الخميس 15 أبريل 2021 04:06 ص

الأردن: مدى الأزمة

غياب النخب الإصلاحية بهذه المرحلة سيكون مدمرا للدول وهناك عدة دول دمرها غياب النخب الإصلاحية والمؤثرة.

في بدايات الملك عبد الله تبنى أطروحات إصلاحية بل كلف د. مروان المعشر بالعمل على وثيقة الإصلاح لكنها جُمِّدت بالكامل لاحقا.

نار تحت أرض الأردن بإمكان قوى الخارج وإسرائيل الاستفادة منها إن خرجت عن السيطرة مما يتطلب من المملكة التعامل مع الأزمة بحنكة سياسية والمرونة.

بلاد عربية مقبلة بعد كورونا على موجة تغيير وسخط بل وانفجارات شعبية بسبب الأزمة المعيشية وسقوط أسلوب الدولة الريعية التي أصبحت أزمة نظام وسياسة.

*     *     *

ما وقع في الأردن مع الأمير حمزة في أوائل إبريل/نيسان 2021 والذي تضمن حملة اعتقالات، طالت عددا من الأشخاص، أبرزهم باسم عوض الله وزير الديوان السابق، خلط الكثير من الأوراق. كما أن ربط كل هذا بقضية انقلاب يبين أن الأردن في مأزق قد يكون الأخطر منذ ولادته.

والانقلاب بالمفهوم السياسي هو انقلاب عسكري، وليس تصريحا ونقاشا ضمن مجموعة، إذ ليس بين المعتقلين من هم من الجيش. ولو طبقنا مفهوم الانقلاب على أنه تعبير عن رأي أو لقاءات بين شخصيات مدنية لتغير مفهوم الانقلابات في التاريخ.

والأوضح للمتابع أن الأردن يعيش سلسلة من الأزمات والمشكلات الاقتصادية المتراكمة، والتي تشمل الإدارة والعمل الحكومي بل والسياسي، كما وتشمل الخدمات والبطالة والتعليم والصحة وتراجع الدولة الريعية بلا وجود بدائل. ففي الأردن تتكثف التناقضات حول موضوع رئيسي: إصلاح الحياة الاقتصادية الذي أصبح لصيقا بإصلاح الحياة السياسية بعد أن تراجعت لمستويات غير معهودة.

إن الأزمة الاقتصادية أولا ثم السياسية الناتجة عنها، والتي أصبحت أزمة حريات ومعلمين ونقابات وحل أحزاب ومعيشة هي المسؤولة عن تردي الأوضاع. فلو كانت الأوضاع مستقرة بين الطبقات الشعبية والوسطى وبين القبائل والعشائر لما استمع الناس للآراء النقدية بعد أن كانت تتجاهلها.

الواضح أن نقد الحكومة والدولة وصل لدرجات متقدمة، وذلك بعد تراجع التفاؤل الذي عم الأردن في السنوات الأولى من حكم الملك عبد الله الثاني. ففي بدايات الملك عبد الله تبنى أطروحات إصلاحية كما أنه كلف د. مروان المعشر بالعمل على وثيقة الإصلاح التي جمدت بالكامل فيما بعد.

هناك نار تشتعل تحت أرض الأردن، تلك النيران بإمكان قوى الخارج وإسرائيل الاستفادة منها عندما تخرج عن السيطرة، وهذا ما يجب الحذر منه.

وهذا يتطلب من المملكة التعامل مع الأزمة بالكثير من الحنكة السياسية والمرونة، لكن الوقت يمر، فالحنكة والدبلوماسية والدعوة للوحدة بلا إصلاحات سياسية جوهرية مقنعة لأغلبية الأردنيين لن تؤدي لحلول.

قضية الأمير حمزة ليست غريبة على التفسير السياسي. فقد صعدته الناس لحالة من الرمزية بسبب الأزمة، إذ استطاع أن يجسد بأسلوبه فهما لاحتياجات الناس في وقت تشعر الناس أن صوتها لم يعد مسموعا. الحديث عن مكانة الأمير وارتفاع دوره ليس جديدا.

فهو بالأساس كان وليا للعهد حتى 2004، لكنه بنفس الوقت من الأسرة الهاشمية وابن للراحل الملك حسين، وهو بالتالي جزء لا يتجزأ من تراث الأردن، وهذا يعني أن الأمير حمزة، أردنا أم لن نرد، هو جزء لا يتجزأ من النخبة السياسية، لكنه ينتمي للجزء الذي استشعر الأزمة الاقتصادية والإدارية والسياسية قبل غيره، خاصة أن استمرارها سيؤثر على الهاشميين جميعا وعلى الشعب كله.

وهذا يعني في الفهم الواقعي أن جناحا من النظام السياسي يعي بأن المخرج للدولة هو الإصلاح الجاد الذي يتضمن تنازلات جوهرية ومدروسة للشعب وقواه السياسية، وهذا يتضمن إصلاحات دستورية وحريات، وهي قد تعني في الواقع رئيسا للوزراء منتخبا من الشعب، ينبثق عن برلمان منتخب عبر قانون عادل للانتخابات.

إن بروز الأمير حمزة بصفته الإصلاحية هو انقاذ للنظام من النظام، ولو كنت مكان النظام بالأساس لتحالفت معه، واتفقت معه على خطوات الإصلاح التي لم يستطع الأردن السير بها حتى الآن. الإصلاح صعب، خاصة وأنه يفتح ملفات سوء الإدارة والفساد التي تورطت بها قطاعات عديدة من النخبة.

باعتقادي الشخصي لم يكن في الأردن انقلاب، لكن في الأردن سخطا شعبيا واسع النطاق، أجده لأول مره يمس قواعد الدولة والنظام، وخاصة القاعدة القبلية والشرق أردنية.

وقد سبق لي أن كتبت في أكثر من موقع بأن البلدان العربية مقبلة في المرحلة التي تلي وباء كورونا على موجة تغيير وسخط بل وانفجارات شعبية، بسبب الأزمة المعيشية وسقوط أسلوب الدولة الريعية التي أصبحت أزمة نظام وسياسة، وهذا يعني أن غياب النخب الإصلاحية في هذه المرحلة سوف يكون مدمرا للدول. وأمامنا دول عدة دمرها غياب النخب الإصلاحية والمؤثرة.

من حظ الأردن أن الأمير حمزة يطرح طرحا مختلفا، بل يبدو لي رجل حوار وتوازن. إن عزله وإبعاده هو أخطر ما قد يقع للأردن في هذه المرحلة، لأن ذلك قد يفقد الناس الثقة بالإصلاح والحلول ويفتح الباب لحراكات ستخرج حتما عن السيطرة.

هذا لا يعني أبدا التقليل من مكانة الملك عبد الله الثاني، فهو الملك الشرعي للأردن، أو من مكانة ولي العهد، لكن الأردن يتسع لأدوار إضافية تشمل الأمير حمزة وأمراء آخرين بل والشعب كله والنقاد والمعارضين أينما كانوا، والتيارات السياسية السلمية في مسيرة إصلاح تحمي الأردن من عاصفة هوجاء في طور التشكل.

* د. شفيق ناظم الغبرا أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت

المصدر | القدس العربي