السبت 10 أبريل 2021 06:56 ص

الحرب غير المعلنة بين تركيا والإمارات إلى أين؟ (12)

أرادت أبوظبي أن تقفز إلى الساحة وتصبح اللاعب الإقليمي الجديد حتى لو أنها لا تملك من عناصر القوة إلا المال!

تصدرت الإمارات حركة الثورة المضادة وكانت مصممة على اجتثاث الحركات الإسلامية التي كثيرا ما تصفها بالإرهابية.

حرب باردة ترتفع حراراتها بين حين وآخر ما زالت قائمة لكن نهاية عهد ترامب ووصول جو بايدن إلى البيت الأبيض قد يغير قواعد اللعبة.

دعمت تركيا ثورات الربيع العربي بينما وقفت الإمارات ضدها وعملت بكل وسيلة ناعمة وخشنة لمنع التحول الديمقراطي بالمنطقة ولو بقتل وتشريد ودمار الملايين.

حددت الإمارات أن حليفتها إسرائيل وعدوها تركيا بينما تتعامل مع إيران بخطاب مزدوج كعدو إعلاميا لكن تحتفظ معها بعلاقة اقتصادية وتجارية جيدة.

تعمل الإمارات على لعب دور أكبر منها ربما لأنها تشعر بفراغ سببه غياب مصر في عهد مبارك وأن إسرائيل وإيران وتركيا ستملأ الفراغ أو تتقاسمه.

*     *     *

منذ انطلاقة الربيع العربي عام 2011 حدث شرخ واسع في المنطقة بين مؤيد للحركات الشعبية المطالبة بالحرية والكرامة والديمقراطة والتخلص من أنظمة الفساد والقهر والطغيان، وبين من عمل منذ اليوم الأول على إجهاض هذه الحركات متخوفا من قيام أنظمة تمثل إرادة شعوبها تعتمد الصندوق والانتخابات الحرة والمساءلة حتى ولو أدى ذلك إلى صعود الإسلام السياسي الأكثر تنظيما وإمكانيات.

وقد وقفت تركيا في صف دعم ثورات الربيع العربي بينما وقفت الإمارات ضدها وعملت بكل الوسائل الناعمة والخشنة لمنع التحول الديمقراطي في المنطقة حتى لو كان على حساب مئات الألوف من الأرواح والدمار والتشرد.

بدأ بعدها مباشرة التنافس بيت تركيا والإمارات، وأخذت تلك المنافسة مسارات عديدة بعضها عسكري- أمني وبعضها اقتصادي- تجاري. وسنحاول في هذا المقال أن نسلط الضوء على تلك المنافسة التي وصلت إلى حد التهديدات وحبك المؤامرات ودعم الحروب بالوكالة.

كما أخذت تلك المنافسة طابعا شخصيا بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من جهة وولي عهد دولة الإمارات محمد بن زايد من جهة أخرى. هذه الحرب الباردة والتي ترتفع حراراتها بين الحين والآخر ما زالت قائمة إلا أن نهاية رئاسة دونالد ترامب ووصول جو بايدن إلى البيت الأبيض قد يغير قواعد اللعبة.

منذ تلك الأيام ودولة الإمارات تعمل على لعب دور أكبر من حجمها. البعض يفسر ذلك بأن الإمارات كانت تشعر بالفراغ الذي سببه غياب مصر في سنوات مبارك الثلاثين وأن القوى الثلاث الأخرى في المنطقة من غير العرب، إسرائيل وإيران وتركيا، هي التي ستملأ هذا الفراغ أو تتقاسمه، لذا أرادت أن تقفز إلى الساحة وتصبح اللاعب الإقليمي الجديد حتى لو أنها لا تملك من عناصر القوة إلا المال.

وقد حددت منذ البداية أن حليفتها إسرائيل وأن عدوها تركيا بينما ستتعامل مع إيران بخطاب مزدوج عدو بالكلام وفي الإعلام، ولكنها في الحقيقة على علاقة جيدة وخاصة في المجالات الاقتصادية والتجارية، بل إن الإمارت راضية عن الدور الإيراني في سوريا خوفا من سقوط نظام بشار الأسد.

