الجمعة 19 مارس 2021 08:36 ص

مضى نحو شهرين على دخول الرئيس الأمريكي "جو بايدن" المكتب البيضاوي، ومع ذلك، لا تزال سياسته تجاه الشرق الأوسط غير واضحة بشكل كامل.

وبالرغم أن "بايدن" وفريقه لديهم نهج مختلف في إدارة السياسة الخارجية عن "دونالد ترامب"، لكنهم على الأرجح سيحافظون على المحددات التقليدية للسياسة الخارجية الأمريكية مع التركيز بشكل أساسي على الدبلوماسية والمشاركة.

وبدأت الإدارة الجديدة بالفعل في دعم فريق الشرق الأوسط بالخبراء، ما يعطي الأمل في أن الدبلوماسية المهنية ستكون قادرة على الوصول إلى نتائج مستدامة في عهد "بايدن".

ومن المرجح أن تدعم روسيا، التي لها مصلحة مماثلة في السلام في الشرق الأوسط، الجهود الدبلوماسية للرئيس "بايدن" فيما يتعلق باليمن وإيران، بالرغم من الخلافات بين موسكو وواشنطن في أماكن أخرى.

وبينما كانت إدارة "بايدن" تصوغ نهجها تجاه المنطقة ومجلس التعاون الخليجي على وجه الخصوص، لم تضيع روسيا أي وقت، وفي 8 مارس/آذار، ذهب وزير الخارجية الروسي "سيرجي لافروف" في جولة دبلوماسية إلى الإمارات والسعودية وقطر، وجميعها من حلفاء الولايات المتحدة، لمناقشة العلاقات الثنائية والأجندة الإقليمية.

وعلى مدى الأعوام الـ6 الماضية، تمكنت موسكو من تحسين علاقاتها مع دول مجلس التعاون الخليجي، بشكل ملحوظ، في العديد من المجالات، ونمت التجارة الثنائية بين الجانبين، بما في ذلك مبيعات المنتجات العسكرية والزراعية. وقد تزايدت المشاريع والاستثمارات المشتركة، وازداد التفاعل الدبلوماسي والاستخباراتي بشأن القضايا الإقليمية والتحديات الأمنية.

وفي الأعوام الأخيرة، تعززت العلاقات بين روسيا ومجلس التعاون الخليجي، ويرجع ذلك جزئيا إلى الاستياء الإقليمي من السياسة الخارجية الأمريكية غير المتسقة. وخلال فترة رئاسة "باراك أوباما"، دعمت الولايات المتحدة انتفاضات الربيع العربي، في الوقت الذي رأت العديد من دول مجلس التعاون الخليجي أن واشنطن تخلت عن حليفين رئيسيين هما "مبارك" في مصر و"بن علي" في تونس.

وفي وقت لاحق، في عام 2015، تفاوضت الولايات المتحدة، إلى جانب الأعضاء الآخرين في مجموعة "5 + 1"، على الاتفاق النووي مع إيران، وهو ما نظرت إليه غالبية دول مجلس التعاون الخليجي بشكل سلبي. ودفع ذلك دول المنطقة إلى تنويع علاقاتها، وتطوير العلاقات مع روسيا كقوة موازنة للولايات المتحدة.

وفي المقابل، أصبحت دول الخليج شريكا مفيدا لروسيا في العديد من المجالات وخاصة مع تعقد علاقات موسكو مع الغرب بسبب العقوبات المتعلقة بأوكرانيا. وسيعتمد المزيد من التقدم في العلاقات بين روسيا ومجلس التعاون الخليجي على كيفية تعامل الولايات المتحدة مع شركائها الإقليميين، وما إذا كانت ستمنح موسكو ودول المجلس الفرصة والمساحة لتنمية هذه العلاقات. لهذا السبب، تنظر روسيا باهتمام إلى كيفية تعامل الإدارة الأمريكية الجديدة مع المنطقة.

