبا الحليفة الغنية بالديمقراطية، فإن عددا قليلا فقط من الدول لديه الموارد والإرادة لكبح روسيا. نتيجة لذلك، تجد الولايات المتحدة نفسها تلجأ إلى بولندا لتشكيل العمود الفقري لاستراتيجية الردع في أوروبا الشرقية، بالرغم من التراجع الديمقراطي في تلك الدولة. وتجد الولايات المتحدة بشكل متزايد أن دفع الحلفاء والشركاء "للقيام بنصيبهم العادل" هو نعمة ونقمة في نفس الوقت.

وإذا كانت الولايات المتحدة تريد تحقيق أهدافها الشاملة دون دفع أعباء كاملة، فقد تحتاج إلى ابتلاع هذه الهواجس، وتعلم العيش مع شركاء وحلفاء قادرين، حتى من النوع البغيض منهم، والتخلي عن بعض رغبتها في إملاء النتائج الاستراتيجية النهائية. وإذا لم يكن الأمر كذلك، فقد تواجه احتمال دفع ثمن القوة العسكرية الأمريكية بشكل كامل مع كل التكاليف البشرية والمالية التي قد تترتب على ذلك.

المصدر | رفائيل كوهين - لوفير - ترجمة وتحرير الخليج الجديد