الأربعاء 10 مارس 2021 02:02 م

البابا فرانسيس: جئت تطلب نارًا أم تُرى جئت تشعل البيت نارا؟!

الزيارة في رأيي هي خرق انجزه محور التطبيع وهي مقدمة لتطبيع عراقي قادم لا يعرقله الا انتشار السلاح!

هل يعقل ان يتحدث رئيس عراقي أمام البابا اليوم عن السلام والتعاون  في المنطقة دون أي اشارة للقضية فلسطين لا من قريب او بعيد؟!

كأني بالبابا يقول للعراقيين لقد أعطيتم الأكراد رئاسة الجمهورية والشيعة رئاسة الوزراء والسنة رئاسة السلطة التشريعة، فاين نصيب المسيحيين؟!

تحدث البابا عن "مهاجرين" ولاجئين لكنه بلا إشارة للاجئ الفلسطيني الذي مضى عليه مشردا 73 سنة فقد غيبه وغيب قضيته في الخطاب مع أن قضية فلسطين هي أم المشكلات بالمنطقة!

*     *     *

التغطية الاعلامية التي حفلت بها زيارة البابا فرانسيس الى العراق اليوم   بخاصة من قناة تقدم نفسها على أنها قناة "المقاومة" تكشف  عن " سذاجة" مفرطة ، ومحاولة لتقديم الزيارة على انها "فتح انساني وأخلاقي" لبيئة شرق اوسطية غارقة في الدم والدموع والجهل والفقر. وبعيدًا عن المماحكات الدينية، وبعيدا عن تأويل المواقف من الأديان، اود ان اتوقف عند الملاحظات التالية

أولا: من هو البابا فرانسيس

لا اريد الدخول في حياته اليومية وكاثوليكيته التي برأت اليهود من دم المسيح في بيان حمل اسم " في زماننا" عام 1965" رغم أنف الروايات التاريخية المتواترة حول هذه الواقعة!

ولن اطيل امام نص الرسالة التي دسها البابا يوحنا بولس الثاني  الكاثوليكي  بين حجارة حائط المبكى وكتب فيها: "نشعر بالحزن الشديد لسلوك أولئك الذين سببوا المعاناة لأولادك (أي اليهود)، ونحن ملتزمون باظهار الاخوة الحقيقية نحو شعب العهد القديم".

لكني ساتوقف عند الفترة التي تولى فيها البابا فرانسيس منصبه الحالي عام 2013، فكانت إسرائيل في مقدمة زياراته في مايو 2014 ، ويومها صلى عند المبكى، والتقى بحاخامات اسرائيل، ووضع إكليلا على قبر هرتزل، وزار مؤسسة "باد فاشيم" لتخليد ذكرى ما يسمى الهولوكوست، ولا يجوز ان ننسى انه خلال كارديناليته في الارجنتين كان من أكثر الشخصيات قربًا من الجالية اليهودية هناك.

ويكفي ان نعود لمقال الاطراء الكبير للبابا فرانسيس الذي كتبه "عكيفا تور" رئيس مكتب الشؤون اليهودية والاديان العالمية بوزارة الخارجية الاسرائيلية (في 12 مايو 2014).

ثانيا: خطابة في العراق

ورد في خطابه  اليوم عدد من المفاهيم التي لا بد من سوء النية لقراءتها، فقد ركز على المحاور التالية:

1. حوار الأديان (الأديان جمع وليس مثنى..اي ليس بين المسيحيين الكاثوليك الذين يمثلهم  وبين المسلمين بل ومعهم اليهود)، والمشكلة ليس في الحوار الثقافي بل في تمويه الهدف السياسي من حوار الاديان.. وزيارته لمدينة أور (يُزعَم أنها مسقط رأس ابراهيم) لا يمكن تأويلها خارج الأيحاء السياسي نظرا لاعتبار إبراهيم (ع) "جذر أديان التوحيد"!

2. دعوته في خطابه اليوم الى الاعتراف بالطوائف وتحقيق العدالة وضمان الحقوق الاساسية : وكأني به يقول لقد اعطيتم الاكراد رئاسة الجمهورية، والشيعة رئاسة الوزراء، والسنة السلطة التشريعة، فاين نصيب المسيحيين؟

ثم لا بد من الاقرار بهم كهوية فرعية، وقد يكون ذلك مقدمة للمساهمة في اخلال التوازنات السياسية بخاصة اذا شجعت امريكا واسرائيل على تحالفات داخلية عراقية تخفي في داخلها مشروعا اوسع من الدعوات الاخلاقية للمحبة والسلام.

إن الدعوة للاعتراف بالهوية المسيحية كهوية سياسية ستتمدد للدول العربية الأخرى، وستتحول المنطقة لموزاييك إثني تصبح معه الدولة اليهودية التي يبشر بها نيتنياهو  منسجمة مع بنية الاقليم الشرق اوسطي.

3. المفهوم الثالث في خطاب فرانسيس هو قوله  حرفيا "انتشار السلاح في كل مكان (ولاحظ كل مكان) ثم يقول "اسم الله لا يجوز ان يستخدم للقتل، لماذا لم يقل اسم الرب وليس اسم الله، فالتنظيمات المسلحة المسيحية تستخدم لفظ الرب في تسمياتها (مثل  جيش الرب في اوغندا ).. إن استخدام مصطلح " الله" في هذه المنطقة واعتباره  ذريعة للقتل وانتشار السلاح يطلقه البابا في  عراق فيه "حزب الله" وهو حليف لحزب الله في لبنان.

4. تحدث البابا فرانسيس عن " المهاجرين" واللاجئين، لكنه لم يشر الى اللاجئ الفلسطيني الذي مضى عليه مشردا 73 سنة، لقد غيبه وغيب قضيته في الخطاب، مع ان كل خبراء السياسة يعلمون ان القضية الفلسطينية هي أم وأب أكثر المشكلات حدة في المنطقة.

ان الزيارة في رأيي هي خرق انجزه محور التطبيع، وهي مقدمة لتطبيع عراقي قادم لا يعرقله الا انتشار السلاح ، وهنا اتساءل عن خطاب الرئيس العراقي امام البابا اليوم ، فهل يعقل ان يتحدث رئيس عراقي عن السلام والتعاون  في المنطقة دون أي اشارة للقضية فلسطين لا من قريب او بعيد!

وهذا ليس منفصلا عن توجه عراقي حالي، فالرئيس العراقي (وبالاحصاء) هو اقل رئيس عربي ذكرًا فلسطين في أي موقف، فقد ذكرها  في كل فترة رئاسته مرة واحدة اثناء زيارة رئيس سلطة التنسيق الامني له.

ان التغير في سياسات الكنيسة الكاثوليكية منذ 1965، وخلفية مواقف البابا فرانسيس السياسية تجاه اسرائيل ، ومضمون خطابه اليوم، وتنامي تيار التطبيع ، يشير الى ان " الغرب" يريد ان يجعل من العراق  درة محور التطبيع ، فزيارة البابا خلفها اسباب ملفقة كما قال شوقي في مسرحية "قيس وليلى" على لسان والد ليلى مخاطبا قيسًا:

جئت تطلب نارا أم ترى *** جئت تشعل البيت نارا..

* د. وليد عبد الحي أكاديمي وباحث في الدراسات المستقبلية

المصدر | facebook.com/walid.abdulhay