الأربعاء 17 مارس 2021 04:27 ص

اقتحام قصر المعاشيق يكشف مستويات التأزم المستترة

صورة مكثفة لتضافر أزمات عديدة راهنة ومعضلات أخرى سياسية واقتصادية وعسكرية تعصف بجنوب اليمن.

كأنما كان اقتحام قصر المعاشيق أقرب إلى ضارة نافعة لأنه كشف الكثير من مستويات التأزم المستترة!

ترابط بالقصر قوات سعودية وعناصر المجلس الانتقالي لحراسته لكنها إزاء تدفق المتظاهرين لم تتخذ أي إجراء يحول دون اقتحامهم مقارّ الوزارات.

توقفت المواجهات العسكرية المباشرة بين قوات الانتقالي والشرعية بموجب اتفاق الرياض لكنها تتواصل بركوب الانتقالي موجة الاحتجاجات وتجييرها سياسيا.

*     *     *

كان اقتحام قصر المعاشيق الرئاسي في مدينة عدن بمثابة الصورة المكثفة لتضافر أزمات عديدة راهنة وجوانب أخرى قديمة وحديثة من معضلات سياسية واقتصادية وعسكرية تعصف بمحافظات جنوب اليمن عموماً.

على رأس هذه الأزمات والمعضلات يأتي الواقع المعيشي المتدني الذي يعاني منه السواد الأعظم من أبناء المنطقة، والذي يتجلى في الارتفاع الجنوني للأسعار والمشتقات النفطية وتدهور الخدمات وتوقيف صرف الرواتب للعاملين في قطاعات الدولة المختلفة وانقطاع الكهرباء خلال فترات بلغ بعضها 15 ساعة يومياً، هذا عدا عن انحطاط العملة الوطنية إلى رقم غير مسبوق هو 900 ريال مقابل الدولار.

لكن المعاشيق ليس قصراً رئاسياً فقط، بل هو مقرّ الحكومة أيضاً، ولهذا فإن اقتحامه كان تعبيراً واضحاً عن سخط جماهيري تجاه مسؤولية الوزارات المختلفة عن الأوضاع المتردية وكذلك تقصير رئيس الحكومة شخصياً، وهذا هو المستوى الثاني من حالة التأزم.

ومن المعروف أن الحكومة الحالية كانت قد تشكلت في 18 كانون الأول/ ديسمبر الماضي وعكست التفاهمات التي تم التوصل إليها بموجب اتفاقية الرياض مطلع تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، وخاصة اقتسام الحقائب مناصفة بين شمال اليمن وجنوبه، بالإضافة إلى خمس حقائب انتزعها المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات.

وبذلك فإن الاحتجاجات الجماهيرية على تقصير الحكومة هي من وجهة أخرى احتجاجات على الفاعلية المتدنية لمخرجات اتفاق الرياض ذاته، أياً كانت المكونات التي انخرطت فيه.

مستوى ثالث لحالة التأزم تجلى في سلوك القوات السعودية التي ترابط في القصر، وكذلك عناصر المجلس الانتقالي الذي تشارك في حراسته، إزاء تدفق المتظاهرين وعدم اتخاذ أي إجراء يحول دون اقتحامهم مقارّ الوزارات ومكاتب الوزراء أنفسهم، بالمقارنة مع الرصاص الحيّ الذي سبق أن استُخدم لتفريق المتظاهرين في أماكن أخرى من الجنوب.

ويُفهم من هذا السلوك أن المواجهات العسكرية المباشرة بين قوات الانتقالي وقوات الشرعية قد توقفت بموجب اتفاق الرياض، ولكنها تتواصل بصفة غير مباشرة عبر ركوب الانتقالي موجة الاحتجاجات وتجييرها لأغراض سياسية وكأوراق ضغط بصدد ما لم يتم تنفيذه بعد من بنود الاتفاق.

ومن الواضح، في مستوى رابع، أن موقف البيت الأبيض المستجد الذي تبنته إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن قد خلق زخماً جديداً أو إضافياً سمح لجميع الأطراف على الساحة اليمنية بتصعيد خياراتها أو بلورة تكتيكات جديدة على الأرض، الأمر الذي شجع الحراك الشعبي على اغتنام الفرصة أيضاً.

وليست معزولة عن هذا السياق استئناف الحوثي عمليات القصف بالطائرات المسيرة ضد أهداف في العمق السعودي، وكذلك إشعال جبهات القتال في منطقة مأرب التي لا تعدّ العاصمة الثانية للشرعية فقط بل هي كذلك إحدى حواضن النفط في اليمن.

كل هذا يفسر من جانب آخر استئناف نشاط المبعوث الأممي مارتن غريفيث بدعم واضح من الولايات المتحدة، وبتشديد متجدد على أهداف كبيرة مثل وقف إطلاق النار ورفع الحصار عن الموانئ وإعادة تشغيل مطار صنعاء.

كأنما كان اقتحام قصر المعاشيق أقرب إلى ضارة نافعة، لأنه كشف الكثير من مستويات التأزم المستترة.

المصدر | القدس العربي