الشرق الأوسط لم يعد أولوية قصوى لأمريكا

وعادة، تتمحور التوقعات حول السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط حول توقعين متطرفين. إما أن الولايات المتحدة ستزيد من وجودها ودورها في المنطقة، أو ستحاول الانسحاب منها تماما.

وكما هو الحال دائما، تكمن الحقيقة في مكان ما في الوسط. وعلى مدى العقد الماضي، جرت السياسة الخارجية للولايات المتحدة في المنطقة على أساس المشاركة المحدودة، ومكافحة الإرهاب، ودعم حلفائها في المنطقة. بعبارة أخرى، تهدف واشنطن إلى تحسين مواردها في الشرق الأوسط، مع الحفاظ على قدراتها العملياتية العسكرية.

وفي الوقت نفسه، من الملاحظ أن الشرق الأوسط يفقد أهميته الاستراتيجية السابقة لدى واشنطن. وبالرغم أنه من غير المرجح أن تغادر الولايات المتحدة المنطقة في المستقبل المنظور، فإنها أصبحت بالفعل مترددة بشكل متزايد في إنفاق المزيد من الوقت والموارد في التعامل مع المشاكل الإقليمية هناك.

ويرجع ذلك إلى عدة أسباب. أولا أدت ثورة النفط الصخري في أمريكا في أوائل عام 2010 إلى زيادة حادة في إنتاج النفط المحلي. ومنذ عام 2008، ارتفع إنتاج الولايات المتحدة من النفط من 5 آلاف برميل يوميا إلى 12 ألف برميل يوميا في 2019، بينما انخفضت واردات النفط بنسبة 24% من 13 ألف برميل يوميا إلى 7 آلاف و800 برميل يوميا.

وتراجعت واردات النفط من منطقة الخليج 3 مرات خلال هذه الفترة، ما جعل الولايات المتحدة أقل اعتمادا على إمدادات النفط من المنطقة وتسبب في تراجع أهميتها الاستراتيجية لدى واشنطن. وفي الوقت نفسه، أدت زيادة استقلالية الطاقة الأمريكية وصادرات النفط الأمريكي إلى تقريب موسكو والرياض من بعضهما البعض، وأدى إلى ظهور "أوبك+" لتنسيق إنتاج وتصدير النفط في البلدين.

ثانيا، نمت الاضطرابات الداخلية بشكل كبير في الولايات المتحدة على مدار العقد الماضي، الأمر الذي أدى إلى انشغال الولايات المتحدة بالمشاكل الداخلية، مثل الاستقطاب الداخلي، والقضايا الاقتصادية، وتداعيات "كوفيد-19"، وما إلى ذلك. وستأخذ هذه المشاكل حتما الكثير من تركيز الإدارة الجديدة، ما يؤدي إلى تراجع تركيزها على الجهود المبذولة لمواجهة التحديات في الشرق الأوسط.

ثالثا، شعرت الولايات المتحدة بشكل متزايد بالحاجة إلى التعامل مع التحديات القادمة من الصين وروسيا التي حاولت تحسين علاقاتها مع أوروبا. وينظر إلى هذه الملفات على أنها أكثر أهمية من الشرق الأوسط بالنسبة للاستراتيجية الكبرى لأمريكا، ومن المرجح أن يؤدي تحديد الأولويات الأمريكية إلى أخذ حصة من اهتمامات الولايات المتحدة ومواردها بعيدًا عن الخليج.

أخيرا، هناك معارضة داخلية متصاعدة لعلاقات أمريكا الحميمة مع بعض الدول الخليجية والعربية، لا سيما السعودية والإمارات ومصر. ويعتقد أن هذه الدول قد تورطت في العديد من انتهاكات حقوق الإنسان، على الصعيدين المحلي والدولي.

ومع ذلك، فإن التصريحات الأخيرة التي أدلى بها "بايدن" بشأن نهج الولايات المتحدة تجاه السعودية توضح عدم الرغبة في إعادة النظر بشكل جذري في علاقاتها مع الرياض، حتى بعد نشر تقرير المخابرات حول مقتل الصحفي "جمال خاشقجي"، الذي تورط فيه ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان".

