السبت 10 أبريل 2021 10:45 ص

الحرب غير المعلنة بين تركيا والإمارات واحتمال التهدئة (22)

تركيا من طرفها أعلنت أن الإمارات قوة مزعزعة لاستقرار المنطقة بحكم أسلوبها في الحكم.

مصر لم تقبل بالاقتراب من المياه الإقليمية التركية، ما أدى إلى تحسن العلاقات بين البلدين

تخلت مصر عن الإمارات بشأن دعم حفتر في ليبيا لأن إدارة بايدن جادة في حل الأزمة سلميا وانتقال البلاد نحو الاستقرار.

تلعب أمريكا بالمرحلة الراهنة دورا فاعلا وأساسيا وما على الإمارات إلا الانصياع والتنفيذ والإقرار بحجمها الحقيقي!

نجح معسكر الثورة المضادة في وأد الثورات إلا الثورة التونسية فما زال يحاول جاهدا تخريبها بالمال والإعلام رغم صمودها.

بدأت القصة تنسج حول استشعار الإمارت بخطر تركيا والتخطيط لتدبير انقلاب ضد الحكومة الشرعية المنتخبة مستخدمين محمد دحلان.

قامت الإمارات والسعودية والبحرين ومصر بفرض حصار على قطر حليفة تركيا فأقام أردوغان قاعدة عسكرية على وجه السرعة لمجابهة أي تهديد تتعرض له قطر.

لم تعد فرنسا واليونان وقبرص معنية بدور الإمارات شرق المتوسط ففي النهاية تركيا جار ثابت وقوي يملك إمكانات استراتيجية ولا مكان للإمارات بهذه المعادلة.

طمحت الإمارات لتوسيع نفوذها بموانئ المتوسط بعد حصول «موانئ دبي» على إدارة ميناء ليماسول بقبرص لكن المنافسة بالمنطقة لم تسر لصالح الإمارات.

*     *     *

متابعة للمقال السابق حول «الحرب غير المعلنة بين تركيا والإمارات» التي انطلقت بهدوء مع البدايات الواعدة للربيع العربي عام 2011، ثم تفاقمت منذ عام 2015، سأسلط الضوء في هذا المقال على مجالات أخرى يتنافس فيها البلدان بقوة المال والإعلام حينا، وعن طريق الحرب بالوكالة، وعقد الاتفاقيات والمناورات العسكرية أحيانا أخرى.

لقد كان الاصطفاف الذي ظهر جليا بعد الربيع العربي يشير إلى معسكرين، واحد يدعم الثورات، وآخر يسعى إلى إجهاضها بقيادة إماراتية. لقد نجح معسكر الثورة المضادة إلى حد كبير في وأد الثورات جميعها إلا الثورة التونسية، حيث ما زال المحور يحاول جاهدا تخريبها عن طريق المال والإعلام، لكن وعي الشعب التونسي ما زال إلى الآن صامدا في الحفاظ على ثورة الياسمين رغم نواقصها.

ظهرت الخلافات الحادة بين البلدين في السنوات الخمس الأخيرة إلى العلن، فقد اتهم وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش، الرئيس التركي، بأنه يحاول أن يحيي الامبراطورية العثمانية عن طريق شهوة التوسع، وطالب الدول الأوروبية بالاقتداء بفرنسا والعمل على التصدي لأردوغان، لأن خطره سيصل إلى الجميع.

وزير الخارجية محمد بن زايد ذهب أبعد من ذلك، وراح يعيد تفسير التاريخ ويتهم قوات الدولة العثمانية بنهب ممتلكات مكة المكرمة، قبل أكثر من قرن. ضاحي خلفان من جهته طالب دول الخليج وشعوبها إلى مقاطعة المنتوجات التركية، كما طالب بعدم زيارة تركيا التي وصفها بأنها «دولة قمعية».

أنقرة من طرفها أعلنت أن دولة الإمارات عبارة عن قوة مزعزعة للاستقرار في المنطقة، بحكم أسلوبها في الحكم. وقال مسؤول تركي كبير:

«لدينا وجهة نظر مختلفة اختلافًا جوهرياً عن الإمارات. فهي دولة مفتونة بالديكتاتوريات العسكرية. نحن مختلفون. نحن لدينا ديمقراطية قد تكون غير كاملة، لكن ما زلنا نحتكم للديمقراطية. فمجرد كوننا كذلك، فإننا نشكل تهديداً للنموذج الإماراتي. نحن لدينا انتخابات ومعارضة ونظام تنافسي. هل هذا موجود في الخليج؟».