تركيا من جهتها عاشت أفضل أوقاتها في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين ورممت علاقاتها مع محيطها العربي والإسلامي، إنطلاقا من نظرية وزير خارجيتها آنذاك، أحمد داود أوغلو، القائمة على تصفير المشاكل. فقد وقعت مع سوريا وحدها عام 2010 أكثر من 35 اتفاقية وألغيت تأشيرة الدخول بين البلدين. وكان أردوغان لا ينتهي من جولة في المنطقة إلا بدأ بأخرى. طموح أردوغان أصبح حتى أكبر من قدرات تركيا لكنه كان واثقا من النجاح. لقد لعب أردوغان على الوتر الحساس لاستمالة الشعوب العربية عندما انسحب احتجاجا على كذب شمعون بيريس في دافوس عام 2009 بينما بقي عمرو موسى جالسا وأرسل سفينة نافي مرمرة في أيار/مايو 2010 لتخترق الحصار المفروض على غزة وهو ما أدى إلى استشهاد عشرة أتراك بعد قيام إسرائيل بالهجوم على السفينة، حيث أدت الحادثة إلى أزمة كبيرة بين إسرائيل وتركيا تركت آثارها على العلاقات بين البلدين لغاية الآن.

أردوغان كان يطمح أن يستعمل القوة الناعمة ليجذب مزيدا من الاستثمارات إلى بلاده من جهة وأن يقيم علاقات تجارية وسياسية واقتصادية مع الدول العربية والإسلامية من جهة أخرى. وقد نجح إلى حد كبير قبل الربيع العربي وبدأت البضائع التركية تملأ الأسواق العربية بشكل كبير، وتقاطر على اسطنبول والمدن التركية الجميلة ملايين السياح العرب، وانتشرت ظاهرة شراء العقارات في كل مكان حتى يظن الزائر لمدينة طرابزون الجميلة أنه في مدينة سعودية.

طموح أردوغان تضاعف مع البدايات الواعدة للربيع العربي، وخاصة عندما شاهد الرئيس التونسي بن علي يهرب ويتصدر حزب النهضة الإسلامي المشهد التونسي، ثم جاء سقوط مبارك المدوي واستحواذ الإخوان المسلمين على كل الانتخابات بما فيها الرئاسية.

كان أردوغان أول من زار مصر مهنئا ومتحدثا في دار الأوبرا عن الإسلام والعلمانية. وتابعت التيارات الإسلامية الفوز، ففي ليبيا تصدر الإسلاميون انتخابات 2012 ونجح لاحقا حزب العدالة والتنمية المغربي في الوصول إلى السلطة بينما كان يستعد حزب الإصلاح اليمني للفوز في أي انتخابات قادمة بعد سقوط صالح وحزب المؤتمر والذي تحالف فيما بعد مع الحوثيين لاجتثاث عملية التحول الديمقراطي ووأدها في المهد.

من المنافسة إلى المواجهة

تصدرت الإمارات حركة الثورة المضادة وكانت مصممة على اجتثاث الحركات الإسلامية التي كثيرا ما تصفها بالإرهابية حتى لو لم تكن كذلك. وقد عملت في نفس الوقت على إسقاط حكومة محمد مرسي المنتخبة، ثم شاركت بقمع ثورة البحرين بالقوة عن طريق قوات «درع الخليج».

واستقبلت الإمارت أحمد بن عبد الله صالح ليبدأ هو ووالده عمليات عسكرية بالتحالف مع الحوثيين لإعادة اليمن إلى حكم العسكر بالقوة المسلحة خوف انتقال البلاد إلى الديمقراطية ووصول حزب الإصلاح إلى السلطة.

كما حرص بن زايد على إبقاء الخطوط مفتوحة مع النظام السوري حيث كانت بشرى الأسد أخت الرئيس بشار مقيمة في الإمارات ووالدتها أنيسة تقضي معظم وقتها هناك، ولم يسمح بن زايد بأي تحرك ضد النظام السوري كالمظاهرات وجمع التبرعات، وظلت السفارة السورية التابعة للنظام تمارس التمييز ضد معارضي النظام. وقد تحولت العلاقة بعد عام 2016 إلى علاقة دعم وتأييد وعرض الأموال وتسليح قوات الحماية الكردية لمحاربة تركيا ثم عرضت أموالا طائلة على النظام ليبدأ عملية تحرير إدلب وخرق الاتفاقية الروسية التركية إلا أن روسيا أوقفت العملية. وليس مستهجنا أن الإمارات هي أول دولة أعادت فتح سفارتها في دمشق في كانون الأول/ديسمبر 2018 ولحقت بها البحرين.