وبالرغم من إصرار "بايدن" أثناء حملته الانتخابية على أن تصبح السعودية دولة "منبوذة"، إلا أن الولايات المتحدة تبنت في النهاية موقفا أكثر ليونة تجاه المملكة مما كان متوقعا. ويؤكد هذا النهج كيف تحجم الولايات المتحدة عن إيلاء المزيد من الاهتمام لمثل هذه المنطقة المثيرة للجدل، لا سيما بالنظر إلى شراكاتها الطويلة مع الجهات الفاعلة الإقليمية.

لهذه الأسباب، من غير المرجح أن تغير الولايات المتحدة هذا الاتجاه وتبدأ "بالعودة" إلى الشرق الأوسط أو تعيد تنشيط علاقاتها مع حلفائها الخليجيين. ومع ذلك، تشير تصرفات "بايدن" حتى الآن إلى أن الولايات المتحدة لن تنفصل عن الشرق الأوسط تماما، لأنه لا يزال مهما للولايات المتحدة وموقفها العسكري في المنطقة.

لماذا لا تستطيع الولايات المتحدة المغادرة بعد؟

وهناك العديد من الأسباب التي تجعل من غير المرجح أن تنسحب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط. أولا، بالرغم من تقليص القوات الأمريكية في المنطقة، فقد حافظت واشنطن على قدرتها على ممارسة النفوذ السياسي والاقتصادي على دول المنطقة.

وبالرغم أن الولايات المتحدة خفضت بشكل كبير وجودها العسكري في الشرق الأوسط بين عامي 2008 و2020، إلا أن هذا كان في الغالب بسبب الانسحاب العسكري من العراق وأفغانستان. وانخفض الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط من ذروة عام 2008 والتي بلغ فيها عدد القوات الأمريكية في العراق وأفغانستان 187 ألف فرد (148 ألفا في العراق و 39 ألفا في أفغانستان)، إلى ما يقرب من 2500 اليوم في العراق، ومثلهم في أفغانستان، وأكثر من 200 في سوريا. وفي الوقت نفسه، يبلغ عدد القوات العاملة خارج أفغانستان والعراق وسوريا، نحو 76 ألفا، وهو عدد أقل مقارنة بعام 2008 لكنه لا يزال كبيرا.

وهناك مؤشر مهم آخر على مشاركة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وهو "ميزانية الحرب". وتهدف تلك الميزانية إلى تمويل العمليات العسكرية الأمريكية في أماكن مثل العراق وأفغانستان وسوريا، ولا يتم احتسابها ضمن الحدود القصوى للميزانية العسكرية، ما يجعلها أداة مفيدة لزيادة التمويل إذا لزم الأمر.

وبعد أن سحبت الولايات المتحدة غالبية قواتها من العراق وأفغانستان، ظل وجودها العسكري في المنطقة دون تغيير نسبيا، وظلت "ميزانية الحرب" عند نحو 10% من الميزانية الإجمالية للبنتاجون، بما يعادل من 60 إلى 70 مليار دولار سنويا. بالإضافة إلى ذلك، فإن وزارة الخارجية الأمريكية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لديهما تمويل حرب خاص بهما، يضيف في المتوسط ​​11 مليار دولار أخرى سنويا لـ"ميزانية الحرب" منذ عام 2012.

وتبقى المساعدات الخارجية الأمريكية لدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أعلى من أي منطقة أخرى، بين 6 إلى 8 مليار دولار سنويا في الأعوام الـ 5 الماضية. وتذهب 5 مليارات دولار أخرى سنويا إلى الشرق الأوسط من خلال التمويل العسكري الأجنبي. وبالرغم من تقليص وجودها العسكري الفعلي في المنطقة، فقد حافظت الولايات المتحدة على قدراتها العسكرية في الخليج، ووفرت الأمن لشركائها الإقليميين من خلال قواعدها ومنشآتها العسكرية في المنطقة.