محاولة الانقلاب في تركيا صيف 2016

منذ الدقائق الأولى لمحاولة الانقلاب الفاشلة التي قامت بها وحدات من الجيش التركي في منتصف يوليو 2016، أعلنت قناتا «العربية» و»سكاي نيوز» نجاح الانقلاب وراحتا تهللان لنهاية أردوغان، واحتمال قيام حرب أهلية في تركيا، بل ذهب أحد المعلقين في قناة «العربية» إلى القول إن «أردوغان فشل في ترميم العلاقة مع الجيش وما يجري في تركيا هو امتداد للربيع العربي».

«سكاي نيوز» في ليلة محاولة الانقلاب الفاشلة، نشرت تغريدة قالت فيها: «مصدر أمريكي: أردوغان يطلب اللجوء لألمانيا» إلّا أنها اضطرت لحذف التغريدة عقب اتضاح فشل محاولة الانقلاب، ما عرّض القناة لتهمة فقدان المهنية.

أردوغان لم يتأخر طويلا ليتهم الإمارات بأنها على علم بالانقلاب، وأنها أقامت جسورا من التواصل مع فتح الله غولن، المتهم الرئيسي في القيام بالمحاولة، عن طريق محمد دحلان. وبدأت القصة تنسج حول استشعار الإمارت بخطر الدولة التركية، والتخطيط لتدبير انقلاب ضد الحكومة الشرعية المنتخبة، مستخدمين محمد دحلان.

لقد اتهم وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو الإمارات بأنها صرفت نحو ثلاثة مليارات دولار لتمويل حركة فتح الله غولن، من أجل التخطيط للقيام بالانقلاب الفاشل.

وفي ديسمبر 2019 أصدرت تركيا مذكرة توقيف بحق دحلان، بوصفه «مخلب» الإمارات واتهمته بـ»تنظيم محاولة الانقلاب، بالتعاون مع هيكل الدولة الموازي، الذي أقامته منظمة «غولن الإرهابية» كما جاء في البيان. وفي عام 2020، أصدرت مذكرة اعتقال لدحلان من خلال منظمة البوليس الدولية «إنتربول».

لكن الحقيقة أن الحكومة التركية لم تقدم أدلة ووثائق مقنعة لتدخل مباشر من حكومة أبوظبي، رغم أن حكومة الإمارات اعتبرت محاولة الانقلاب دليلا آخر على عزلة أردوغان، ليس فقط في محيطيه الأوروبي والعربي بل أيضا داخل مؤسسة الجيش.

أزمة شرق المتوسط

الأزمة الأخرى التي كانت موضع نزاع حاد بين الإمارات وتركيا هي، أزمة شرق المتوسط التي لا ناقة فيها للإمارات ولا جمل، بل تطوعت للاصطفاف إلى جانب اليونان وقبرص وإسرائيل، ربما بدون دعوة بل للعمل على إضعاف الموقف التركي.

كانت الإمارات عام 2017 عند بداية الأزمة تستند إلى موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي كانت علاقاته مع أردوغان تمر بأزمة كبيرة، بسبب قرار ترامب شراء منظومة صواريخ «أس–400» الروسية، رغم اعتراض حلف الناتو، إضافة إلى أزمة اعتقال القس الأمريكي أندرو برانسون، الذي اتهم بالتجسس وحكم بالسجن لثلاث سنوات.

وفي السنة نفسها قامت الإمارات مع كل من السعودية والبحرين ومصر، بفرض حصار على دولة قطر حليفة تركيا الأولى، ما دعا أردوغان إلى إقامة قاعدة عسكرية على وجه السرعة، لمجابهة أي تهديد تتعرض له حكومة الشيخ تميم.

وردت قطرعلى الموقف بأن استثمرت نحو 15 مليار دولار في الاقتصاد التركي، لدعم وتثبيت الليرة التركية، التي تعرضت لاهتزاز شديد.

في عام 2019 اكتشفت كميات كبيرة من الغاز في سواحل المتوسط الشرقية. فقامت إسرائيل وقبرص واليونان بتوقيع اتفاقية لمد أنابيب غاز، تربط بين البلدان الثلاثة، وتعبر الدول الأوروبية بعيدا عن تركيا.

ثم قامت الدول الثلاث بمناورات عسكرية جوية بمشاركة الولايات المتحدة، ثم انضمت مصر إلى المناورات. الإمارات تطوعت بإرسال مجموعة من طائرات أف-16 للمشاركة في المناورة، ثم انضمت فرنسا إلى المناورة التي لا تخفي عداءها لأردوغان.