لقد كان انقلاب عبد الفتاح السيسي في مصر ضربة موجعة لأردوغان خاصة وأنه كان يراهن على دور مصر والتحالف معها والاستمرار في دعم التيارات الإسلامية المعتدلة، وكان لا يتردد في رفع إشارة رابعة في أحاديثه وخطبه وفتح بلاده لكل الفارين من نظام السيسي يحرضون على النظام عبر العديد من القنوات.

في تلك الفترة عقدت الإمارات اتفاقية لإدارة المواني على البحر الأحمر والمتوسط وأقامت قواعد عسكرية في شمال الصومال وفي ميناء عصب الإريتري وجيبوتي وجنوب اليمن ثم استولت بالقوة على جزيرة سقطرى اليمنية بعد أن دخلت الحرب على اليمن إلى جانب السعودية ولكن بأجندة مختلفة تماما تقوم أساسا على فصل الجنوب اليمني والسيطرة على ميناء عدن ومضيق باب المندب.

الأزمة الليبية

المواجهة بين الإمارات وتركيا أخذت أبعادا خطيرة في ليبيا. كانت العلاقات الليبية التركية في أوج قوتها في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2009 زار أردوغان ليبيا مصحوباً بعدد من الوزراء و150 رجل أعمال لبحث سبل التعاون في مجالات الإعمار والتجارة والصناعة والنفط والغاز والسياحة والفندقة وغيرها. وقد نفذت الشركات التركية في الفترة ما بين 2002 و2008 مشاريع إنشائية في ليبيا بقيمة 8 مليارات دولار. فما كان لتركيا أن تتخلى عن استثماراتها في ليبيا بكل بساطة.

انحازت الإمارات إلى الثورة المضادة كي لا تنتقل ليبيا إلى الديمقراطية والاستقرار. فقد عملت الإمارات على إسقاط انتخابات 2012 وبدأت تدعم منذ عام 2013 القوات المناوئة للإسلاميين حيث جاءت الانتخابات البرلمانية عام 2014 تحولا في المشهد الليبي بعد نجاح القوى العلمانية بدعم إماراتي ما دعا أعضاء المؤتمر الوطني العام إلى رفض نتائج الانتخابات فانتقل البرلمان إلى طبرق في الشرق الليبي.

في نفس الوقت أعلن اللواء خليفة حفتر يوم 16 أيار/مايو 2014 بدء «عملية الكرامة» لتحرير ليبيا من الإرهابيين كما قال، معتمدا على دعم إماراتي وبعض الدول الأخرى. بدأ حفتر يمدد نفوذه من الشرق إلى الجنوب ثم اتجه إلى الغرب ليحتل آخر مواقع حكومة الوفاق الشرعية والمعترف بها دوليا.

قام فايز السراج بالتوصل إلى اتفاقيتين مهمتين مع الحكومة التركية في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2019، ترسيم الحدود البحرية من جهة والتعاون العسكري والأمني من جهة أخرى. واتفاقية ترسيم الحدود البحرية جاءت ردا على اتفاقية عقدت بين اليونان وقبرص وإسرائيل ومصر وشاركت الإمارات فيها كمراقب.

بدأت الأسلحة التركية والمتطوعون والمقاتلون والطائرات المسيرة، بالتدفق على منطقة طرابلس والمدن الغربية وغيرت خلال الأشهر الستة الأولى من سنة 2020 مجرى الحرب وألحقت الهزيمة وراء الأخرى بقوات حفتر المدعوم من الإمارات ومصر ثم روسيا.

هزيمة حفتر في الغرب الليبي هي التي فتحت المجال للتوصل إلى اتفاقيات سلام ووقف لإطلاق النار وانتخاب حكومة وحدة وطنية تعمل على تنظيم الانتخابات في 24 كانون الأول/ ديسمبر المقبل.

* د. عبد الحميد صيام محاضر بمركز دراسات الشرق الأوسط، جامعة رتغرز، نيوجرسي.

المصدر | القدس العربي