الثلاثاء 27 أبريل 2021 04:49 ص

حريق مستشفى بغداد: إرث الاحتلال وسلطات الفساد والمذهبية

ألا يتناسى رئيس الحكومة أيضاً عجزه شخصياً عن وضع حدّ لأشكال المسّ الأخرى أو ضعف حكومته إزاء سطوة الميليشيات والقوى المهيمنة؟

الكارثة ليست نتيجة تغييب تدريجي للدولة ومؤسساتها وشيوع الفساد والتقصير والإهمال فقط بل مآل طبيعي لانهيار تدريجي أصاب البنية التحتية.

ما نفع قرارات رئيس الحكومة بوقف وزير الصحة ومحافظ بغداد ومدير المستشفى إذا كان الخلل بنيويا وعميقا وشاملا يتأصل يوميا وينخر جسم الدولة باضطراد؟

الميليشيات المذهبية لا تقيم وزناً للدولة بكافة أرجاء العراق وتقصف أهدافا ومنشآت متى شاءت خدمة لأجندات خارجية دون أن تتخذ الدولة أي إجراء لردعها.

*     *     *

الحريق الذي نشب في مستشفى ابن الخطيب المخصص لعزل المصابين بفيروس كورونا في العاصمة العراقية بغداد ليس كارثة وطنية عراقية بامتياز فحسب، بل هو واقعة جديدة في سجلّ طويل من المآسي التي تضرب البلد وتتواصل منذ عقود.

في ظلّ غياب الدولة وانشغال الوزارات والمؤسسات والساسة والأحزاب بصراعات حزبية أو عقائدية أو مذهبية أو مناطقية، فضلاً عن شيوع الفساد والفوضى والإهمال وانعدام الحس بالمسؤولية.

وسوى محاولة امتصاص النقمة الشعبية العارمة إزاء هذه الجريمة النكراء، ما نفع قرارات رئيس الحكومة العراقية بوقف وزير الصحة أو محافظ بغداد أو مدير المستشفى، إذا كان الخلل بنيوياً وعميقاً وشاملاً يتأصل يوماً بعد آخر وينخر جسم الدولة تباعاً وباضطراد؟

وأي مفارقة مأساوية في أن تنتقد وزارة الداخلية زميلتها وزارة الصحة والإشارة إلى أن المستشفى يفتقر إلى أبسط مقومات السلامة، في حين أن رجال الداخلية أنفسهم لم يفلحوا في الحيلولة دون سقوط قتلى وجرحى في ساحات الاحتجاج السلمية، بافتراض أن بعض الضباط لم يتواطأوا على تنفيذ تلك الجرائم؟

ورئيس الجمهورية ذهب أبعد حين اعتبر أن فاجعة احتراق المستشفى هي «نتيجة تراكم دمار مؤسسات الدولة جراء الفساد وسوء الإدارة» متناسياً أن غالبية الميليشيات المذهبية لا تقيم وزناً للدولة ذاتها في جميع أرجاء العراق، وتقصف الأهداف والمنشآت متى شاءت خدمة لأجندات خارجية من دون أن تتخذ الدولة أي إجراء ملموس لردعها.

وحين يصف رئيس الحكومة الحريق بأنه «مسّ بالأمن القومي العراقي» و«نكسة بكل ما للكلمة من معنى» ألا يتناسى هو أيضاً عجزه شخصياً عن وضع حدّ لأشكال المسّ الأخرى، أو ضعف حكومته إزاء سطوة الميليشيات والقوى المهيمنة؟

وإن تكريم قرابة 200 قتيل ومصاب من ضحايا الحريق حتى الساعة يقتضي الإشارة أولاً إلى أن الكارثة ليست نتيجة التغييب التدريجي للدولة ومؤسساتها فقط، أو شيوع مظاهر الفساد والتقصير والإهمال وحدها، بل هو أيضاً مآل طبيعي للانهيار التدريجي الذي أصاب البنية التحتية في القطاعات الصحية بسبب عقود من الحصار الذي فُرض على العراق وفي جانب منع استيراد المعدات واللوازم الصحية تحديداً.

وهو على قدم المساواة ثمرة السلطة التي أقامها الاحتلال الأمريكي في أعقاب غزو العراق سنة 2003، ونهضت على النهب والتبعية الخارجية والصراعات العبثية، وتسببت في إفقار بلد كان ويظل غنياً بثروة نفطية تمكنه من توفير الرخاء والأمن لأبنائه.

ومما يضيف الإهانة على جراح ضحايا مستشفى ابن الخطيب أن الإجراءات الرسمية حول إيقاف هذا المسؤول أو ذاك، أو تشكيل لجان تحقيق في الكارثة وإطلاق الوعود حول كشف النتائج ومحاسبة المسؤولين، لن تجدي نفعاً في ضمان عدم تكرار كوارث مماثلة، قد تكون عواقبها أشد وطأة أيضاً.

وليس غريباً في هذا السياق أن يلمح زعيم التيار الصدري إلى احتمال أن يكون الحريق مقصوداً، ومرتبطاً بأجندات على صلة باقتراب الانتخابات واضمحلال فرص بعض الفئات بالفوز، وفي هذا التلميح خطورة قصوى وإشارة صريحة إلى إمكانية ذهاب أجندات التخريب الداخلي إلى مدى دموي وإجرامي أقصى.

المصدر | القدس العربي