الخميس 15 أبريل 2021 09:44 ص

مماحكات وهمية في سبيل هدف واحد

هدف واحد.. أن يظل العرب في أجواء صراعات فكرية أو سياسية أو دينية أو في لغط التجاذبات حول هوية الأمة.

المهم أن لا يستطيع الإنسان العربي أن يركز ذهنه وإرادته ونشاطه في مسالك النهوض والتقدم والقوة الحضارية.

يتم تجييش قوى الدس والكذب والتلاعب بالألفاظ، وخلط السم بالعسل الاستخباراتية عبر وسائل التواصل الاجتماعي!

سلسلة من مؤامرات الخارج الاستعماري الصهيوني والداخل الفاسد الاستبدادي بدءاً بإثارة صراعات طائفية وخلافات قبلية ونعرات عرقية بين حين وآخر.

*     *     *

إنها اللعبة إياها.. تتبدل الساحة ويتبدل الموضوع، لكن الهدف لا يتبدل.. المهم هو أن تظل أمة العرب في أجواء صراعات فكرية أو سياسية أو دينية أو في لغط التجاذبات حول هوية الأمة، أو نوع الأيديولوجية التي تحكم حياتها.

والمهم هو أن لا يستطيع الإنسان العربي أن يركز ذهنه وإرادته ونشاطه في مسالك النهوض والتقدم والقوة الحضارية.

ومن أجل تحقيق ذلك تجيش قوى الدس والكذب والتلاعب بالألفاظ، وخلط السم بالعسل الاستخباراتية، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وينبري الكتبة المغمورون الزبونيون المتطفلون، بدس أنوفهم واستدعاء جملة قيلت منذ قرون، أو موقف لسياسي أحمق في أزمنة غابرة، أو حدث تاريخي لا يمت بأي صلة لمجريات أيامنا الحالية، وبالطبع تنشغل مراكز البحوث وكبرى الصحف ووسائل الإعلام في بعض عواصم الاستعمار، وفي الكيان الصهيوني لتدعي، كذباً وبهتاناً، الفهم الموضوعي لكل ما يجري في بلاد العرب، وأنها تسمي الأشياء بمسمياتها الصريحة الواضحة.

هذا ما نراه الآن أمامنا من كتابات ومناقشات إعلامية، وعواطف هائجة، تجاه موضوع بالغ البساطة والوضوح في رمزيته: نقل مجموعة من مومياوات العصور الفرعونية من متحف قديم إلى متحف جديد.

المومياوات هي نفسها التي كانت راقدة عبر سنين طويلة في المتحف القديم، وقيمتها التاريخية لن تتغير، وارتباط مصر الفرعونية القديمة بمصر العربية الحديثة، سيبقى من ظواهر الزمان والمكان التاريخية لمصر ولأمتها العربية ولوطنها العربي الكبير.

لكن، هل يعقل أن يسمح الاستعمار والصهيونية وجهالات وبلادات البعض لمناسبة كهذه أن تمر بسلام وطني وقومي عروبي رائع، ستفاخر به كل الأجيال في مصر وكل أرض العرب؟

الجواب هو كلا وألف كلا، فالمطلوب هو الاستمرار في تفريغ ذاكرة شعب مصر العربي الشقيق، والذاكرة العربية الجمعية من الأفكار والمواقف والنضالات البطولية القومية العروبية لمصر، وعلى الأخص الناصرية منها، وتسفيهها.

وجعل كل أسباب المشاكل التي يواجهها القطر المصري حالياً راجعة إلى إصرار مصر الرائع المسؤول على الالتزام بمسؤوليات قيادة الأمة العربية نحو وحدتها وتحررها من الاستعمار ونهوضها الحضاري، وإلى استعداد مصر السخي في العطاء والتضحيات وتحمل ما لا يستطيع غيرها تحمله.

لنأخذ اللغط الآخر بشأن بدعة تكوين وتأليف وتزيين الدين الإبراهيمي الجديد.

فجأة يراد لدين الإسلام والدين المسيحي أن يتراجعا دينياً وثقافياً إلى الخلف، ومع الزمن أن يختفيا، ليحل محلهما مشروع دين جديد مليء بالمغالطات التاريخية والرفض المبطن لما جاء به عيسى عليه السلام، ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم.

بعد ذلك لن يكون لديني الأمة الأساسيين دخل بفلسطين وبالقدس وبكنائسها وبمسجدها الأقصى، ومنها سينتقل العرب والمسلمون إلى قبول الاستيلاء الاستعماري الاستيطاني الصهيوني على فلسطين العربية وما حولها والتعايش مع الأساطير والخرافات التي تروجها الصهيونية باسم الدين اليهودي، من أجل جعل غزوها وسرقتها لفلسطين ليس أكثر من تتمة لذلك الدين المتخيل.

وهكذا، من لغط الهوية والالتزامات القومية، إلى لغط الدين وإبعاده عن الخالق والحي الإلهي، والكتب السماوية، وجعله رواية تاريحية مليئة بالخيال وعناصر الأدب. ومن اللغط حول الهوية والدين يبدأ لغط السياسة.

فجأة هناك مؤامرة على نظام الحكم في الأردن مكونة من رغبات استعمارية، وأحلام صهيونية وطفولة تدخلات عربية.. والهدف؟ دفع الأردن لقبول صفقة القرن المجنونة، ولأن يكون وطناً بديلاً!

ولأن يقبل بأن يكون مكاناً آمناً لكل تنظيم استخباراتي، أو إرهابي لتدمير ما يراد تدميره في طول وعرض بلاد العرب، ومن ثم شعوره بالضعف والهوان، وبالتالي الكفر بعروبته وانتمائه القومي، واندماجه التدريجي بألف شكل وشكل في المشروع الاستعماري الصهيوني في فلسطين وباقي أرض العرب.

ثلاثة أمثلة في سلسلة طويلة من مؤامرات الخارج الاستعماري الصهيوني والداخل الفاسد الاستبدادي، بدءاً بإثارة الصراعات الطائفية، والخلافات القبلية والنعرات العرقية بين الحين والآخر، ومروراً بمثل الأمثلة الثلاثة الحالية، ومن دون أن يكون في الأفق ما يبشر بنهاية تلونها، تماماً كتلون الحرباء السامة.

* د. علي محمد فخرو كاتب وسياسي بحريني

المصدر | الشروق