اعتبر أردوغان هذه المناورات تهديدا لتركيا وطموحاتها في غاز شرق المتوسط. فأرسل عددا من سفن التنقيب الضخمة لتنقب عن الغاز في المنطقة قيد النزاع، وكانت الطائرات الحربية التركية تحلق في المنطقة لحمايتها، ولإيصال رسالة لا لبس فيها لليونان بأن تركيا لا تقبل التهديد.

لقد أثارت اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وحكومة الوفاق الليبية، التي صادق عليها البرلمان التركي، مخاوف اليونان وقبرص ومصر واعتبرتها لاغية لا قيمة قانونية لها.

هذا التوتر الذي كاد أن يخرج عن السيطرة ترك أثره على دول الاتحاد الأوروبي حيث عارضته ألمانيا وبريطانيا وإسبانيا وإيطاليا، وكانت هذه الدول تخشى أن هذا الضغط سيدفع أردوغان أكثر إلى أحضان الاتحاد الروسي.

إيطاليا مثلا توصلت إلى اتفاق مع تركيا لبناء شبكة مواصلات بحرية تربط البحر الأسود بالمتوسط، وصولا إلى المغرب. الإمارات من جهتها كانت تطمح أن توسع نفوذها في موانئ المتوسط بعد أن حصلت «موانئ دبي» على حق إدارة ميناء ليماسول في قبرص. إلا أن المنافسة في المنطقة لم تسر لصالح الإمارات.

كما أن مصر لم تقبل بالاقتراب من المياه الإقليمية التركية، ما أدى إلى تحسن ولو طفيف في العلاقات بين البلدين. كما يبدو أن فرنسا واليونان وقبرص وإسرائيل، غير معنية كثيرا بدور للإمارات في أزمة شرق المتوسط، لتسجيل بعض الاختراقات ضد تركيا ففي النهاية تركيا جار ثابت وقوي، ويملك الإمكانيات الاستراتيجية ولا مكان للإمارات في هذه المعادلة.

إدارة بايدن وتغير المعادلات

لا شك في أن وصول بايدن إلى البيت الأبيض قلب كثيرا من المعادلات. فإدارة بايدن بشكل عام لا تسعى إلى تصعيد الأزمات، بل إلى تبريدها ولا تسعى إلى استخدام القوة المسلحة بل القوة الناعمة.

وتحاول الإدارة أن تلغي كثيرا من سياسات ترامب الاعتباطية، القائمة على المزاج الشخصي والانصياع للإملاءات الإسرائيلية وبعض الدول الخليجية، وخاصة في المسألة الإيرانية التي تعتبرها أهم أولوياتها. تربط إدارة بايدن السياسات الأمريكية بالمصالح الثابتة من جهة، ومدى احترام حقوق الإنسان في تلك الدول.

وقد لقطت دول عربية تلك الإشارات وبدأت تعيد ترتيب أولوياتها. فمصر مثلا تعتبر أزمتها مع إثيوبيا حول سد النهضة أولوية لا تعلو فوقها أولوية أخرى.

وقد تخلت مصر عن الإمارات في موضوع دعم خليفة حفتر في ليبيا، خاصة أن إدارة بايدن جادة في حل الأزمة سلميا، وانتقال البلاد نحو الاستقرار بعد انتخابات 24 ديسمبر المقبل. والسعودية من جهتها، عرضت مبادرة متقدمة لحل الأزمة اليمنية سلميا، تبدأ بوقف شامل لإطلاق النار وصولا إلى طاولة المفاوضات.

كما أن السعودية وقطر أعادتا العلاقة بشكل سليم، وفتحتا الحدود بينهما، بينما ما زالت علاقة الإمارات بقطر فاترة جدا.

تركيا من جهتها شاركت في اجتماع الناتو الأخير وتم استقبالها بشكل جيد، بدون الالتفات للموقف الفرنسي الناشز. حتى العلاقات اليونانية التركية تحسنت أخيرا وبدا أنها في طريقها إلى الحل.

نحن الآن أمام مرحلة جديدة تلعب فيها الولايات المتحدة دورا فاعلا وأساسيا، وما على دولة مثل الإمارات إلا الانصياع والتنفيذ والإقرار بحجمها الحقيقي، بعيدا عن تقمص أدوار أكبر منها بكثير.

* د. عبد الحميد صيام محاضر بمركز دراسات الشرق الأوسط، جامعة رتغرز، نيوجرسي.

المصدر | القدس العربي