وتحول الطبيعة المجزأة للعالم العربي والمصالح الأمنية المتضاربة دون إنشاء تحالف أمني هادف يمكن أن يقلل من اعتماد دول المنطقة على الولايات المتحدة مما يقلل من احتمالات انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة خلال فترة "بايدن".

وأخيرا، يعد الشرق الأوسط سوق الأسلحة الأسرع نموا في العالم، والأكثر جاذبية وربحا لمصنعي الأسلحة المتقدمين مثل روسيا والولايات المتحدة. واستوردت دول الشرق الأوسط 33% من جميع واردات الأسلحة في جميع أنحاء العالم في الفترة من 2016 إلى 2020. 

ومن 2016 إلى 2020، زادت روسيا مبيعاتها من الأسلحة إلى المنطقة إلى 13% من واردات المنطقة، ارتفاعا من 10% في الفترة من 2014 إلى 2018، بينما انخفضت حصة الولايات المتحدة من 54% في الفترة من 2014 إلى 2018 إلى 52% في الفترة من 2016 إلى 2020. لذلك، من الواضح أن المنافسة على سوق السلاح الإقليمي شرسة للغاية، ولا تريد واشنطن أن تفقد حصتها في السوق إذا خسرت أفضل عملائها.

أولويات "بايدن" المستقبلية

وفي خطابه الأخير، صاغ وزير الخارجية الأمريكي "أنتوني بلينكين" مبادئ السياسة الخارجية الرئيسية للإدارة الجديدة. وكان أحد هذه المبادئ أن مشاركة الولايات المتحدة الخارجية وقيادتها للعالم أمران مهمان، قائلا: "سواء أحببنا ذلك أم لا، فإن العالم لا ينظم نفسه. وعندما تنسحب الولايات المتحدة، من المحتمل أن يحدث أحد أمرين، إما أن تحاول دولة أخرى أن تحل محلنا، ولكن ليس بطريقة تعزز مصالحنا وقيمنا، أو لا يتقدم أحد، وبعد ذلك نشعر بالفوضى وكل المخاطر التي تخلقها تلك الحالة".

وتابع: "في كلتا الحالتين، هذا ليس جيدا لأمريكا". ويشير هذا البيان بوضوح إلى أن الولايات المتحدة لا تنوي الانسحاب من الشرق الأوسط، خاصة في ظل النزاعات المستمرة والقضايا التي لم يتم حلها وعدم الاستقرار والتهديد بتجدد "النشاط الإرهابي".

وبالتالي، إذا واصلت إدارة "بايدن" سياستها في الشرق الأوسط وفقا للخطوط العامة للإدارتين السابقتين، ولكن مع إضافة المزيد من المشاركة الدبلوماسية، فمن غير المرجح أن تؤثر بشكل كبير على السياسة الخارجية الروسية في المنطقة.

وتدرك موسكو أنها ليست سوى شريك لمجلس التعاون الخليجي ودول المنطقة الأخرى، لكن قد تعيد أي دولة في المنطقة تنظيم نفسها بعيدا عن واشنطن وباتجاه موسكو، مثلما أعاد الرئيس المصري "أنور السادات" وجهة بلاده من موسكو إلى واشنطن في السبعينات.

وتعتمد الدول الإقليمية بشدة على الولايات المتحدة لدرجة أنها لا تستطيع تحمل الابتعاد عن حليفها الاستراتيجي. وفي الوقت نفسه، من المرجح أن تستمر واشنطن في اتخاذ خطوات صغيرة نحو الانسحاب، وحث شركائها الإقليميين على تحمل المزيد من المسؤولية عن استقرار المنطقة، ما يقدم فرصة إضافية لموسكو للتأثير.

المصدر | أليكسي خليبنكوف | منتدى الخليج الدولي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد